ولاء خضير - خاص ترك برس

لا تزال سكة حديد الحجاز- الشام، أو ما يسمى "السكك المقدسة"، تحكي تاريخًا طويلًا، حفر اسم الخلافة العثمانية ومجدها، في كل مكان مر به، وتروي قصة تنقل الحجيج من ديارهم، صوب الديار المقدسة في المدينة المنورة، وتصل بهم غرب المسجد النبوي الشريف.

إلا أن سكة حديد الشامِ- الحجاز، سكتت قبل 100 عام تقريبا، بسببِ الحرب العالميةِ الأولى، لكن بقاياها وآثارها ما زالت ماثلة، وتسرد حكاية حلم كبير لجمع المسلمين في سكة طريق واحدة، كانت معبدة بالمصاعب، ومحاطة بالمؤمرات! .

ففي عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، كانت سياسته تميل إلى التركيز على توحيد المسلمين، وجذب كافة الأجناس إلى الدولة العثمانية، وتحت هذه المظلة، قرّب إليه كثيرا من العرب، كان من أشهرهم ما يعرف بـ"الدمشقي"، وهو أحمد عزت باشا العابد، الذي كان من العقول المدبرة لإنشاء سكة حديد الحجاز، وهو كبير المستشارين في بلاط السلطان العثماني.

أنشئت سكة حديد الحجاز- الشام، في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، عام 1900م، وعُرف خط حديد الحجاز- الشام، في السجلات العثمانية، باسم "خط شمندفر الحجاز"، أو "خط الحجاز الحديدي".

وامتد بين الشام (دمشق)، و(المدينة المنورة)، حيث ينطلق الخط من (الشام) مارًا بفلسطين، وعمَّان، ومعان، وتبوك، ومدائن صالح، وصولًا إلى (المدينة المنورة)، وكان في خطة المشروع الحجازي، أن يمتد بعد ذلك إلى مكة المكرمة، ومن هناك إلى جدة، بيد أن أيًّا من ذلك لم يتحقق!.

23 آب/ أغسطس 1908م، تاريخ لا ينسى، حين وصل أول قطار إلى المدينة المنورة، وبدأ الحجاج من تركيا وبلاد الشام وغيرها، يستخدمون الخط الحديدي في سفرهم إلى المدينة المنورة.

وكان لإنشاء السكة فوائد عديدة منها، وهو أهمها تسهيل الحج، بدل قوافل الأبل التي تأخذ 40 يوما من المعاناة بين دمشق والمدينة، ومثلها في الرجوع، علاوة على الأخطار التي يواجهها على طريق القوافل من فيضانات وسيول في الشتاء، وشمس حارقة في الصيف، إضافة إلى مصائب قطّاع الطُّرق، والعاملين عليها.

أما الفائدة الاخرى، كانت لتسهيل نقل الجنود العثمانيين، والمعدات، لإحكام السيطرة على بلاد الشام والحجاز واليمن، خصوصا أن الاستعمار الإنجليزي، كان قد استولى على مصر، وقناة السويس.

ورأى السلطان عبد الحميد الثاني، أن يكون تمويل قطار الحجاز قائمًا على تبرعات المسلمين، وأن لا يتدخل الأجانب في تمويله.

وخلال أعمال التصميم، قام المهندس التركي "مختار بيه"، وهو مهندس أساسي في المشروع لعب دورًا مهمًا في إختيار المسار، بمسح الطريق، فوجد أنه من الأنسب، تتبع خط قوافل الإبل القديمة -حج الشام-، مع إجراء تعديلات بسيطة.

كان مسار خط الحج، ينطلق من مدينة دمشق، ويعبر سهل حوران، ويمر بالمزيريب، بالإضافة إلى عدد من المناطق الواقعة جنوب سوريا، ووصولًا إلى مدينة درعا السورية ، ثم إلى فلسطين، وثم إلى الأردن، حيث يمر بكل من المفرق والزرقاء وعمّان ومعان على التوالي، ويكمل سيره جنوبًا، إلى أن يدخل أراضي الحجاز، حيث ينتهي بالمدينة المنورة.

وظلت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة، تسع سنوات تقريبًا، استفاد من خلالها الحجاج والتجار، ولاحقًا عندما نشبت الحرب العالمية الأولى، ظهرت أهمية الخط وخطورته العسكرية على بريطانيا.

ومع تراجع القوات العثمانية من أمام الحملات البريطانية، ظل الخط يمثل عاملًا هامًا في ثبات العثمانيين لنحو عامين، في وجه القوات البريطانية المتفوقة في جنوب سوريا، ونظرًا لاستخدام الخط الحجازي في بعض الأغراض العسكرية العثمانية، تعرض الخط إلى كثير من الأضرار والتخريب، خلال الثورة العربية ضد العثمانيين.

وفي سنة 1917 انضم الضابط الإنجليزي "لورنس"، إلى الثوار العرب، فحرضهم على نسف الخط، ومنذ ذلك الحين لم تفلح المحاولات لإعادة تشغيل الخط أو تحديثه، ومؤخرًا تم تأهيل وتحويل بعض محطات الخط إلى متاحف.

"إن قصة الخط الحديدي الحجازي مأساة دونها المآسي الأدبية، حملته أمه ثماني سنين، وعاش بعدما ولد عشر سنين، ثم أصابته علة مزمنة، فلا هو حي فيرجى، ولا هو ميت فينسى"، بهذه الكلمات استهل الشيخ "علي الطنطاوي"، قصيدته التي يرثي بها سكة حديد الحجاز.

سكة الحديد وفلسطين

في مسار يرسم تاريخ المكان، بملامح تجاوزت المائة عام، كانت مدينة نابلس في فلسطين، تعد إحدى محطات وقوف قطار سكة حديد الحجاز- الشام، على خط المسعودية- نابلس في فلسطين، والذي بنته الدولة العثمانية أوائل القرن الماضي.

بات الخط معلمًا أثريا جذابًا، يتجلى فيه جمال البناء، وروعة المنظر، وعمق التاريخ. وقد استخدمت تركيا سابقا هذا المشروع كما ذكرنا، في نقل البضائع والمسافرين بين إسطنبول والشام والحجاز، وسافر الحجاج من فلسطين وبلاد الشام إلى الديار الحجازية.

كان الخط ينطلق من دمشق، ويتفرع من بصرى جنوب سوريا إلى خطين، أحدهما يصل إلى الجنوب نحو الأردن، أما الآخر فكان يتجه غربًا نحو فلسطين، وتعد نابلس وحيفا وعكا أهم محطات الخط في فلسطين، ويتفرع من حيفا خط يربط الأخيرة بمصر.

الإ أن الاحتلال الإسرائيلي عمل على مسح "سكة الحجاز"، من ذاكرة الفلسطينيين، فأقدم عام 1973م، وخلال العدوان الثلاثي على مصر، على إنشاء تحصينات خط بارليف بسرقة هذه السكة، ولا زالت مطامع الاحتلال بالسيطرة على هذه المنطقة قائمة، لموقعها المطل على بعض المناطق الإستراتيجية.

كانت سكة الحديد بفلسطين شاملة تغطي معظم المناطق، وتربط فلسطين شمالها بجنوبها وشرقها بغربها، ولا تزال "دوامير الحديد"، وآثار السكة موجودة داخل الأراضي المحتلة عام 48، وفي بعض المدن الفلسطينية المحتلة، وبقيت ظاهرة، إلا أن قام الاحتلال بفكها، ببداية السبعينيات من مناطق مختلفة بفلسطين.

إلا أن الآمال تتجدد عندما نستحضر الماضي، ونتخيل به سكة الحديد، وقد تربط الأوطان العربية مع بعضها البعض، علها تذيب تلك الحدود، التي وضعها الاستعمار، لتعود سكة القطار معلما للتلاحم العثماني والعربي والإسلامي!.