د. أحمد البرعي - خاص ترك برس

في مقابلاته التسجيلية التي نشرت في كتاب "القلم والسيف، حوارات مع  ديفيد بارساميان"  يقول إدوراد سعيد "اذا حدث في زمن الحرب ان أُجبرت على أن أختار بين قيم العدالة والمبادئ والأفكار من ناحية أو حياة أمي التي يهددها الإرهابيون من ناحية أخرى فبالتأكيد سأختار أمي".

حبذا لو كانت الدنيا تعترف بقيم العدالة والمبادئ، كم كنا ولا زلنا نتمنى لو سادت قوة المنطق لا منطق القوة، ولكن شتان بين التمني والأحلام والواقع والمتاح. للحروب قوانينها وللسياسة دهاليزها ولا يسع من خاض معتركها إلا أن يدنس قدميه وأحيانًا رجليه بوحل حساباتها.

لا شك أننا نعيش في عصر تتلاطم فيه أمواج المكائد والمخططات، ولن يصمد أمامها إلا ربان خبُر البحار وأمواجها والشواطئ ومراسيها وعتمة ليالي الشتاء ووحشتها والظلمة وقتامتها، أما الهواة والمراهقين فحتماً سيسقطون ولن ينفعهم طيبة ولن يشفع لهم حسن خلق أو حسن نية.

إذا ما كنت في سعة من أمرك، فبإمكانك أن تبث روح الحماسة فيمن يتتبعون كلماتك، وترفع من سقف خطاباتك النارية، بل وقد تتوعد وترسم ملامح المستقبل، ويكأنك تمتلك زمام الأحداث، وتقرأ عواقبها وخواتيمها، وقد عاينا وشاهدنا مواقف وتصريحات ابتدأت ثورية نارية، وانتهت تطفئها حسابات العقلانية والمنطقية والبراجماتية.

اذا ما تكالبت عليك الأعداء فلابد وأن تحرص على أن لا تخلق أعداءً جدد، وعليك أن تجتهد أكثر لتبني شبكة تحالفات وصداقات مرحلية، وعليك أن تتقارب مع من يشاركك ولو جزءًا من رؤياك، وتتغاضى عن بعض مبادئك وشعاراتك الصادقة ولاشك، ولكن إذا ما اشتد وطيس المعركة واجتمعت عليك الخصوم، فلا مناص من مناورات وتنازلات ومقاربات على طاولة، مستديرة كانت أو مستطيلة، في النهاية ستجد نفسك مرغماً على أن تجلس على طاولة.

الحصيف هنا من قدّر عواقب الأمور قبل مباغتتها ومداهمتها له، وعمل على تحصين وتحسين شروط مقعده على تلك الطاولة، وإلا أُمليت عليه الحلول ووجد نفسه مرغماً شاء أم أبى على أن يشتري ما يُباع له دون أن يساوم أو يناقش أو يخوض في تفاصيل.

عقب احتدام الصراع المسلح بين الجيش التركي من جهة وحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى، أعلن "الطيب أردوغان" رئيس الجمهورية التركية، في خطابات متعددة أنه لم ولن يعود للتفاوض مع الإرهابيين من الحزب الانفصالي أبدًا وتحت أي ظروف. وأعلن سابقاً أنه لن يقبل بأن يترك الحزب الانفصالي سلاحه ويغادر البلاد إلى جبال قنديل في شمال العراق فحسب، بل يجب عليهم أولاً أن يدفنوا سلاحهم تحت الخرسانة المسلحة أمام عينيه، من ثم يمكن أن يعود لطاولة الحوار.

ولكنه مؤخرًا وفي تعقيبه على طلب لمقابلته وُجه له من قبل النائبة الكردية عن حزب الشعوب الديمقراطي، "ليلي زانا" قال إنه ينظر بإيجابية للتعاطي مع ذاك الطلب، ولا يجد مانعاً في الاستماع لما تحمله النائبة البرلمانية. وهو ما انتقدته المعارضة وخصوصاً حزب الحركة القومية ذي النزعة القومية التركية، واعتبرت ذلك رضوخاً من الحكومة لشروط الإرهابيين الذين لا يتورعون عن فعل أي شيء لكسب الوقت، والتلاعب بالحكومة، وتخفيف قبضة الجيش على مقاتيليهم في الجنوب الشرقي التركي.  

جدير بالذكر أن تلك النائبة "ليلى زانا" كانت قد صرحت قبل بداية عملية السلام التركية الكردية بأنه لا بد من حل القضية الكردية وأن الوحيد القادر والمؤهل لانهاء ذلك الصراع التاريخي هو "الطيب أردوغان".

عقب تداول وسائل الإعلام لذلك الطلب المقدم من النائبة، أدلى رئيس حزب الشعوب الديمقراطي "صلاح ديمرطاش" بتصريح موضحاً أن ذلك الطلب كان قبل أكثر من 7 أشهر وأن لا وجود لمثل هذه الطلبات في هذه الأيام لا من النائبة "زانا" ولا من أي من تشكيلات الحزب الأخرى.

تأتي هذه المبادرة وما عقبها من نفي لها تزامنُا مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي "جو بايدن" لتركيا والتي اجتمع فيها مع ممثلي الأحزاب التركية وبعض مؤسسات المجتمع المدني، وانتقد خلالها بعض ممارسات الحكومة بحق بعض الأكاديميين والمثقفين الذين أصدروا ميثاقُا ينتقد ما أسموه "مجازر الحكومة" بحق الأكراد في الجنوب.

كما يتزامن ذلك مع دعوة ذراع حزب العمال الكردستاني السوري "حزب الاتحاد الديمقراطي" ليأخذ مكانًا على طاولة محادثات جنيف بشأن الأزمة السورية كأحد فصائل المعارضة السورية، الأمر الذي انتقدته الحكومة التركية بشدة ولوح وزير خارجيتها "مولود شاويش أوغلو" بأن أنقرة ستقاطع محادثات جنيف تمامًا إن وُجهت الدعوة لحزب الاتحاد الديمقراطي والذي بدوره صرح على لسان رئيسه "صالح مسلم" أنه ليس هناك ثم دعودة وجهت له.

جاء رد رئيس الحكومة التركية "أحمد داود أوغلو" مغايرًا بعض الشيء، إذ قبل متهكمًا بمشاركة الحزب بشرط أن يجلس ممثلوه جنبًا إلى جنب مع النظام السوري ولا يجوز بحال أن يصطف في صفوف المعارضة السورية.

هذا في الوقت الذي رأى فيه وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" أن عدم إشراك وحدات حماية الشعب الكردي ممثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي لن يصب في مصلحة المحادثات ولن يتوصل المجتمعون إلى نتائج إيجابية ملموسة باقصاء الأكراد.

من نافلة القول إن الدعم الروسي أضحى واضحًا وعلنيًا للانفصاليين الأكراد، هذا على الرغم من أن روسيا، فقط لأن القانون الروسي يمنع افتتاح مكتب يمثل حزبا سياسيا من دولة أخرى في روسيا، رفضت فتح مكتب تمثيلي لحزب الشعوب الديمقراطي بعد زيارة رئيسة "صلاح الدين دميراطاش" لها عقب التوتر الذي حدث بين البلدين إثر إسقاط الطائرة الروسية على الحدود السورية.

في ظل هذه التطورات الميدانية المتسارعة والتكتلات السياسية والدعوات لطاولات المفاوضات فضلًا عن الدعم الخفي والعلني للانفصاليين والإرهابيين، في ضوء كل هذه المعطيات والمقدمات التي تظهر حجم ما يُحاك من أجل تقويض تركيا وفرض شروط التفاوض عليها، وارغامها على العودة لبيت الطاعة الأمريكي بالضغط الروسي والكردي، ستثبت قادم الأيام أن السياسة التركية وإن تكالبت عليها الأعداء إلا أنها واعية وقادرة على أن تخرج بأخف الأضرار، وتحقيق أفضل شروط التفاوض، ومرجع ذلك ليس لأنها تركيا "أردوغان" فحسب ولكن لأن الدولة التركية عملت على تعزيز العمق والوعي الشعبي، ونجحت بشكل ملحوظ وواضح في كشف عورات المتآمرين والمتعاونين مع الانفصاليين سواء فكريًا أو ماليًا أو لوجستيًا، هذا فضلاً عن الضربات العسكرية الموجعة والمؤثرة جدًا والتي ستترك أثرًا واضحًا على نتائج طاولة المفاوضات حين الاحتكام إليها.

ولم لا؟! قد ينجح المرؤ أحياناً أن يجمع بين قيم العدالة والمبادئ وسمو الأخلاق ويحافظ في الوقت ذاته على حياة أمه بخلاف ما رأي ادوارد سعيد وهو ما قد يستحيل في عالمنا الظالم، ولكن لابد من محاولة وهذا هو الفرق بيننا وبين دعاة ديمقراطية العيون الزرقاء.

كتب جندي تركي رسالة تركها في بيت نزل فيه بعد أن هجره أصحابه هرباً من رصاصات وقذائف الموت في مدينة جيزرة في الجنوب الشرقي التركي قال فيها "نحن جميعًا أبناء هذا البلد وما جئنا هنا إلى لنحافظ عليه ونمنع تقسيمه ونحفظ لكم أمنكم واستقراركم، ما أتينا لسفك الدماء ولا لترويع الآمنين، نزلنا عليكم ضيوفًا واستخدمنا بعضًا مما تركتموه وتركنا لكم كل ما نملك من نقود، سامحونا إن لم تكن كافية ولكنها والله كل ما نملك."