تابع الملايين خطاب وداع «أوباما» الذي انتهى منذ عدة ساعات، وتابع الملايين أيضًا قبل ذلك الجلسة التي جمعت بين «باراك أوباما» و«دونالد ترامب» الفائز بانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة في البيت الأبيض، والتي تباحثا فيها سبل انتقال سلس للسلطة، ويقضي باراك أوباما، الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، حيث تنتهي فترته الرئاسية الثانية رسميًا في العشرين من شهر يناير (كانون الثاني) المقبل.

وصل أوباما للبيت الأبيض بعد الفوز في الانتخابات الرئاسية على المرشح الجمهوري «جون ماكين»؛ ليكون أول أمريكي من أصول إفريقية يصل لأعلى منصب في الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأت فترة رئاسة أوباما الأولى في الـ20 من يناير (كانون الثاني) لعام 2009، وذلك خلفًا لـ«جورج بوش الابن»، وامتدت فترة رئاسته ثماني سنوات بعدما فاز بفترة رئاسة ثانية في انتخابات الرئاسة لعام 2012، بتحقيق الفوز على المرشح الجمهوري «مِت رومني».

انتصر أوباما في السباقين الانتخابيين بفارق كبير عن منافسيه؛ حيث حصل على أكثر من ضعف عدد أصوات ماكين في المجمع الانتخابي في انتخابات 2008، وذلك بعدما حصد 365 صوت مقابل 173 فقط لماكين، وبفارق شاسع في التصويت العام يُقدَّر بعشرة ملايين صوت. وعاد أوباما في 2012 ليحقق فوزًا كاسحًا على رومني بفارق 126 صوت في المجمع الانتخابي، وأكثر من خمسة ملايين صوت في التصويت العام.

ورِث أوباما تركة ثقيلة من جورج بوش الابن، تتمثل في أزمة اقتصادية هي الأكبر منذ الثلاثينات، وحروب استنفدت المليارات من الدولارات. لذلك تركزت سياساته على الإصلاح الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وخفض نسب البطالة، وبسط الرعاية الصحية؛ لتشمل أعدادًا أكبر ممن لا يحظون بتأمينات صحية، وتحسين التعليم، والعمل على الاستقلال عن الشرق الأوسط في مجال الطاقة، مع الاهتمام بالبيئة وقضية الاحتباس الحراري.

نستعرض معًا في هذا التقرير أداء أوباما في بعض القضايا والملفات الهامة.

1. الولايات المتحدة من الداخل

نتناول في هذا القسم عدة ملفات هامة تمس السياسة الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، مثل الاقتصاد والمهاجرين والرعاية الصحية والوظائف والطاقة.

الاقتصاد

ملف الاقتصاد الأمريكي من أهم الملفات التي تهم الشعب الأمريكي، وأحد أهم عوامل تقييم الرؤساء الأمريكيين عبر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.
أوباما كان سيئ الحظ في أنه ورث اقتصادًا متراجعًا، على إثر فترة كساد اقتصادي عميق في عهد سابقه جورج بوش الابن. الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الوضع الاقتصادي للأمريكيين بات أفضل كثيرًا مما كان عليه منذ ثماني سنوات، بالرغم من محاولات خصوم أوباما تصويره عكس ذلك.
بالرغم من ذلك، فإن معظم الأمريكيين يشعرون بأنه يجب أن يكونوا في وضع أفضل اقتصاديًا؛ ربما هنا هم يعقدون مقارنة بين تجربة أوباما وتجربة كلينتون الذي انتشل الاقتصاد الأمريكي من كبوته في عهد جورج بوش الأب، وحقق أعلى معدلات نمو للاقتصاد الأمريكي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

تسلَّم أوباما الاقتصاد الأمريكي في وقتٍ كان فيه معدل النمو الاقتصادي سلبيًا بنسبة 2.8، وقد وصل النمو في الاقتصاد الأمريكي حتى الربع الأول من عام 2016 إلى 15% أكبر من حجم الاقتصاد الأمريكي في 2008، بمعنى أن معدل النمو الاقتصادي ارتفع بنسبة 4.9% في سنوات أوباما بمتوسط نمو 2% سنويًا وفقًا لتقرير «سي إن إن»، وبالرغم من ذلك، فإن متوسط معدل نمو الاقتصاد الأمريكي ما زال أقل من المتوسط العام للاقتصاد الأمريكي.


الدين العام

ارتفعت نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج العام خلال فترة رئاسة أوباما؛ حيث ارتفع الدين العام الأمريكي إلى 13.6 تريليون دولار بزيادة قدرها 116% منذ وصوله للرئاسة. وكان يمثل حوالي 52% من الناتج القومي في بنهاية العام المالي 2009، ولكنه ارتفع إلى 74% بنهاية العام المالي 2015.


الوظائف

وصلت البطالة في الولايات المتحدة الأمريكية لأعلى نسبها قبل وعند وصول أوباما للبيت الأبيض، حيث بلغت 7.8%؛ وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة حينها، وأخذت نسبة البطالة في الارتفاع فوصلت بعد عام تقريبًا من رئاسته إلى 10%، وهي النسبة الأعلى خلال الـ26 عامًا الأخيرة.

أثر سياسات أوباما الاقتصادية بدأ يظهر بعد ذلك، وبدأت نسبة البطالة تقل حتى وصلت إلى 4.7% في مايو (آيار) 2016 كما تشير أرقام وزارة العمل الأمريكية.

أحدث أرقام وزارة العمل تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي نجح في خلق 180 ألف فرصة عمل جديدة كل شهر، وأن معدل البطالة هبط إلى 4.6% بنهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.


عدد الوظائف التي خُلِقت في فترة أوباما وصلت لما يقرب من 14.4 مليون وظيفة، مقابل 1.7 مليون فقط في رئاسة جورج بوش الابن، ولكنها أقل كثيرًا من عدد فرص العمل التي تم توفيرها في عهد بيل كلينتون، والتي وصلت إلى 23 مليون فرصة عمل.

على الجانب الآخر لم ترتفع رواتب العاملين بشكل كبير؛ فبعد حساب عامل التضخم يتضح أن الرواتب كانت شبه ثابتة حتى وقت قريب عندما بدأت في الارتفاع، فكما تشير أرقام موقع (npr)، فإن الرواتب ارتفعت أقل من دولار واحد بحساب عامل التضخم في الثماني سنوات الماضية.


لم يرتفع متوسط دخل الأسرة في نهاية عهد أوباما عما كان عليه في 2009 بحساب معدل التضخم. حيث كان متوسط دخل الأسرة الأمريكية في 2009 حوالي 54.9 ألف دولار، وفي عام 2015 أصبح حوالي 53.65 ألف دولار.

الضرائب

كانت الضرائب إحدى نقاط الخلاف العديدة بين أوباما والكونجرس الذي سيطر عليه الجمهوريون. حيث رغب أوباما في مد فترة خفض ضرائب الدخل على من يقل دخلهم السنوي عن 250 ألف دولار، وزيادة ضرائب الدخل على الأثرياء الذين يزيد دخلهم عن 250 ألف دولار. بينما كان الجمهوريون يرفضون تمديد خفض الضرائب، إلا في حالة تمديد الخفض على الجميع، بما فيهم الأثرياء، كما هاجموا أوباما لإنفاقه المليارات على برامج الإعانة والرعاية الصحية على منخفضي الدخل.

أوباما نجح في فترة رئاسته الثانية أن يحقق انتصارًا بعدما استطاع الحصول على موافقة الكونجرس على تمديد فترة خفض ضرائب الدخل، لمن يقل دخلهم السنوي عن 400 ألف دولار، وزيادة ضرائب الدخل على الأثرياء إلى 39.6%.

الصناعة

يعد النمو في مجال الصناعة الأمريكية أحد النقاط الساطعة في سجل أوباما الاقتصادي؛ الصناعات الأمريكية لم تستعد فقط معدلاتها قبل الكساد الاقتصادي، ولكنها فاقتها أيضًا.

دعم أوباما العديد من الصناعات الأمريكية، مثل شركات صناعة السيارات؛ وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة في عدد السيارات الأمريكية المباعة، كما أن النمو الهائل في مجال الطاقة، خاصًة في إنتاج النفط الصخري في داكوتا الشمالية والجنوبية وبنسلفانيا وتكساس، وفر العديد من فرص العمل سواء في مجالات الطاقة أو الصناعات المرتبطة بها.


الطاقة

في خطابه أمام المؤتمر العام للحزب الديمقراطي في أغسطس (آب) 2008، بعد إعلان فوزه ببطاقة الترشح عن الحزب الديمقراطي وعد أوباما باستثمار 150 مليار دولار في مجال الطاقة المتجددة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية والرياح والجيل الجديد من الوقود الحيوي، وزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة للطاقة في إنتاج الكهرباء.

خطاب أوباما عن الطاقة كان يرتكز على تعظيم حماية البيئة واستغلال مجال الطاقة لتوفير ملايين الوظائف الجديدة.

لاقت خطط أوباما تعنتًا كبيرًا غير مبرر في كثير من الأوقات، من قبل الحزب الجمهوري خاصة في خطته لدعم الشركات التي تعمل في مجال إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، وكان الجمهوريون يتخذون من نموذج شركة «Solyndra» ذريعة لرفض خطة أوباما. فشركة «Solyndra» التي تعمل في مجال الطاقة الشمسية أشهرت إفلاسها في 2011، بالرغم من تلقيها دعمًا كبيرًا من الحكومة الفيدرالية.

ولكن بالرغم من ذلك، فإن مجال الطاقة المتجددة شهد نموًا كبيرًا في عهد أوباما، فتم مضاعفة الكهرباء التي يتم توليدها من طاقة الرياح خمس مرات خلال الثماني سنوات، وقل الاعتماد على الفحم في توليد الكهرباء من حوالي 50% إلى 33%، بينما أصبحت مصادر الطاقة المتجددة تستخدم في توليد 13% من إجمالي الكهرباء في الولايات المتحدة، والنسبة ما زالت آخذة في الارتفاع كما تشير أرقام إدارة الطاقة الأمريكية.


إنتاج أمريكا من النفط في 2016 وصل لأعلى مستوى له في آخر 43 عامًا، وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض أسعار الوقود بشكل كبير؛ حيث هبطت من 3.01 دولار للجالون الواحد في 2007، إلى 2.15 دولار للجالون في 2016.

الرعاية الصحية

ربما كانت سياسة أوباما في التأمين الصحي هي الأشهر عالميًا، بعدما التصقت باسمه وأصبحت تعرف باسم «أوباما كير». وبالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهها الجمهوريون للقوانين الخاصة بالرعاية الصحية، فإن «أوباما كير» استطاعت تقليل عدد المواطنين غير المشمولين بتأمين صحي من 14.9% في عام 2008 إلى 9.1% في 2016، وذلك وفقًا لمؤسسة «جالوب»، وتعتبر هذه هي أفضل نسبة لها منذ خمسين عامًا.


وارتبط قانون «الرعاية الصحية بأسعار معقولة» باسم الرئيس الأمريكي، والذي أُقِر رسميا في 2010، ولكن بدأ العمل به في 2014، ويهدف القانون إلى بسط الرعاية الصحية لتشمل جميع المواطنين بدون اعتبار تاريخهم المَرَضي، وحاول الجمهوريون كثيرًا إلغاء القانون، حيث حاولوا ذلك 47 مرة بلا نجاح، وذلك في الفترة من 2010 وحتى 2014.

الهجرة

شهد عهد أوباما رقمًا قياسيًا في عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين تم ترحيلهم من الولايات المتحدة، وقد بلغ عدد المهاجرين غير الرسميين للولايات المتحدة 12.2 مليونًا في عام 2007، وهو أعلى عدد للمهاجرين الذين لا يحملون أوراقًا رسميًا وفقًا لمركز «بيو».


وخلال السنوات الست الأولى من رئاسة أوباما، تم ترحيل حوالي مليوني مهاجر غير رسمي من الولايات المتحدة، كما توضح أرقام إدارة الأمن الداخلي الأمريكية.


وبالرغم من أن عدد المهاجرين الذين تم ترحيلهم في عهد أوباما أعلى من أي رئيس آخر، إلا أنه حاول كثيرًا تقنين أوضاع عدد كبير من المهاجرين غير الرسميين، ولكنه قوبل برفض محاكم الولايات والمحاكم الفيدرالية لخطتين كان قد اقترحهما لتقنين أوضاع ما يقرب من  أربعة ملايين مهاجر غير شرعي.

تابع بقية التقرير في الصفحة التالية