تتجه الأمور في مصر إلى تصعيد كبير في المواجهة بين أنصار دولة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، القائمة، وأنصار دولة 25 يناير، المتخيلة، في مصر.

يأتي ذلك على إثر استقطاب حاد، آخذ في النمو، بين مؤيدي الإعلامي الشاب "شادي حسين أبو زيد"، في بثه فيديو "الواقي الذكري"، الذي سخر فيه من الشرطة المصرية، معتبرين إياه "حرية تعبير"، في مواجهة الفريق الذي يقف مع الشرطة، ضد "الفيديو"، فيما اعتبروه "مهينا، ولا يمكن قبول الاعتذار عنه".

وبث الإعلاميان شادي حسين، وأحمد مالك، فيديو لهما، وهما يقومان بتوزيع "بلالين" عبارة عن واقيات ذكرية منفوخة، على ضباط وجنود تواجدوا بميدان التحرير، في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، على سبيل التهنئة لهم بالعيد رقم 64 للشرطة المصرية، بأسلوب ساخر.

شادي ينعى نفسه

حتى لحظة نشر هذا التقرير، كان تعليق "شادي حسين" - الذي كتبه بصفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، على البلاغات والحملة الضارية عليه، من قبل أركان دولة السيسي - قد حظي بإعجاب 119 ألف شخص، وتعليق أكثر من 15 ألفا، ومشاركة قرابة 35 ألفا.  

وجاءت تدوينة "شادي" مطولة، ونعى فيها نفسه، وعبر فيها عن مخاوفه على نفسه، وعائلته، من انتقام النظام، رافضا الاعتذار عن الفيديو، ومؤكدا أنه تعبير حر عن الرأي، لا يستحق كل هذه الحملة الضارية عليه، مذكرا بسجل الشرطة الحافل بالانتهاكات.

وفي البداية قال: "قفشتوا ليه؟ أنا بهزر.. ده أنا حتى مفقعتش عين متظاهر، ولا سحلت بنت في قلب الشارع، وعريتها.. ولا هو يعني كان لازم اغتصب بنتا في كمين علشان الموضوع يهدأ؟ طب ليه مانعتبرش اللي صورتهم في آخر فيديو دول حزب الله وحماس، ولابسين ميري زي قبل كده؟".

وأضاف: "شاركت في ثورة يناير زي كتير من المصريين شاركوا فيها.. وعمري ما هاندم على مشاركتي فيها.. شفت سحل وقتل في عز الظهر من قبل "رجال" الأمن.. وبشكل شخصي تمت ممارسة بعض الانتهاكات معي في أحداث الثورة من ال3 فصائل اللي حكموا من بعد الموجة الأولى من الثورة".

وتابع: "عشت في حالة اكتئاب طويلة مع مرور الأحداث وسط عجز تام، وعدالة ليس لها وجود.. وأخيرا.. اتمنعنا حتى من إبداء رأينا.. ممنوع تعمل مظاهرة، وتعبر فيها عن رأيك، وألا هتتسجن أو تتقتل.. أغلب الأصدقاء بطلوا الكلام في السياسة، وبيحاولوا يتناسوا الثورة علشان التشوه اللي أصيبنا بيه من اللي شوفناه".

وأضاف: "في ذكرى 25 يناير 2016 بقى في تواجد أمني رهيب في الشوارع مع تهديدات، ووعيد لمن ينزل يتظاهر.. ماحدش فعلا نزل، وكله مقهور، وكله استوعب إننا مش عارفين ننسى.. طيب خلاص.. إنتو فعلا معاكم سلاح ومعاكم السلطة، والقانون".

ومتحديا قال: "كل أسلحتكم ديه إحنا هنعمل منها نكت, كوميكس أو فيديو صغير وكدة كدة إنتو تقدروا تخطفونا من بيوتنا، وتقتلونا في عز الظهر.. بس مش هتقدروا تنكروا وجودنا، ولا هتقدروا تنكروا أنكم نكتة.. بس نكتة سخيفة".

وأردف: "أنا واحد بيخاف بس بيعمل اللي في دماغه.. التهديدات خلت عائلتي كمان عايشة في رعب.. بيدفعوا تمن حاجة أنا اللي عملتها".

واختتم تدوينته بالقول: "حاسس أن أيامي معدودة بره القفص.. ولما أدخله مش هخرج منه قريب بس لو ديه النهاية خلوني أقولكم إني مبسوط بأصدقائي الكتير اللي دايما كانوا بيقفوا جنبي، وساندوني.. أشوفكم في عالم آخر يا أحبائي نكون فيه أحرارا نضحك دون أن نُسجن".

فريق "يناير" يعيد الاصطفاف

وحظيت تدوينة شادي هذه بنشر واسع في المواقع الخبرية، وصحف الانقلاب، فضلا عن تعليق الآلاف عليها، مثنين على شجاعته فيما فعله، ولم يروا في الفيديو أي خروج على قواعد الآداب، والأخلاق العامة، وإنما هو تذكير بمباديء ثورة يناير، التي انتهكتها شرطة السيسي، وفق آرائهم.

فقال إسلام عقل: "يكفيك أنك علمت على قفا النظام والسلطة، وأسهمت بقوة في تكريس فكرة مسخرة "أبو دبورة وكاب وطبنجة".

وقال عماد الدين السيد: "دي أول مرة أحس بجد فعلا أنه "لساها ثورة يناير".

وقال شادي طلعت: "أتمنى أننا فعلا نأخد هدنة من الصدام الثوري، وننقل المعركة إلى آفاق جديدة".
وقال محمد ذو العلمين: "50 ألف لايك في ساعتين.. إحنا كتير أوي يا جدعان بس محتاجين نعقل، ونفوق، ونتجمع".

وقال أحمد محمد: "لو حصل لك حاجة يبقى هيحصلنا كلنا، ومش هنسكت ونسيبك يا شادي".

وقال محمد عطية: "أنت أجدع من الأفاقين مزدوجي الفكر.. شكرا لك.. خليت الدولة المُهزأة تقف علي رِجل".

وقال عمر حسن: "ده مشرط الكوميديان اللي بيرعبهم، شكرا ع العيدية يا شوش.. الرسالة مكانتش للعساكر.. الرسالة كانت للمؤسسة.. الشرطة اللي كانت بتطرطر (تبول) ع الناس من فوق المبنى، وبيحطوا العصيان ف مؤخرات البشر".

وقالت ليلى عناني: "أنت عملت لوحدك ثورة..استخفيت بجهلهم، وسخرت منهم.. كسرت تابوهات بلطجية النظام، وأهدرت كرامتهم، زي ما أهدروا آدميتنا وإنسانيتنا.. دعمنا لك".

وقال زياد العليمي: "ينفع برضه اللي ما خافش م الرصاص، وأخده بصدره مكشوف، يرد راس برأس كده مع اللي بيخاف من سخرية.. المقامات مش متساوية يا شادي علشان يتهموك، وأنت ترد.. أت أجدع".

وقال عبدالرحمن عز: "وصلنا لمرحلة أصبحت فيها "السخرية" من القتلة والفسدة عملية فدائية بجد.. وصلنا لمرحلة القتل والسحل والاغتصاب وحرق المصابين أحياء عمل وطني لكن السخرية من الإجرام ده خيانة، وقلة أدب"!.

وسخر عمرو الأنور: "مش فاهم شادي غلط في إيه.. الرجل كان قاصدا يجيب لهم بلالين ما بتفرقعشي، ولا بتسرب هوا، وتستحمل معاهم لآخر اليوم".

وقالت مارينا شكري: "دولة هزها فيديو لكن تعرية البنات واغتصابهن وقتل الشباب عادي".
وقال إسلام لطفي شلبي: "عارفين ايه هي قلة الأدب بجد.. برلمان السيسي وتسريبات عبدالرحيم علي وتحليلات بخيت وكاطو".

‏ضباط: حرقتنا.. ولا اعتذار

وفي المقابل عبَّر عدد كبير من ضباط الشرطة عن غضبهم الشديد، مما اعتبروه "إهانة شديدة" تعرضوا لها، بسبب الفيديو.

وأعلن الضباط رفضهم لأي اعتذار عن الواقعة مشددين على ضرورة أن يأخذوا حقهم بالقانون، في وقت اعتذر فيه أحمد مالك عن الأمر، واتهمه والده ضابط الجيش السابق بعقوق الوطن، في حين اعتبر شادي الأمر "حرية تعبير".

وقالت "صفحة الشرطة المصرية"، الأربعاء، على موقع "فيسبوك": "ما فيش حاجة اسمها اعتذار، وما فيش قبول اعتذار.. حقنا، وحق الشعب كله لازم ناخده، وبالقانون.. الاعتذار مرفوض".

كما نشرت صفحة "الشرطة المصرية نيوز" صورة من "بروفايل" شادي على "فيسبوك"، مع عبارات غاضبة، وتوعد بملاحقته قضائيا، وتهديده بالتصفية الجسدية.

فقالت الصفحة: "الرجولة أنك تسد للآخر.. مش رجولة أبدا يا عم شادي إنك تضحك على عسكري غلبان جاي من الصعيد، وتنفخ واقي ذكري علشان تضحك عليه، أنت وأبلة فاهيتا.. علشان العسكري دا لو عرف اللي عملته كان نفخك، ورجعك "حامل".

وتابعت الصفحة: "لو حد عنده معلومات عن مكانه إنبوكس.. وبإذن الله في دعوة قضائية ضده، وياريت يطلع أهبل، وينشره على الميديا علشان نحبسه بالقانون".

كما بثت صفحة الشرطة المصرية مقطع فيديو لمدير (أدمن) الصفحة، النقيب ماجد، وهو يرد على أحمد وشادى قائلا: "أنا فعلا محروق أوي من ساعة ما شفت (رأيت) الفيديو إمبارح".

واعتبر ماجد الفيديو إهانة "لكل فرد من أفراد الشرطة، وشهدائنا، وإهانة لرمز البدلة والشرطة".
وتابع: "الاعتذار غير مقبول، لأنك ما دستش على قدمي لكي تقول: أنا آسف.. أنت أهنتني، وأهنت شهداءنا، وأهنت بلدي".  

وأردف: "نحن لسنا مجالا للسخرية.. نحن ضباط وعساكر وأفراد تموت لأجل البلد دي تعيش".

وفي تلميح خطير، استطرد: "القانون هو الفيصل بيننا.. ولم نقصد أن نقتلك، ومش هنمشي في الشارع علشان نقتلك أنت، أو أحمد مالك".


كما نشر الضابط بقطاع الأمن المركزي، أحمد رأفت، مقطع فيديو عبر حسابه الشخصى بموقع "فيسبوك"، مساء الثلاثاء أيضا، متوعدا مراسل برنامج "أبلة فاهيتا"، بملاحقته قانونيا، واصفا إياه بأنه "مذيع عروسة"، ويبحث عن "الضجة الإعلامية".

وخاطب الضابط "شادي" بالقول: "أنت هايف.. لو أنت شايف أنك كده ثوري.. فلن يؤثر فينا.. إحنا رجالة.. نسيب (نترك) بيوتنا باليوم والاثنين والثلاثة لحماية سيادتك.. إحنا بنحمي البلد دي.. وعمرنا ما هنتنازل عن حمايتها.. نموت علشان البلد تبقى كويسة".

وتابع: "مش ها نسيب حقنا، وبالقانون.. حقنا هيرجع لينا.. ربنا يحتسبنا شهداء".


وقال ضابط، في فيديو ثالث: "عيب ومش رجولة أن تستغل عدم معرفة اللي أمامك بحاجة"، مشيرا إلى أن الفيديو يشير إلى أن نية أفراد الشرطة صافية، و"ما فيش في نيتهم حاجة"، وفق قوله.

وبرغم غضب ضباطها وأفرادها، المشار إليه، في السطور السابقة، خفَّفت وزارة الداخلية المصرية من خطابها تجاه الواقعة، وتعمدت تبريد ملفها، كي يتلافى نظام السيسي نذر المواجهة مع قطاع عريض من الشباب، والمتعاطفين مع شادي، وثورة يناير.

فقال مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام، اللواء أبوبكر عبدالكريم، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "الحياة اليوم"، الثلاثاء - إن قطاع الشؤون القانونية سيتخذ الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها تجاه الواقعة".

ونفى إلقاء القبض على شادي أو أحمد، مؤكدا أن الوزارة سوف تتخذ الإجراءات القانونية، ورافضا - في الوقت نفسه - التحدث مع والد أحمد مالك، خلال البرنامج، برغم أن أحمد اعتذر، وأنه يؤيد نظام السيسي.

واكتفت الوزارة - حتى الآن - بتقديم بلاغ للنيابة العامة، الثلاثاء، ضد شادي وأحمد، بتهمة إهانة الوزارة، باعتبارهما صاحبي فيديو "السخرية من الشرطة"، دون أن تعتقلهما، أو تتعرض لهما، وإن كانت مصادر أمنية ذكرت أنهما تحت رقابة الأجهزة الأمنية.