جاء اغتيال القائد الميداني العسكري لتنظيم “القاعدة” في اليمن جلال بلعيدي، الذي برز خلال السنوات الأخيرة، وكانت له بصمات في معظم عمليات التنظيم التي شهدتها مدن جنوب وشرق اليمن، وسط سعي “القاعدة” إلى توسيع انتشاره وسيطرته في البلاد.

كان جلال محسن صالح بلعيدي المرقشي، في أوائل شبابه حارس مرمى أحد الأندية الرياضية (نادي حسان)، في محافظة أبين التي يتحدر منها، لكنه مع بداية الثلاثينات من عمره تطوّر إلى لاعب رئيسي في ساحة الحرب والعنف، حيث برز اسمه منذ العام 2011 عندما سيطر تنظيم “القاعدة” على أبين الواقعة إلى الشرق من عدن، وأصبح أميراً لـ”إمارة أبين”، وكان قبلها إماماً لأحد الجوامع في مدينة زنجبار مركز المحافظة.


تصدر بلعيدي واجهة تحركات “القاعدة” وتسجيلاته المصورة، وظهر في مناطق تدور فيها معارك

خلال العام 2014 ومع بدء الجيش حملة عسكرية لتحرير المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في محافظتي أبين وشبوة، تصدر بلعيدي واجهة تحركات “القاعدة” وتسجيلاته المصورة، وظهر في مناطق تدور فيها معارك، كما شارك شخصياً في هجمات نفذها التنظيم في مدينة سيئون، ثاني أهم مدن محافظة حضرموت، والتُقطت له صور تذكارية في ساحة “قصر سيئون” خلال الهجوم، وهو حضور كان يعكس دوره الميداني المباشر.

ظهر بلعيدي بوحشية لم يسبق أن ظهر عليها تنظيم “القاعدة” الذي يسمي نفسه “أنصار الشرعية”، وذلك عندما كان مسؤولاً عن عملية ذبح طاولت 14 جندياً من الجيش اليمني تم اعتقالهم وكانوا في الطريق إلى قراهم في إجازة وجرى إعدامهم بتسجيل مصور.

خلال العام 2015 قلل بلعيدي من نسبة ظهوره في التسجيلات المصورة مع سيطرة التنظيم على مدينة المكلا مركز محافظة حضرموت، وإحدى أهم المدن اليمنية، وبسبب العمليات الإرهابية التي تبناها وكانت أقرب إلى طريقة “الدولة الإسلامية” (داعش)، ترددت أنباء عن أن بلعيدي بايع زعيم “داعش”، أبو بكر البغدادي، وأصبح يقود فصيلاً منشقاً عن “القاعدة” لصالح “داعش”، غير أن باحثين متخصصين في شؤون التنظيم أكدوا لـ”العربي الحديد” أن بلعيدي بقي قائداً لـ”أنصار الشريعة” على الرغم من وجود عناصر فيها كانت تتعاطف مع “داعش”.

كان آخر ظهور لبلعيدي الملقب بـ”أبوحمزة الزنجباري”، في مدينة زنجبار مركز محافظة أبين، عندما سيطر عليها التنظيم، أواخر العام الماضي، وخلال ما يقرب من شهرين وسّع التنظيم سيطرته جنوباً، ونشر مسلحيه في مدينة الحوطة، مركز محافظة لحج، المدخل الشمالي لعدن، ومنذ أيام سيطر “القاعدة” على مدينة عزان في شبوة، كما سيطر على منطقة المحفد في أبين، التي كانت لفترة خلال 2012 و2013 معقلاً رئيسياً للتنظيم.

اغتيل بلعيدي في منطقة المراقشة مسقط رأسه، مع اثنين آخرين من مرافقيه، حيث استُهدفت سيارته التي كان على متنها بغارة جوية يُعتقد أنها لطائرة أميركية من دون طيار في منطقة الخبر، ما أدى إلى مقتله، ونقل التنظيم جثته إلى مدينة زنجبار مركز المحافظة، التي يُلقب باسمها.

يعتبر أحد الباحثين المتخصصين في شؤون “القاعدة”، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”” أن مقتل بلعيدي خسارة كبيرة للتنظيم باعتباره قائداً عسكرياً، ولهذا الأمر تأثير أكثر من العمليات التي تستهدف القادة المنظّرين للتنظيم، فعلى الرغم من أنه لم يظهر في موقع قيادي واضح، إلا أنه كان بمثابة القائد الميداني العملي.

إلى ذلك، تبرز أهمية مقتله من التطورات التي تشهدها المحافظات الجنوبية بشكل عام، إذ قُتل بلعيدي في فترة انتصارات يحققها التنظيم بإسقاط المدن. وتشير التطورات الميدانية جنوباً إلى أن تنظيم “القاعدة” الذي استفاد من الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من 10 أشهر، سعى للسيطرة على أكبر قدر من المناطق، وتفصح مؤشرات عديدة عن سعيه لاستكمال السيطرة على مدن جديدة في شبوة وأبين بالذات، ولعل الفترة المقبلة تحفل بتطورات مهمة تظهر مدى تأثر التنظيم بمقتل بلعيدي، وما إذا كان اغتياله سيؤثر على سيطرة “القاعدة” في المناطق التي تنتشر فيها.


تُعد خسارة “القاعدة” لبلعيدي، أحدث تطور في سلسلة الخسائر الكبيرة للتنظيم على المستوى القيادي

وتُعد خسارة “القاعدة” لبلعيدي، أحدث تطور في سلسلة الخسائر الكبيرة للتنظيم على المستوى القيادي، إذ خسر، العام الماضي، عدداً من قيادات الصف الأول، أبرزها مؤسس فرع التنظيم في اليمن، ناصر الوحيشي، الذي أعلن التنظيم مقتله في يونيو/حزيران العام الماضي بغارة جوية، وجرى اختيار قاسم الريمي خلفاً له، لكن الأخير لم يظهر وجوده خلال التحركات في المناطق الجنوبية.

ومن أبرز القيادات التي خسرها التنظيم، خلال العام الماضي، المنظّر حارث النظاري، والقيادي البارز السعودي الجنسية، إبراهيم الربيش، والقيادي ناصر الآنسي، وآخرين، وجميعهم تقريباً قُتلوا بغارات جوية نفذتها طائرات أميركية من دون طيار، غير أن بلعيدي كان الأكثر ارتباطاً بعمليات ميدانية داخل البلاد، وفي المناطق الجنوبية على وجه التحديد.

من جهة أخرى، لا تخلو المناطق الجنوبية في اليمن من حضور لـ”داعش” الذي تبنى العديد من العمليات الانتحارية في عدن، كما تبنى عملية إعدام أسرى قال، إنهم من الحوثيين وجرى إعدامهم بثلاث طرق مختلفة وتصويرها، لكن قادة الأخير لم يظهروا في الواجهة ولا يزال هناك لبس في التمييز بين نفوذ وسيطرة التنظيمين، غير أن “القاعدة” هو الأقوى ويستفيد من عمليات “داعش” بالظهور بمظهر التنظيم الأقل عنفاً من الأخير.

اقرأ أيضاً: مقتل جلال بلعيدي أحد أبرز قادة “القاعدة” في اليمن