أسامة أسكدالي - خاص ترك برس

يُقاس الغِنى في الوقت الراهن بما تملكه العائلة من ثروة مادية، وعلى أساسه يتم تصنيف أغنى العائلات وأغنى الشخصيات على مستوى البلاد، أو خارجها، ولكن الغنى الحقيقي يقاس حسب ما يشير إليه الكاتب "ميرت جان سايغسيز" بالثروة المادية التي تمتلكها العائلة إلى جانب الإرث الاجتماعي ونمط العيش الذي تتخذه العائلة منهجا في أسلوب عيشها ضمن المجتمع الذي تعيش فيه، بالإضافة إلى علاقاتها مع أطياف المجتمع المختلفة".

يقول نابليون هيل: "من الحقائق الثابتة أنك تستطيع أن تنجح بسرعة وبأفضل طريقة عندما تساعد الآخرين على النجاح".

ربما تمثل المشروع الذي رسمه مؤسس "كوتش هولدينغ" في سياسته الاقتصادية بهذه المقولة، وهبي كوتش مؤسس إرث عائلة كوتش الاقتصادية لم يكتف بنجاحه هو، إنما قام بنقل تجربته وخطته التي اتبعها لتكون دستورا يحتذى به لدى أفراد العائلة كلها، وبذلك لا يكون ناجحا لوحده، وإنما ساعد في نجاح غيره أيضا.

تُعد عائلة "كوتش" من العائلات الأصيلة التي حققت غنىً على الصعيدين المادي والشخصي، إن إمبراطورية عائلة "كوتش"إن صحت تسميتها بهذا الشكل بدأت منذ الجد "وهبي كوتش" مؤسس الإمبراطورية وما زالت مستمرة، وما تزال هذه الإمبراطورية تكتسب بريقا وتُضاعف من ثروتها، مثبتة أن كثيرا من المفاهيم التي ترسخت في أذهان الناس لا أساس لها من الصحة، ومن هذه المفاهيم تلك العبارة التي تقول: "إن الجيل الأول يؤسس للثروة، والجيل الثاني يستمر في قيادة الإمبراطورية التي بناها الجيل الأول، والجيل الثالث يهدم ما حققاه الجيلان الأول والثاني"، ولكن مع عائلة كوتش نجد أن هذا المفهوم لا صحة له، فالإمبراطورية التي أقامها "وهبي كوتش" الذي يعد من الجيل الأول، استمر بها الجيل الثاني المتمثل بـ "رحمي كوتش"، لتزداد تألقا ومضاعفة للثروة مع الجيل الثالث المتمثل بـ "مصطفى كوتش".

الجد المؤسس "وهبي كوتش"

اهتم الجد "وهبي كوتش" ببناء الإمبراطورية، ولكنه بحنكته لم يغفل أن التعليم هو أساس الثروة، وأحد الدعائم الرئيسة للحفاظ على ما تم جمعه من ثروة مادية، ولذلك من الملفت للانتباه الأسلوب الذي اتبعته العائلة في نمط عيشها، ويظهر ذلك جليا في الرسالة التي كتبها الجد "وهبي" لابنه "رحمي"، بعد أن تم توظيف الحفيد "مصطفى" في شركة "راما" والحفيد "عمر" في الشركة التي يديرها السيد "ألباي"، والحفيد "علي" في شركة "راميريكا"، وذلك بهدف التدريب والتأهيل، الرسالة التي يرى فيها أن من الضروري عدم التعامل مع الأحفاد على أنهم أبناء رحمي، وأحفاد وهبي، وأن من الضروري تعليم وتدريب وتأهيل الأبناء بشكل جيد، وكانت الرسالة على الشكل التالي:

"حسب ما أعرفه إن التعليم والتدريب والتأهيل شرط رئيس لا بدّ منه، إذ يجب على الأولاد أن يتعلموا ويتدربوا ويتأهلوا بشكل جيد، ولكن أرى أنه يتم التعامل معهم على أساس أنهم أبناء رحمي كوتش، وهذا ما يقودني إلى الاستياء، إن ساعات خروجهم إلى العمل ووصولهم إلى الشركة ومغادرتهم إياها غير معروفة، يقومون بفعل كل ما يحلو لهم، يذهبون بغرض السياحة إلى البلد الذي يريدونه، ولا أحد يقف أمامهم أو يعترض على ما يفعلونه، ولذلك عليك يا "رحمي" أن تكتب إلى مديري الشركات التي يعملون بها رسالة أشبه بمشروع، ولتكن الرسالة على سبيل المثال إلى الشركة التي يعمل بها مصطفى، ولتكن الرسالة على الشكل التالي: إن ابني مصطفى كوتش يعمل في شركتكم، ولكي ينشأ مصطفى تنشئة صحيحة نرجو منكم أن تتعاملوا معه كباقي الموظفين لديكم، أن يأتي إلى الشركة بانتظام وفي الوقت المطلوب، وألا يغادرها إلا بعد انتهاء الدوام، وأن يُطلب منه القيام بمهامه على أكمل وجه".

وتكمل الرسالة التي طلب الجد "وهبي" من ابنه كتابتها إلى الشركة التي يعمل بها مصطفى: "أرجو ألا تتعاملوا مع مصطفى على أنه ابن "رحمي كوتش"، وأن يشعر أنه مثل باقي الموظفين، وأرجو منكم أن تقدموا إلي تقريرا سريّا كل 3 أشهر يحتوي على معلومات عن مصطفى، وأدائه في الشركة، لدي 3 أبناء، سيتولّون في المستقبل مهام قيادة الشركات وإدارتها، وبناء على ذلك أرجو منكم أن تأخذوا هذا الامر بعين الاعتبار وأن تتعاملوا معهم على هذا الأساس".

ويقتص "وهبي" ذات مرة من إحدى الصحف خبر تفوّق أحد الطلاب الجامعيين ويرسلها إلى أحفاده، ويقول في الرسالة التي وجهها إليهم: "أتمنى أن أراكم أنتم أيضا على صفحات الصحف وهي تتناقل خبر تفوقكم في تعليمكم ودراستكم".

الأب "رحمي كوتش"

ليس غريبا على هذه العائلة أن تحقق هذه النجاحات وأن تصبح من أغنى العائلات التركية، لطالما أن المؤسّس يتتبع التحركات جميعها التي يقوم بها أي فرد من أفراد العائلة، ما عرف عن الجد "وهبي" أنه كان يبدي حساسية كبيرة تجاه الوقت والنظام، يدوّن كل ما يقوم به ، كل خطوة يخطو بها مع التأريخ والتوقيت على أجندته الخاصة، فكان عندما ينوي الذهاب إلى اجتماع ما، يجهز مسبقا ما سيناقشه، ويطلب من مديرة المكتب أن تدوّن القضايا التي سيناقشها كلمة بكلمة، وكان بعيد عودته من الاجتماع يدوّن كل ما تمت مناقشته، حتى النصائح التي كان يسديها إلى أبنائه كان يقدّمها مكتوبة، وهذا يذكرنا بالمثل العربي القائل: "كلّ سر جاوز الاثنين شاعَ، كلّ أمر لم يدوّن بالقرطاس ضاعَ".

إن السياسة التي اتبعها المؤسس وهبي كوتش فريدة من نوعها، تهتم بأدق التفاصيل الحياتية، سياسة تتبع تدوين كل شيء، وتهتم بالقضايا كلها، على سبيل المثال نقص المياه الذي قد عانت منها بلاده لا بدّ له من أن يتناوله في نصائحه إلى أبنائه وأفراد أسرته، وكل ذلك مدوّن ومكتوب، حيث كتب في إحدى المرّات: "إن البلاد تعاني من نقص في المياه، لذا أطلب منكم ألا تسرفوا في استخدامها"، وحتى الأدعية التي يدعوها، والمساعدات التي يقوم بها كلّها تدوّن أولًا بأول.

وينقل وهبي ذات مرة حادثة جرت معه، ويطلب من أفراد أسرته أن يأخذوا منها العبر فيقول: "ذات مرة قمت بزيارة إلى الضابط "ممدوح تاغماج" في "قدريتلي" وقدمت له هدية عبارة عن سيارة، فردّ الهدية مع رسالة مكتوبة جاء فيها: "أشكركم على الهدية التي قدمتموها إلي، ولكن أنا وزوجتي لا نعرف قيادة السيارة، ولا توجد لدينا النقود الكافية لكي نوظّف سائقا خاصا، عندما يضطر بي الأمر أستعين بحافلات النقل الداخلي، وإن صادفنا شخص يعرفنا يفسح لنا المجال لكي نجلس مكانه، ولذلك أعتذر عن قبول الهدية".

"مصطفى كوتش"

كيف تمكن "مصطفى كوتش" الذي ضاعف ثروة العائلة 3 أضعاف، من إثبات عدم صحة العبارة القائلة: "الجيل الأول يبني، الجيل الثاني يستمر، الجيل الثالث يهدم؟"

عندما قرر والد مصطفى كوتش "رحمي" أن يولي مهام الإدارة إلى ابنه مصطفى، ولا سيما أنه من الشخصيات التي تحظى باحترام ودعم كبيرين لدى العائلة، وعرف عنه الجد والمثابرة، بعث الأخير برسالة إلى والده كتب له فيها: "والدي أقبل تولي مهام الإدارة ولكن بشرط! أعرف أنك تحلم بعد أن تتقاعد بالخروج في رحلة باليخت حول العالم، ولكن أطلب منك أن تؤجل هذه الرحلة إلى ما بعد، ذلك لأنني بحاجة إليك، أرجو منك أن تحضر كل يوم إلى الشركة كما هي العادة، لأنه هناك العديد من الأمور التي سألجأ فيها إليك، وأستفسر عنها، كلّما احتجت إليك وكلما وجدت صعوبة في مسألة ما سأدخل إلى مكتبك وأستشيرك".

وكان له ما طلبه من والده الذي قام بتأجيل جولته والجلوس إلى جانب ولده، لعلّ الإرث الذي تركه الجد وهبي في كيفية التعامل واحترام الكبير واستشارته في الأمور كلها، ترك أثرا كبيرا لدى مصطفى، الذي التزم بقواعد اللعبة التي رسمها جدّه.