شنت مجلة "فورين بوليسى" الأمريكية هجوما حادا على الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، وحملته مسئولية تخريب السياسة الخارجية لبلاده، وقالت المجلة فى تقرير لها اليوم، الجمعة، إن السياسة الخارجية للرئيس التركى فى حالة من الدمار، وتساءلت عما حدث لأنقرة التى كانت تعتبر قبل سنوات قليلة واحدة من القوى الصاعدة فى المنطقة.

وتقول المجلة إنه قبل وقت ليس ببعيد، كانت السياسة الخارجية التركية حديث الجميع، وكان أبرز ملامحها سياسة عدم صناعة مشكلات مع دول الجوار، والتى هدفت بها إلى تحسين علاقتها مع الدول المجاورة لها، وأن تصعد ببطء لتكون القوة الإقليمية المهيمنة. وكانت حالة كلاسيكية لتعزيز القوى الناعمة من خلال التحول الديمقراطى والإصلاحات الاقتصادية فى الداخل مع الدبلوماسية التى تهدف إلى جعل أنقرة وسيطا فى صراعات المنطقة.

إلا أن تلك السياسة تواجه حالة من الدمار الآن، وتحولت إلى ضحية لأحداث الربيع العربى لاسيما فى سوريا. فبسبب الغطرسة وسوء التقدير فى السياسة الداخلية والخارجية، فإن علاقات تركيا بكل جيرانها فيما عدا حكومة كردستان العراق قد توترت.

وفى نفس الوقت، فإن التوترات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وروسيا زادت بشكل كبير، ولو أن لأنقرة أى نفوذ اليوم، فهو فى الغالب بسبب موقعها الجغرافى وقربها من سوريا وكارثة اللاجئين، واستعدادها لاستخدام سياسات الذراع القوية فى التعاملات الدبلوماسية.

وأشارت الصحيفة إلى أن السؤال المتعلق بكيفية انهيار طموحات تركيا الدولية له إجابات عديدة منها أفكار رئيسها رجب طيب أردوغان حول دوره فى العالم ورغبته فى تحويل البلاد إلى نطام رئاسى قوى وانهيار عملية السلام الكردية التى نجمت عن الأزمة السورية، وساهمت تلك الأمور كلها فى الإضرار بسمعة أنقرة فى السياسة الخارجية.

وفى معرض تقريرها، قالت فورين بوليسى إن الربيع العربى أدى إلى تقارب أمريكى تركى والعمل بين البلدين بشكل وثيق. وبدا أنهما قد زامنتا بياناتهما العامة بشأن الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى محاولة لإخراجه من السلطة أثناء أحداث ثورة يناير، وعمل معا أيضا على تقديم السلاح والإمدادات للجيش السورى الحر.

وكانت تركيا قد ظهرت كنموذج للتوفيق بين الإسلام والديمقراطية، حتى أن الرئيس الأمريكى باراك أوباما وصفها بأنها ديمقراطية إسلامية عظيمة. لكن تركيا، وكما تقول المجلة، أرادت أن تكون أكثر من نموذج.

وقد أدى صعود الإخوان فى سوريا وتونس ومصر، والتى كان لحكومة تركيا علاقات وثيقة معها، إلى فتح الباب لدور فعال لأنقرة باعتبارها أقوى حلفاء الإخوان إقليميا. وقد سمح الربيع العربى للقيادة التركية بأن تتصور نفسها القوى الرائدة فى المنطقة. وقال وزير الخارجية فى هذا الوقت أحمد داود أوغلو، إن تركيا ستقود رياح التغيير فى الشرق الأوسط.

إلا أن النظام الجديد الذى كانت تأمل فيه تركيا تعرض لانتكاسة عندما تمت الإطاحة بالإخوان المسلمين من قبل الجيش والاحتجاجات الشعبية فى مصر، وتدهورت علاقة أردوغان سريعا مع النظام الجديد فى مصر.

وتابعت فورين بوليسى قائلة إن سوريا غيرت كل شىء بالنسبة لتركيا، وأشارت إلى أن تركيا كانت قد أسست علاقات جيدة مع الرئيس السورى بشار الأسد قبل أن تنقلب عليه بعد بداية الثورة السورية.

وقالت إن أحد الأسباب وراء موقف أردوغان المناهض للأسد هو أن الأخير لم يخضع لقبضة أردوغان، والتصور بأن الرئيس السورى لن يمكث طويلا فى منصبه، والاعتقاد بإمكانية تشكيل سوريا جديدة.

وخلصت المجلة فى النهاية إلى القول بأن السياسة الخارجية لأنقرة، لم تعد تخص تركيا، بل تخص أردوغان، فقد شرع الرئيس التركى فى مسار غير ليبرالى فى الداخل يقوض المؤسسات ويعيد تأسيسها وفقا لتصوره. ووجوده فى كل مكان ومنصبه الذى لا يواجه أى تحد له، يعنى أن السياسة الخارجية هى نتاج لرؤيته ونزواته وتفضيلاته، فلا يوجد أحد قادر على أن يتحداه. وهذا النهج المنهجى فى السنوات الأولى قد تلاشى ليحل محله التساهل. وهو ما يفسر الصعود والهبوط فى السياسة الخارجية لتركيا.