محمود عثمان - خاص ترك برس

لم يكن الاجتماع الذي عقده وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع رياض حجاب رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، يوم السبت الماضي في الرياض أحد المحطات الرئيسية في تاريخ الثورة السورية وحسب، بل سيسجل التاريخ أنها المرة الأولى التي تفصح فيها الدبلوماسية الأمريكية بكل وضوح وصراحة بعد خمس سنوات من التسويف والمراوغة، عن اتفاق إدارة أوباما مع الروس على تصفية المعارضة السورية لحساب نظام بشار الأسد، بأن توقع على صك الاستسلام الذي سيملي  الرئيس الروسي بوتين شروطه، حيث قال كيري بصريح العبارة "إما أن تذهبوا إلى جنيف وفق الشروط التي يمليها الروس والإيرانيون، وإلا فستخسرون حلفاءكم"!.

من باب تجديد الذاكرة فإن بنود المبادرة الإيرانية التي تتطابق مع رؤية الروس للحل والتي تعني استسلام المعارضة كانت أربع هي:

1- وقف فوري لإطلاق النار.

2- تشكيل حكومة وطنية.

3- تعديل الدستور بهدف ضمان حقوق الأقليات الإثنية والدينية.

4- إجراء انتخابات يشرف عليها مراقبون دوليون.

إدارة أوباما التي دخلت مرحلة (مود) الانتخابات نجحت من خلال الاتفاق النووي الايراني، في ترحيل ملف حيازة إيران على السلاح النووي مدة عشر سنوات، وسحب إيران من حليف لروسيا إلى صديق للنادي الغربي. مقابل إعطائها جائزتين على حساب جيرانها العرب الخليجيين.

الجائزة الأولى: دمج ايران في منظومة أمن الخليج وهذا معناه أنها ستصبح شرطي الخليج بمباركة أمريكية، مما يقتضي حتما صراعاً مستمراً مع المملكة العربية السعودية حول تقاسم النفوذ في إدارة الخليج.

الجائزة الثانية: دمج ايران في منظومة المجتمع الدولي والأوروبي خصوصًا، بعد أن كانت دولة مارقة ومحورًا للشر.

إدارة أوباما التي فشلت في منح إيران جائزتها الأولى بتنصيبها شرطياً على الخليج العربي، بعد ردة الفعل السعودية الحازمة والحاسمة يبدو أنها وجدت البديل في تعويضها من حساب الثورة السورية، ومن كيس المعارضة تحديدًا لأنها تبدو الحلقة الأضعف في سلسلة ميزان القوى في المنطقة. وهي - إدارة أوباما – بنفس الوقت تريد دخول الانتخابات وقد وضعت ملف الأزمة السورية في مسار التفاوض، وهذا يقتضي إقناع الروس وإرضاءهم، وذلك لن يكون إلا من خلال الضغط على المعارضة السورية ثم دفع الثمن من جيبها، لكي يخرج أوباما وإدارته وحزبه على الشعب الأمريكي فيقول: "لقد أنهيت مشكلة السلاح النووي الإيراني، وأنا على وشك حل الأزمة السورية , دون أن أضحي بجندي أمريكي واحد".

هنا يبرز السؤال الأهم: ما هي خيارات المعارضة السورية لتجاوز هذا الكابوس المرعب؟

بداية أكدت الفصائل السياسية والعسكرية المعارضة رفضها ما وصفته "بالإملاءات الروسية، وتدخلها في العملية السياسية والتفاوضية، من خلال العدوان العسكري والابتزاز السياسي، والتدخل السافر في شأن المعارضة السورية"، وشددت الفصائل -في بيان مشترك- السبت على ضرورة تنفيذ القرار الأممي رقم 2254 لسنة 2015، والمتعلق بالشأن الإنساني قبل بدء العملية التفاوضية، مبينة أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولون عن استمرار التجويع وقصف المدنيين بسبب عدم إلزام النظام بتنفيذ القرار.

وحمل البيان توقيع نحو أربعين فصيلا، من بينهم الائتلاف الوطني، والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، وحركة تحرير حمص، والفرقة 13، وقيادة الجبهة الجنوبية، وفرقة العشائر، وجبهة الشام.

أما خيارات المعارضة السورية حيال الاتفاق الروسي الأمريكي على تصفية الثورة السورية فقد أعلنها الرئيس المؤسس للمجلس الوطني السوري، المفكر السياسي البرفسور برهان غليون، بكل وضوح وصراحة لا غبش فيها ولا لبس، معبرا وناطقا بلسان جميع السوريين الأحرار، قائلا:

"إذا لم يكن الحل المطروح هو تسوية تسمح بوضع حد لنظام الارهاب وفتح طريق الانتقال الديمقراطي، فليس هناك أي سبب كي تذهب المعارضة بنفسها إلى المذبحة المعدة لها. وليس هناك أي حرج على المعارضة في أن ترفض الدخول في محادثات هدفها تصفية الثورة والمعارضة وتثبيت نظام الجريمة المنظمة والإبادة الجماعية كما اعترفت به تقارير المنظمات الحقوقية والانسانية الدولية نفسها".

"ليس للمعارضة أي اعتراض على أن يضم النظام القائم لحكومته سوريين يعملون لصالح الروس أو الايرانيين أو الأمريكيين أو غيرهم. فهذا شأنه. لكن مثل هذا العمل لا علاقة له بمفاوضات الحل السياسي المنشود والمطروح، ولن ينجم عنه سوى حكومة المزيد من الوصاية الأجنبية والانقسام الوطني بدل "حكومة الوحدة الوطنية" المزعومة وهو لن يقدم أي حل للأزمة ولن يخرج البلاد من الحرب... فالمشكلة ليست في ايجاد بعض المناصب الوزارية لمعارضين باطلين عن العمل، وإنما الاعتراف بحق الشعب في اختيار ممثليه وقادته، وفي ممارسة حقوقه الأساسية التي تضمن له العدالة والمساواة والحرية والكرامة. المهم هو الشعب ومكانته في النظام الجديد أما المعارضة ومناصبها فأمر ثانوي".

"لا الروس ولا الامريكيون ولا الايرانيون ولا أي دولة أخرى قادرة على فرض الهزيمة على شعب قرر الخلاص والانعتاق. وإذا لم يكن هناك خيار آخر أمام السوريين غير الخيار الفيتنامي والأفغاني للاحتفاظ بحقهم وسيادتهم على أرضهم وتقرير مصيرهم، وهو أصعب الخيارات وأكثرها إيلاما، فهم ليسوا أقل شجاعة ولا بطولة من الآخرين. والشعب الذي يقبل بالإذعان ويتخلى عن كرامته لا يبقى لديه سبب للبقاء والارتقاء، ويعيش في التعاسة والذل إلى أن ينفرط عقده ويذوب".