قال الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي إن ارتفاع وتيرة العنف لن تدفع الشباب العربي لليأس، وستبقى لديه القدرة على مواصلة الطريق الذي أصبح أطول نتيجةً لما وصفه بـ"ارتكاب سلسلة من الأخطاء الفادحة".

واعتبر البرغوثي في مقال له نشرته صحيفة الغارديان البريطانية أن ما تعرّض له الخطاب الثوري المصري عام 2011، الذي كان يؤيد الوحدة الإقليمية ومناصراً للديمقراطية "خيانة من النخبة السياسية المصرية".

“كنت مخطئاً تماماً"..تميم البرغوثي -شاعر فلسطيني

عند قراءة ما كتبناه جميعاً خلال عامي 2011 و2012، لا يسعنا سوى أن نشعر بالألم والغضب، ولكن من المدهش أننا لا نشعر باليأس. ونتيجة سلسلة من الأخطاء الفادحة، أصبح الطريق أطول؛ لكن الغاية ظلت ثابتة والرحلة حتمية.

على غرار كافة الثورات الكبرى في التاريخ الحديث، ربما يمكن وصف الثورة في 2011 باعتبارها نزاعاً بين فكرتين ورؤيتين مختلفتين للغاية حول حرية الإنسان وأنماط التنظيمات السياسية. تحدت الحركاتُ الجديدة الشبكية الطابع، غير الهرمية وغير الطبقية الهياكلَ الطبقية المركزية التي فرضها الاستعمار على البلدان العربية التي تعتمد على القمع والطاعة وتزينها الأعلام والأناشيد الوطنية والحدود والأسلاك الشائكة وكافة عناصر الوطنية الأخرى.

وللحظة واحدة خلال عام 2011، حلت تلك الشبكات محل الهياكل وتغلب الإقناع على القمع وهزم المتطوعون المجندين وقهرت شبكات المحتجين الضخمة التي تتبنى فكرة ولا تخضع لقيادة تلك الهرميات المركزية المكونة من الجنود، رجال الشرطة أو البيروقراطيين الذين يلتزمون بالأوامر الصادرة إليهم.

وفي 2011، كان الخطاب هو ذاك المناهض للدولة والشرطة والاستعمار والصهيونية والرأسمالية. كما كان يؤيد الوحدة الإقليمية، سواء كانت عربية أو إسلامية، وكان مناصراً للديمقراطية أو للعدالة الاجتماعية. وكانت الخلافات في الرأي قابلة للحل نظراً لعدم وجود أي طبقية, وبالتالي أي قمع.

تعرض ذاك الخطاب للخيانة من النخبة السياسية المصرية، أولاً من قبل الإسلاميين ثم من قبل العلمانيين. فقد اتفقوا على تسوية شفهية مزدوجة مع النظام القديم.

أولاً، على المستوى المحلي، يتم تقاسم السلطة مع الجيش المصري الممول والمسلح والمدرب من قبل الولايات المتحدة. وثانياً، على المستوى الإقليمي، لم يحدث أي انفصال عن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة أو إعادة التفكير في شروط اتفاقية السلام مع إسرائيل، على أن تظل العلاقات ودية مع السعودية ومعادية لإيران. وتم السماح باستغلال الطائفية بل وتشجيعها للحفاظ على هذه السياسة. وأولئك الذين رفضوا هذا الاتفاق أثناء تواجدهم بالمعارضة سرعان ما رحبوا به بمجرد وصولهم إلى السلطة.

وتسبب ذلك في استبدال الجموع المتفقة في الرأي والتي كانت قدراتها على الحشد واضحة للغاية في ميدان التحرير بالشخصيات المتناقضة: الإسلامية مقابل العلمانية في مصر والسنية مقابل الشيعية في الإقليم. وبذلك تم الحفاظ على المصالح الأميركية وإسرائيل والنفط، وتحولت الثورات العربية الكبرى إلى سلسلة من النزاعات الأهلية ذات درجات الدمار المتنوعة.

لعب الجيش المصري دوراً كبيراً على كلا الجانبين وأصبح يتولى الحكم حالياً بمفرده. وفي أغسطس/آب 2013، كانت المذبحة التي اقترفها الجيش هي الأكبر في تاريخ القاهرة منذ الاحتلال الفرنسي عام 1798.

وأدركت الأنظمة العربية أنها لا تستطيع مواجهة أعداد كبيرة من الأشخاص العزّل، لذا فضلت قتل الأطفال كي تحول الجموع السلمية إلى خلايا مسلحة صغيرة ثم تثير ضجة حول الإرهاب. وقد أدى ذلك بالطبع إلى خلق أعداد كبيرة من الخلايا المسلحة التي مزقت النظام بالكامل. ونشهد حالياً انهياراً للنظام السياسي في دول جنوب البحر المتوسط وانهياراً للنظام الاجتماعي أيضاً في أماكن أخرى.

ومع ذلك، فلا سبيل لليأس. فرغم تحول الموقف إلى المزيد من العنف؛ إلا أن الوضع الديموغرافي الذي أدى إلى هذه الأعداد غير المسبوقة من الشباب العربي والتقدم التكنولوجي الذي منحهم قدرة غير مسبوقة على التواصل أسفر عن عدم إمكانية احتوائهم.

تخفق البلدان، وعلى المجتمعات أن تتمكن من تحقيق النجاح بدونهم. لكن المجتمعات أصبحت قادرة الآن على القيام بذلك بصورة أفضل من أي وقتٍ مضى.