جلال سلمي - خاص ترك برس

تأسست تركيا عام 1923 على عدة أصول أساسية وضعها مؤسسها الضابط العسكري "مصطفى كمال باشا"، الذي جعل تلك الأصول مُعرفة للسياسة الداخلية والخارجية التركية، ومن خلالها يمكن استنباط الأسس العامة التي شكلت وما زالت تُشكل السياسة الخارجية التركية، التي طرأت عليها في فترة حكم حكومة حزب العدالة والتنمية بعض التغييرات الطفيفة في الأسلوب وليس في الأصول.

الحكم الجمهوري، القومية ومصالح القومية "التركية" أولًا، السلام الداخلي ثم السلام الخارجي، العلمانية بعيدًا عن التكتلات الدينية، الدولة التركية ومصالحها القومية، الحداثة والتقارب إلى الغرب الحديث هي المبادئ الأساسية التي وضعها مصطفى كمال باشا أو أتاتورك للجمهورية التركية وسياستها الداخلية والخارجية.

حاولت تركيا منذ عام 1949 الدخول إلى التكتلات الأوروبية التي مهدت الطريق إلى ظهور "الاتحاد الأوروبي" على إثر اتفاقية "ماسترخت" عام 1992، وعلى الرغم من الجدية التي أبدتها كافة الحكومات التركية للمثول إلى المبادئ والأحكام الخاصة بالاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه الجهود الجادة قوبلت بالمماطلة والضبابية الأوروبية.

وكان لحكومة حزب العدالة والتنمية نصيب من تلك المحاولات الجادة، إذ عملت على إبداء الجدية الحاسمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من خلال إجراء الكثير من التعديلات والإجراءات الإصلاحية الديمقراطية 2004 ـ 2005، تمهيدًا لتقديم طلب انضمام كعضو دائم في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يقابل الجدية التركية بما كانت تأمله الحكومة التركية، وأرهن هذا الطب بعملية تفاوض تشمل العديد من الفصول المعيارية الجديدة التي يجب على تركيا المثول لها.

سياسة التأجيل المعتادة للاتحاد الأوروبي دفعت حكومة حزب العدالة والتنمية إلى إدارة ظهرها للاتحاد الأوروبي والاتجاه نحو منطقة الشرق الأوسط وغيرها من المناطق والأقاليم، ولكن إدارة حكومة حزب العدالة والتنمية لظهرها لم تكن شاملة، بل كانت جزئية إذ أبقت خيط التفاوض بينها وبين الاتحاد الأوروبي ولم تقطعه، ولكن لم تجعل سياستها منفردة مع الاتحاد الأوروبي وسياسته فقط، بل اتجهت إلى تنويع سياستها لتشكيل آلة ضغط على الاتحاد الأوروبي.

واليوم وبعد مرور 11 عامًا على حالة الجمود التي أصابت العلاقات التركية الأوروبية، عاد الطرفان من جديد إلى التفاوض النشط الذي صب بشكل كبير في صالح تركيا، ما جعل الكثير يتساءل عن العوامل التي حولت العلاقات التركية الأوروبية إلى صالح تركيا، وجعلت منها تُبدي شروطها ومطالبها، بعدما كانت مُتلقية لشروط ومطالب الاتحاد الأوروبي فقط دون القدرة على إبداء مطالبها.

تجيب الخبيرة في مجال العلاقات التركية الأوروبية "سونغول خاطيسارو" على التساؤل المطروح من خلال مقالها "عوامل أسهمت في تغيير خط سير العلاقات التركية الأوروبية لصالح تركيا، نُشر في صحيفة "ميلييت"، 4 فبراير/ شباط

2016، مبينةً أن العوامل الأساسية التي أسهمت في جعل الاتحاد الأوروبي يلجأ إلى تركيا عدة أهمها:

ـ قضية اللاجئين: العامل الأساسي والرئيسي الذي قض مضاجع دول الاتحاد الأوروبي وجعلها تأتي إلى تركيا ملهوفة لإيجاد حل، لإيقاف موجات التدفق المتعاقبة للاجئين، وهذه القضية شكلت "التحول المفصلي" في العلاقات التركية الأوروبية، إذ أنه شكل عنصر ضغط قوي على الاتحاد الأوروبي وروابطه، بل وحتى أثر على الاتفاقيات المُوقعة بين دول الاتحاد، إذ أقدمت بعد الدول على تعليق تطبيق اتفاقية "شنغن"، بذريعة حماية أمنها واستقرارها، جراء التدفق المهيب للاجئين من كل حدب وصوب.

ـ البُعد الاقتصادي: يعتبر أيضًا عامل أساسي، حيث أنه في حين أن بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وإيرلندا، تواجه انكماش اقتصادي لاذع، تحافظ تركيا على نموها الاقتصادي على الرغم من كافة التهديدات السياسية والاقتصادية المُحيطة بها. حدث هناك بعض الخسائر في الاقتصاد التركي نتيجة لما يُحيط به من عوامل مُسببة لذلك، ولكن بشكل عام استطاعت تركيا الحفاظ على حجم نموها الاقتصادي، مما جعل الاتحاد الأوروبي يقتنع بضرورة إجراء تسهيلات سياسية واقتصادية لتركيا ومواطنيها لتحريك عجلة التبادل التجاري بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي.

بدوره، ثمن وزير الاتحاد الأوروبي في الحكومة التركية "فولكان بوزكير" المسافة الهامة التي قطعتها تركيا مع الاتحاد الأوروبي في المجال السياسي والاقتصادي، معربا ً عن أمله في أن تشهد العلاقات بين الطرفين المزيد من التقدم والتطور.

وأعزى بوزكير، خلال كلمته أمام الصحافيين يوم الثلاثاء، 2 شباط 2016، كسب العلاقات التركية الأوروبية لتغير إيجابي لصالح تركيا إلى قضية اللاجئين والتطور الملحوظ الذي شهده الإرهاب في أوروبا، حيث رأت دول الاتحاد الأوروبي أنه لا بد من التعاون القوي مع تركيا لإيجاد حلول جذرية لهاتين المشكلتين المتفاقمتين.