محمد إلهامي - تركيا بوست

بقدر ما يكون الموقع الجغرافي مزية وقوة في حال القوة، بقدر ما يكون مأزقا –وربما لعنة- في حال الضعف!

وفي الحالة التركية، يفرض الموقع الجغرافي على تركيا أن تكون حاضرة في ساحة السياسة العالمية، ولهذا فإن السياسية التركية لا تملك خيار الاعتزال، فهي إما أن تكون دولة عظمى فيكون موقعها الجغرافي من عوامل قوتها وتفوقها، وإما أن تكون ساحة صراع بين الأقوياء.

ومنذ أن انهارت الخلافة العثمانية –التي كانت قوة عالمية في وقتها- لم تستطع تركيا تجنب الصراعات العالمية حولها رغم أن السياسة الأتاتوركية أعلنت ذلك وأرادت أن تبتعد بنفسها، بل كانت تركيا جزءا من مشهد الحرب الباردة، وكانت خط الدفاع الأول للمعسكر الغربي أمام المعسكر الشرقي، ونُصِبَتْ فيها الصواريخ الأمريكية صوب الاتحاد السوفيتي إبان أزمة الصواريخ الكوبية.

لكن أوروبا لم ترغب أن تكون تركيا جزءا منها، بل أرادت فقط أن تكون خط دفاع متقدم لها وساحة صراع يعاني من الأزمات ولا يشارك في الثمار، ولهذا قبلت أن تكون تركيا جزءا من حلف الناتو منذ البداية بينما ظلت تماطل ستين سنة في انضمامها للاتحاد الأوروبي، ثم تعاملت مع الموقف بإهمال ولا مبالاة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد عبَّر الرئيس أوزال عن حنقه الشديد من هذه السياسة حينئذ.

المحيط التركي
أدت الظروف التاريخية المختلفة إلى تحويل المحيط التركي إلى محيطٍ معادٍ لها من سائر الجهات، وهذه المعاداة تقوم بالأساس على قاعدة الهوية، فإيران وأرمينيا وروسيا واليونان يمثلون العداء التاريخي مع الدولة العثمانية، بينما العراق وسوريا يمثلان العداء على قاعدة القومية التي كانت هي الهوية المحددة خلال القرن العشرين.

ولا يمكن بناء مشروع حضاري لأمة عظيمة دون محيط آمن وعمق استراتيجي واسع، كما تقول نظريات المجال الحيوي في الجغرافيا السياسية، وإن موقع تركيا الجغرافي يجعلها تستطيع أن تكون رأس حربة للمشروع الشرقي أو الغربي (كما كانت في الحرب الباردة) أو الإسلامي (كما كانت الدولة العثمانية)، إلا أن ثقلها التاريخي وروح شعبها ومواقف الأطراف الأخرى منها لا يجعل أمامها خيارا سوى أن تكون طليعة للعالم الإسلامي، فالعداء التاريخي والذي يتجدد بسهولة مع الروس ثم الموقف الأوروبي من انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي والدراسات المكتوبة في كلا الطرفين، كل هذا ينظر إلى تركيا بعداء ويصنفها في المعسكر الآخر، ولهذا لم يكن مناص أمام السياسي التركي إلا التفكير في الاعتماد على الذات وصناعة مجال نفوذ حيوي وعمق استراتيجي آمن إذا كان يريد حقا بناء مشروع كبير لأمة عظيمة.

ولا تخرج الخيارات الكبرى المطروحة عن خياريْن؛ خيار المصالح الاقتصادية من خلال إنشاء شبكة واسعة من المصالح بين تركيا ودول الجوار بحيث يشكل هذا الواقع الاقتصادي عائقا لكل الأطراف أمام الإضرار بالطرف الآخر إن لم يمهد ويعمق تحالفا سياسيا أوسع، والخيار الثاني هو الخيار الإسلامي الذي يعتمد على إحياء الهوية الإسلامية والارتباط بالمنطقة الإسلامية واستعادة الصيغة العثمانية وإن لم تكن بنفس الوضع القديم.

فأما خيار المصالح الاقتصادية، وهو الذي عُبِّر عنه بعبارة “تصفير المشكلات” فقد جربته تركيا مع حزب العدالة والتنمية، وقد نجح جزئيا، لكنه ما كاد يؤتي ثماره حتى اشتعلت ثورات الربيع العربي، فَسَادَ في كل المنطقة صراع الهوية من جديد، وعَلَتْ هذه الورقة على ورقة المصالح الاقتصادية في معظم الأحيان، وقد بدا هذا كأوضح ما يكون في الثورة السورية التي وقفت وراءها إيران بكل قوتها وبلا أدنى تردد من منطلق الهوية، ثم تطورت فصولها إلى أن صارت موطن صراع هوية عالمي بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي الذي تحاول روسيا إحياءه من جديد، ولم تبال الأطراف بما نشأ من تحالف اقتصادي سابق، فعادت المشكلات التي أنهت سياسية “تصفير المشكلات”، وتحول المحيط من كونه مجالا للنفوذ والفرص وصناعة مكانة جديدة لتركيا إلى أن يكون مصدر تهديد ومخاطر ومشكلات سياسية واقتصادية، وساعتها اضطرت تركيا أن تبعث من جديد ورقة “هويتها الأوروبية” وكونها جزءا من حلف الناتو من بعد ما كانت تمضي بعيدا عنه لتكون أكثر استقلالية، وحتى الآن لم تسعفها هذه الورقة ولم يوافق الحلف على أشياء بسيطة للغاية مثل إنشاء منطقة آمنة صغيرة في شمال سوريا رغم ما تعانيه تركيا من أعباء في الملف السوري وحاجتها إلى وجود هذه المنطقة. وبالعموم فورقة الهوية الأوروبية لم تخدم تركيا أبدا في صناعة مجال أو عمق استراتيجي لها.  أو مثل أزمة “الطائرة الروسية” برغم أن الوجود الروسي في المنطقة تهديد خطير ومباشر لنفوذ تركيا ومجالها الحيوي ومصالحها في سوريا، بل إنه تهديد مباشر لتركيا نفسها من خلال دعم الأحزاب الكردية الساعية للانفصال عنها.

وأما الخيار الإسلامي، فهو الذي يبدو متينا راسخا حتى هذه اللحظة برغم أن تركيا لم تَسِرْ فيه بالقوة المنتَظَرة من أصحاب مشروع إحيائي، بل تكاد الاستثمارات التركية لم تجد نجاحا أعظم من استثمارها في مجال المواقف السياسية “الإسلامية” والقوة الناعمة، إذ صارت صورة تركيا هي الأفضل في العالم الإسلامي، ولذلك فإن الخيار الإسلامي يظل الخيار الأفضل بالنسبة لتركيا، إذ تظل القاعدة الأمتن والأقوى والأكثر آمانا هي المظلة الإسلامية التي تجعل تركيا في قلب العالم الإسلامي وقادرة على التحصن به والإفادة من طاقاته البشرية والمادية الهائلة. وهذا الخيار هو الطبيعي والمنطقي حتى لو لم يكن من يقود تركيا إسلاميا أو مقتنعا بهذا الخيار. لا سيما وأن مواجهة أخرى تلوح في الأفق بين روسيا –والمعسكر الشرقي الذي تحاول إحياءه- وبين المعسكر الغربي، وستكون هذه المواجهة في شرق أوروبا والقوقاز، وفي توقعات جورج فريدمان للقرن الحادي والعشرين ذكر أن روسيا ستضغط على الجنوب متحالفة مع الأرمن وستجد تركيا أن الجيش الروسي صار على حدودها لتعيش من جديد أجواء الحرب الباردة، وأن تركيا مضطرة إلى التوغل وتعميق وجودها في القوقاز دفاعا عن أمنها القومي وضمانا لئلا يعود الروس من جديد، وكل ذلك حول العام 2020. وفي هذه الحال فإن تركيا مضطرة للاحتماء بالهوية الإسلامية واستثمارها ضمن المواجهة القادمة مع روسيا.

السياسة التركية الجديدة
أدركت السياسة التركية منذ وقت بعيد ضرورة الاستفادة من العمق الإسلامي ذي التاريخ العثماني، فالرئيس تورغت أوزال كان يرى بأن المجال الحيوي لتركيا يمتد من البحر الأدرياتيكي حتى حدود الصين.

لكن هذا لم يُفلسف له برصانة ولم يُدفع باتجاهه مثلما يحدث الآن في ظل حزب العدالة والتنمية على يد رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو، فالكتب الثلاثة الرئيسية لداود أوغلو –وهي: الفلسفة السياسية، العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية، العمق الاستراتيجي- ترسم بوضوح ثلاث خطوات، فهو يثبت في “الفلسفة السياسية” أصل التناقض الجوهري بين النموذجين الإسلامي والغربي وأنهما يستحيل التقاؤهما وعدَّد بعض أوجه الاختلاف في النظام السياسي، وهو يثبت في كتاب “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية” أن النموذج الغربي المعاصر قد أفلس وأثبت فشله في تقديم جديد للإنسانية وأن ليس في العالم من يطرح بديلا حضاريا سوى العالم الإسلامي، كما أنه يثبت في كتاب “العمق الاستراتيجي” أن تركيا بموقعها الجغرافي وتاريخها وطبيعة شعبها لا يمكن لها النهوض بغير الاستناد إلى الهوية الإسلامية.

وقد مضت هذه المسيرة بما يجعل التراجع عنها في حكم المستحيل وبلا فائدة تقريبا؛ فأهون الأضرار –في حالة التراجع عن هذه السياسة- هو انتهاء مشروع تركيا العظمى مع الثمن الأخلاقي الفادح لدى الشعوب الإسلامية، والأهم من هذا أنه ليس مضمونا بل ولا متوقعا أن يتراجع الأعداء عن مخططاتهم ومطامعهم في تركيا إذا حدث هذا التراجع.

وقد أكد داود أوغلو أن تأثير تركيا في النظام العالمي لابد أن يعتمد على ثلاثة أمور: الديمقراطية الراسخة والاقتصاد الحيوي والدبلوماسية النشطة، وهذه الثلاثة تعمل معا بلا انفصال. والمفهوم من هذا أن تركيا لا تنوي التراجع ولا الانكفاء على نفسها في المدى المنظور.

وفي الأيام الأخيرة أضيف إلى المشهد عنصر جديد، وهو التدخل الروسي في سوريا ومقدمات أزمة تركية روسية بعد سقوط الطائرة الروسية، وهو الأمر الذي اتخدته روسيا ذريعة لتبدأ صراعا مع تركيا التي ترى أنها العائق الكبير أمام سيطرتها على الشرق الأوسط ضمن تحالف روسي أرمني إيراني، وفي ظل هذا التهديد ليس لتركيا مجال لمقاومته إلا باستعمال الورقة الإسلامية السنية التي تزيد من التحام القوى الداخلية كما تجمع حولها الشعوب الإسلامية وكذلك تؤثر بها في الشعوب المسلمة داخل روسيا وفي مجال نفوذها في آسيا الوسطى.

وقد توقع جورج فريدمان في كتابه “المائة عام القادمة” أن تركيا وبولندا والمكسيك واليابان ستكون القوى الكبرى في المستقبل، بل وتوقع حربا عالمية تقودها أمريكا ضد تركيا واليابان، إلا أن الملفت للنظر جدا أنه لم يتناول كيف ستحاول أمريكا إعاقة تركيا أن تبلغ هذا المستوى من القوة، خصوصا وهي تنتصب كدولة مستقرة وسط جزيرة من الفوضى، الفوضى الضاربة في الشرق الأوسط والتي كانت –كما يقول- الهدف الأمريكي من صراعها مع العالم الإسلامي، إذ لم تهدف أمريكا إلى الانتصار العسكري المباشر والكام بل لتمزيق البلاد لمنع انطلاقة المارد الإسلامي. إن اختفاء الحديث عن خيارات أمريكا في تمزيق تركيا يوحي بأنه جزء محذوف من هذا الكتاب لم يُرَد له النشر.

لكن يجب أن نربط هذا بما توقعه تقرير المخابرات الأمريكية عن صورة العالم 2030م والذي يتوقع استمرار النمو التركي ليكون ضمن أهم القوى المؤثرة في الاقتصاد العالمي بينما سيتباطأ النمو الأوروبي والروسي والياباني، كما توقع أيضا ازدياد الصراع مع الأكراد، مما قد يرجح أن البداية في تمزيق تركيا ستكون بالأكراد، وهي الورقة التي أنعشها التدخل والدعم الروسي في الأيام الأخيرة.

وفي كل الأحوال، فلا يبدو أن للمشكلة الكردية حل ناجع وناجز بغير إعلاء الهوية الإسلامية التي تستطيع تذويب الحواجز العرقية والقومية لصالح الأمة الإسلامية، والتي يجتمع عليها العرب والكرد والترك وسائر العرقيات. كما أن ما قرره فريدمان حول استعمال الأمريكان “للقومية العربية” ضد تركيا في مرحلة الحرب معها يزيد في التأكيد على أهمية ورقة الهوية الإسلامية في إفساد وإفشال ورقة القومية العربية مستقبلا.

الهوية تنتصر على المصالح
يقول التاريخ بأن الهوية تنتصر على المصالح، وقد لاحظ مؤرخو الحضارات بأنها تُبْنى على قاعدة من الهوية، فيقول كريستوفر داوسون بأن الحضارة تتأسس من عملية أصيلة خاصة من الإبداع الثقافي لشعب بعينه وأن الحضارات الكبرى في التاريخ تأسست على الأديان الكبرى، بل “والشائع في كل حضارة أنها تبدي نفورا من اعتناق فكر ثقافي يطرح دعامة من دعائمها الراسخة للمناقشة، ولئن كان هذا النفور وذلك العداء الخفي نادرا نسبيا فهو يؤدي دائما إلى صميم الحضارة… فليس هناك حضارة -كما قال مارسيل موس- جديرة باسم الحضارة ليس لها عادات الرفض والنفور من الإسهامات الدخيلة”، وقد عاشت تركيا قرنا تخلع عنها صفة الإسلام إلا أن الغرب لا يراها إلا إسلامية، سواء أكانت في عصر الدولة العثمانية أو عصر الدولة العلمانية، والدراسات التي تكتب في مستقبل تركيا لا تراها إلا إسلامية أيضا.

وقد أثبتت السياسة المعاصرة أن أوروبا لا تعتبر –ولا تريد أن تعتبر- أن تركيا جزءا منها، وتعمل السياسة الغربية بطريقة لا تأبه مطلقا بمصالح تركيا أو التهديدات التي تتعرض لها: فبرغم النزول الروسي المهدد لتركيا لم تفكر أمريكا في مجاراة ما تفعله روسيا في سوريا وإنما تحافظ على مسافة آمنة بينها وبين المعركة هناك فيما تهتم بتعزيز قوتها الدبلوماسية والجيوسياسية في مناطق أخرى ومثلهم الأوروبيون، بينما كان الردُّ مختلفا تماما ضد روسيا في مسألة أوكرانيا، وليس يخفى على المتابع أن التدخل الروسي في سوريا إنما كان بتنسيق –أو على الأقل بضوء أخضر- مع الأمريكان. لكل هذا وغيره لا يوثق بكون الناتو حليفا ولا حتى بأوروبا عمقا استراتيجيا.

ويبدو النموذج الإيراني نموذجا قويا وواضحا في استثمار الهوية لتعظيم نفوذها في المنطقة والعالم الإسلامي كله، وقد صارت إيران الآن شبه امبراطورية حقيقية تمد أذرعها حتى إندونيسيا شرقا وآخر إفريقيا غربا من خلال دعم التشيع، فضلا عن طموحها المعلن أن تكون المتصرف الأول في الشرق الأوسط، وقد استطاعت حتى الآن أن تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، بخلاف نفوذها الواسع في دول أخرى وقدرتها على إثارة اضطرابات قوية فيها. ولم يقتصر دعمها السخي على الحركات الشيعية وحدها بل أنفقت كثيرا من الدعم على الحركات السنية لكي تكون ضمن أوراق قوتها في الساحة السياسية، وقد نجحت في هذا نجاحا كبيرا يشهد له موقعها اليوم في ساحة الشرق الأوسط.

وقد نشر جورج فريدمان –مدير ستراتفور- مقالا له في مطلع 2015 يقول: إن حربا بين العالمين الإسلامي والمسيحي قد بدأت، وأنها ستكون حربا شاملة إذ لا تمتلك أوروبا جهازا سحريا تفرق به بين المعتدلين والمتطرفين، وتكاد تجمع الآراء على أن المعركة معركة هوية بين الحضارة الغربية وما يناقضها، وأنها ستجري –أو ينبغي أن تجري- داخل العالم الإسلامي.

وفي سائر المعارك تستخدم الأطراف كل أوراق قوتها، فكيف إذا كانت المعركة حضارية تجري فوق أرض المسلمين؟! هل يمكن إلا الاستعداد لها بإعلاء الهوية الإسلامية التي هي أصل المعركة وغايتها؟!