اختار الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، في حوار تلفزيوني، الأربعاء، أن يسلّط الضوء مجدّداً على صعوبات النظام السياسي في تونس، مشيراً إلى أنّه برلماني بموجب الدستور، ورئاسي بحسب رغبة الشعب، ما يطرح تساؤلات حول رغبة الرئيس في إعادة البحث في نظام الحكم وتعديله بالدستور.

ووصف السبسي النظام السياسي بأنّه نظام لا برلماني بالكامل ولا رئاسي بالكامل، وقال إنّ “النظام التونسي برلماني، في حين أن الشعب رئاسي، ولم يتخلص بعدُ من عاداته القديمة”، باعتبار أنّ رئيس الجمهورية يمسك بكل خيوط القرار في البلاد.

ورأى السبسي أنّ سبب لجوء السياسيين التونسيين إلى هذا الخيار (برلماني)، أثناء كتابة الدستور، كان نتيجة لخوفهم الكبير من النظام السابق الذي كان “رئاسويّاً”، أي رئاسياً مشدَّداً، يمنح الرئيس “حق الموت والحياة” للجميع، ويركّز جميع القرارات في قصره.

وليس حديث السبسي هذا جديداً ولا مفاجئاً، وإن كان يحمل إشارات وأسئلة غامضة، من قبيل: هل هي دعوة للأحزاب للخوض في هذا الموضوع من جديد؟ وهل هي رغبة في إدخال تعديلات على الدستور؟ أم هي دعوة للتفكير في تقييم هذه المرحلة الدستورية بعد عام من الحكم.


السبسي حاول التأكيد أنّه “لا يُلام على الوضع الحالي”، لأنّه “ليس صاحب القرار الوحيد”

كما يطرح حديث السبسي تساؤلات حول إن كان تبريراً للتباطؤ في تنفيذ الوعود الانتخابية، خصوصاً بعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية القوية التي شهدتها تونس في الأسابيع الأخيرة.

لكن في جميع الأحوال، فإن السبسي حاول التأكيد للجميع أنّه “لا يُلام على الوضع الحالي”، لأنّه “ليس صاحب القرار الوحيد”، محملاً مسؤولية الوضع الاقتصادي المتردّي لمن حكم قبله (الترويكا)، وللمعارضة الحالية التي رفضت بعض إصلاحاته، على غرار قانون المصالحة الاقتصادية.

غير أنّ إثارة موضوع النظام السياسي في تونس ليس بجديد. حتى إن المعارضة التونسية التي جاءت ضعيفة داخل البرلمان، لم تذعن لسطوة الغالبية، ولم تتقيد بالنظام السياسي، وتقبل شروطه وانعكاساته القانونية. وثبت من خلال أحداث سياسية مرّت بها البلاد، أنّ ديمقراطية الشارع مهمة تماماً كما ديمقراطية المجلس. بل إنّ نواب الائتلاف الحكومي باتوا يتحدثون عن “دكتاتورية الأقلية”، بسبب رضوخهم في كثير من الحالات لطلباتها، على الرغم من عدم امتلاكها ما يكفي من الأصوات لإسقاط مقترحات محدّدة داخل المجلس.

ويكشف هذا الإرضاء المتبادل عن رغبة تونسية عامة في المحافظة على وضع سياسي “هش”، وأيضاً عن توازن قابل للاختلال.

من جهة ثانية، جاءت مواقف حركة “النهضة” الإسلامية الأخيرة، والرافضة بالمطلق إدخال أي تعديل على الوضع البرلماني والحكومي، لتثبت خوفاً كبيراً من المسّ بهذا التوازن.

وعلى الرغم من أنها صارت الغالبية الأولى (69 صوتاً لحركة “النهضة” مقابل 58 لحركة “نداء تونس”، بعد موجة الاستقالات الثانية)، فإن مسؤوليها أكدوا أنّ هذا الأمر لا يعنيهم، وأنه لن يغير شيئاً في المشهد السياسي، وأنهم معنيون بما أفرزته الانتخابات من نتائج، ومتمسكون بالمرتبة الثانية.

وبغض النظر عن أسباب موقف “النهضة” السياسية، وقراءتها للمشهد الحزبي والوضع العام وطنياً وإقليمياً، فإنّ كثيراً من الأحزاب لم تتهيأ بعدُ للمنطق البرلماني في إدارة الشأن العام، حتى ممن كان أبرز المتمسكين والمدافعين عن النظام البرلماني. مع العلم أن “النهضة” قدّمت التنازلات المطلوبة أثناء كتابة الدستور، وخرجت من الحكم، غير أنها كانت متمسكة بشدة بالنظام البرلماني كخيار دستوري لنظام الحكم.

لكن الإصرار على المحافظة على التوازن الهشّ لم يكن فقط دستورياً، وإنما عكسه الصبر السياسي الذي ميّز الأيام الأخيرة؛ فحركة “النهضة” ظلت متماسكة، مفضلةً عدم الردّ، على الرغم من الانتقادات التي وجهها إليها حليفها السبسي في أكثر من مناسبة، لخشيتها من أن يؤدي ذلك إلى المس بالاستقرار العام، بحسب تصريحات بعض قياديّيها.


لا تخفي قيادات “النهضة” أن الأهم هو “ألا يسقط البيت على الجميع”، مهما كلّف الأمر

وعلى الرغم من إصرار السبسي المتكرّر على أنّه دُفع إلى هذا التحالف دفعاً، وأنّه لم يكن ليتحالف مع “النهضة” لولا نتائج الانتخابات، وأنّ حكمهما معاً هو ائتلاف وليس تحالفا، وأنّ رغبته في البداية كانت غير هذا، التزمت حركة “النهضة” بصمت وانضباط كبيريْن.

ولا تخفي قيادات الحركة، خصوصاً زعيمها راشد الغنوشي، أنّ الأهم في كل هذا هو “ألا يسقط البيت على الجميع”، مهما كلّف الأمر.

وبالعودة إلى تصريحات السبسي، فإن مراقبين يرون أنّه بالغ كثيراً في حديثه عن حدود صلاحيات رئيس الجمهورية، إذ إنه من المعروف في تونس أنه من اختار رئيس الحكومة، رغم نفيه ذلك، وأنه من يدير اللعبة السياسية بالكامل، وإن كان متقيداً في الشكل بحدود الدستور. ولعلّ انتقادات المعارضة المتكررة لعودة القرار إلى قصر قرطاج، ولرئيس الحكومة الحبيب الصيد بوصفه “مجرد موظف لدى قرطاج”، بحسب تعبيرها، ما يشير إلى ذلك.

وفي جميع الحالات، يقبع التونسيون، حكماً ومعارضة، في ظل نظام سياسي له محاسنه وعيوبه، غير أنهم يحاولون وضع أحجار/ مؤسسات، تحفظ البيت من السقوط، على الرغم من تهديدات الظروف الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية.

اقرأ أيضاً:السبسي يوزّع نيرانه يمينا ويسارا… والحبيب الصيد الناجي الوحيد