باسل الحاج جاسم - العربي الجديد

شاركت في لقاء الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في قصر يلدز في اسطنبول، يوم الجمعة، 22 يناير/كانون الثاني الجاري، مع صحافيين وناشطين إعلاميين سوريين في تركيا. وتحدث أردوغان، في بداية اللقاء، أن المأساة التي تعيشها سورية تؤثر على المنطقة بأكملها، وعلى العالم كله. وقال إن التنظيمات الإرهابية التي تتغذى من أزمة المنطقة تشكل خطراً كبيراً أيضاً إلى جانب ظلم نظام الأسد تجاه الشعب السوري. ولفت إلى أن تركيا تستضيف نحو 2.5 مليون سوري في أراضيها، وقد أنفقت من أجلهم 9 مليارات دولار. 

نظم اللقاء مركز البوسفور للشؤون العالمية، للبحث في قضايا تهم اللاجئين السوريين في تركيا، والمشكلات التي يعاني منها الصحافيون السوريون، ولا سيما مسألة الدخول إلى تركيا والخروج منها. وتم تسليط الضوء على العقبات التي تعيق عمل الصحافي السوري داخل تركيا وخارجها، وإغلاق المعابر الحدودية أمام السوريين، بشكل عام، والصحافيين منهم خصوصاً، وعدم توفر الغطاء القانوني اللازم للمؤسسات الإعلامية العاملة في تركيا، كما تم التطرق للانتهاكات المتكررة من حرس الحدود التركي على الحدود السورية، وفي المطارات التركية. 
وأخذ اللقاء طابع النقاش، واستمر نحو ثلاث ساعات، استمع فيها الرئيس أردوغان لعشرين صحافياً، حيث نقلوا إليه الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون، واللاجئون السوريون عموماً، على الحدود التركية السورية من حرس الحدود، وتم بحث مشكلة التراخيص والبطاقات الصحافية للمؤسسات الصحافية السورية والصحافيين السوريين في تركيا. 
ولم أفوت فرصة اجتماع نقاشي كهذا، لاستطلاع وجهة نظر الرئيس التركي على قضايا تهم السوريين بشكل عام، وعلى تماس مع تركيا بشكل أو بآخر، ونقل المعاناة والأضرار التي تسبب بها إعادة فرض تأشيرة على السوريين للدخول إلى تركيا، وإيصال مناشدات عشرات آلاف السوريين في هذا الخصوص. وعلى قدر ما أتاح الوقت لي، فلم يكن عدد الحضور قليلاً، لا سيما أن الرئاسة التركية أبلغتني بالدعوة للمشاركة قبل ثمانية أيام من موعد اللقاء. 

وهذه المرة الثالثة التي ألتقي بها الرئيس أردوغان، ما جعلني أقدّر، إلى حدّ ما، من أين أبدأ، وأين أنهي حديثي، وبدأت من مخاوف وقلق حول مصير سورية، ولا سيما بعد التدخل الروسي، فلو نظرنا إلى الخارطة بشكل أوسع، فإن روسيا لم تدخل دولة في الآونة الأخيرة إلا وقسمتها، من جورجيا، وصولا إلى أوكرانيا، وما يجري من عمليات تهجير وتطهير عرقي في مناطق بعينها، ومحاولات لتغيير الخارطة، بإجبار سكان بعض المناطق على النزوح، لا سيما ما يجري حالياً في المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات من جهة سد تشرين، ونزوح سكان قرى عديدة في ريف منبج، وسط غياب إعلامي في أثناء قصف روسي مستمر، وهناك موجة نزوح كبيرة قادمة، ويسهم هذا كله في إفراغ سورية من مكونها الأساسي. وقد تتكرر المأساة الفلسطينية، وفي المستقبل، نتحدّث عن حق عودة للسوريين، وهناك تساؤلات كثيرة اليوم مطروحة حول مستقبل سورية عموماً، وبالخصوص مصير مدينة كبيرة مثل حلب، بالعمق الجغرافي والتاريخي الذي تمتلكه، بالإضافة إلى أنها كتلة ديمغرافية ضخمة، غابت عنها الدولة القومية التي انهارت، وباتت حلب اليوم تسبح خارج أي منظومة، ووسط هذا كله، تتجه الأنظار نحو تركيا، كيف ستتعامل مع هذا الواقع.

رد الرئيس التركي: أشاركك في كل ما قلته، وعن حلب التي أصبحت جرحاً دامياً، ونحن نركز كل اهتمامنا عليها. ونعمل وننسق مع قوات التحالف بشكل خاص في هذا السياق. وتجري تقوية خط مارع، ليكون رصيداً قوياً وعملياتنا مستمرة. ومع تدخل روسيا لدعم النظام، أصبح الوضع أصعب، لكننا نعمل على تجاوز هذه المشكلات، والاستعدادات جارية لاستعادة جرابلس، ونتابع عن كثب ما يجري في منطقة سد تشرين، وغرب الفرات. ونبذل قصارى جهدنا. وكل يوم نناقش موضوع سورية، وهو في جدول أعمالنا اليومي، ونحن حريصون، كل الحرص، على هذه المنطقة، فحلب ثاني أكبر مدينة بعد دمشق، ولا يمكن التخلي عنها، وهي استراتيجية لنا، ونبدي اهتماماً بالغاً نحوها، فلها خصوصيتها. 

وأضاف: عندما لم يعد الفلسطينيون، استوطن الإسرائيليون مكانهم، ويجب ألا يتكرّر المشهد نفسه في سورية غداً. يخوض الأسد حاليا حرباً طائفية. وربما يتم في المستقبل توطين الإيرانيين الشيعة هناك، وإن حصل ذلك سيحطم مستقبل سورية المشرق. وليس مصادفة مجيء الحرس الثوري الإيراني إلى سورية، ومشاركته في المعركة. وقد أقامت روسيا قاعدة بحرية في طرطوس، ثم في اللاذقية، والآن هناك قاعدة برية من أجل حصار شرق البحر المتوسط. وقد تحدثت مع التركمان من بايروجاق، وقالوا إنهم كانوا يواجهون قوات الأسد ويحاربونها بكل راحة، إلى حين تدخل الروس وإقامتهم قاعدة جوية. أصبح الوضع أصعب علينا. وقال الرئيس التركي "لا نريد لإخوتنا السوريين أن يخسروا الجنسية السورية، حتى لو حصلوا على الجنسية التركية في المستقبل، لأننا نريدهم أن يلعبوا دوراً فعالاً في مستقبل بلدهم السياسي". 

وكإعلامي، كان لا بد من أن أنقل مناشدات عشرات آلاف السوريين، إلى الرئيس أردوغان، بخصوص عودة فرض التأشيرة المسبقة "الفيزا" على السوريين لدخول تركيا. وقلت: جعل القدر تركيا اليوم بمكانة الأخ الأكبر للشعب السوري، والأخ الأكبر يقدم دوماً لإخوته، ولا ينتظر أن يشكره أحد، فلا يخفى عليكم، فخامة الرئيس، أن السوريين توزعوا في كل أصقاع الأرض، والنسبة الأكبر منهم موجودة في تركيا، ولا توجد عائلة اليوم إلا وأبناؤها منتشرون في أكثر من دولة، فمثلا العائلة في تركيا، وأحد الأبناء في السعودية، وآخر في الإمارات، وثالث في السويد، ورابع في ألمانيا. وفي هذه الظروف، قد لا يكون لدى أي واحد منهم متطلبات الحصول على فيزا تركية، وهذا يزيد من عمق معاناتهم. لذلك، الآمال والتطلعات إليكم لتخفيفٍ ما، على سبيل المثال الحصول على التأشيرة في المطار، لأن تخفيفكم وتسهيل الحصول على الفيزا للسوريين يخفف من آثار عملية إفراغ سورية من مكونها الأساسي، بحيث يستطيعون العودة إلى تركيا، ويتمكنون من التواصل مع أقاربهم ويكونون أقرب إلى وطنهم، حتى لا تتكرّر المأساة الفلسطينية، ونتحدث في المستقبل عن حق العودة للسوريين. 

واختتمت حديثي بشكر الرئيس التركي على إتاحة الفرصة لي، ولعدد ليس قليلاً من السوريين للسماع منهم. وأضفت: كلما استمعتم لأكثر عدد ممكن من السوريين، أتيح أن تصل إليكم صورة لا أقول كاملة، وإنما أوضح عن المشكلات التي تواجه السوريين في تركيا، لأن إحدى أهم مشكلات السوريين اليوم هي تمثيلهم، وشرعية من يمثلهم. وأعاد الرئيس التركي التذكير بما كان دوماً يتحدث عنه، أن العالم أكبر من خمس دول، في إشارة إلى مجلس الأمن الدولي. 

ويبقى القول إنه، في حال النظر من منظور تركي داخلي، إلى هذا اللقاء، فإنه أمر اعتيادي يكرّره الرئيس أردوغان، ورئيس الحكومة أحمد داود أوغلو، باستمرار مع الصحافيين الأتراك، لكن أهميته في أنه الأول مع صحافيين سوريين، والتحدث إليهم والسماع منهم، ووعدهم بمتابعة ملفاتٍ كثيرة.