بدا منذ اليوم الأول لمحادثات جنيف أن ولادتها ستكون ميتة

وبدا منذ اليوم الأول للمحادثات، أن ولادتها ستكون ميتة. رغم إدراك المعارضة السورية ذلك في وقت مبكر، إلا أنها آثرت الذهاب بعد حصولها على ضمانات من قبل الدول الصديقة بتنفيذ القرار الدولي 2254، خصوصاً البندين الثاني عشر والثالث عشر، اللذين يتعلقان بوقف القصف واستهداف المدنيين وفك الحصار وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدن المنكوبة.

غير أن المشكلة الرئيسية التي تكمن في المباحثات غير المباشرة، بدت في إقناع المبعوث الدولي نفسه بجدوى هذه المحادثات، خصوصاً بعد تسريب مجلة “فورين بوليسي” وثيقة من مكتب دي ميستورا يقرّ فيها الأخير بأن الأمم المتحدة لن تكون قادرة على مراقبة أو فرض أي اتفاق سلام سوري في جنيف. ووفقاً لما ورد في الوثيقة، فإن مكتب المبعوث الأممي وجه تحذيراً من كون الأمم المتحدة عديمة الحيلة فيما يخص مراقبة وتنفيذ أي اتفاق سلام قد يتمخض عن محادثات السلام التي تجري بجنيف.

من هذه النقطة بالذات، يظهر انحياز دي ميستورا لمعسكر روسيا والنظام السوري، بعد إصراره على بدء محادثات غير مقتنع بها، الجمعة الماضي، حتى ولو لم تحضر المعارضة السورية. ما يشير إلى أنه لم تكن لدى المبعوث الدولي مشكلة في محاورة النظام السوري على المستقبل السياسي في سورية. فيما كان الدور الأميركي، حتى قبل بدء المحادثات، منحصراً في نقل الأفكار والإملاءات الروسية إلى المعارضة السورية، كإشراك وفد ثالث، أو القبول بإشراك أسماء تطرحها موسكو إلى وفد التفاوض كالرئيس المشترك لمجلس سورية الديمقراطية، هيثم مناع، ورئيس حزب “الشعب الديمقراطي”، صالح المسلم، ورئيس “الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير”، قدري جميل. وتحوّل الدور الأميركي بعد المحادثات إلى توسُّل النظام السوري بالسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى البلدات المحاصرة مثل مضايا.


كان الدور الأميركي حتى قبل بدء المحادثات منحصراً في نقل الأفكار والإملاءات الروسية إلى المعارضة

من جهته، اتبع النظام السوري السياسة المعهودة القائمة على التسويف والمماطلة والإغراق في التفاصيل، واللعب على شماعة الإرهاب، منطلقاً من ثقة استثنائية بالنفس وصلت إلى حدّ الوقاحة، نتيجة التواطؤ العالمي معه، وهو ما دفع رئيس الوفد الحكومي، رجل الاستخبارات بلقب دبلوماسي، بشار الجعفري، إلى القول من جنيف إن فاتحة القرآن لديهم أنه ليس هناك تفاوض.

لكن الطامة الكبرى التي حولت المباحثات إلى ما يمكن وصفه “بالمهزلة السياسية”، كان التصعيد العسكري الذي قام به النظام السوري وروسيا في مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية؛ ففي وقت كانت المعارضة السورية تصر على تنفيذ البندين الثاني عشر والثالث عشر من القرار الدولي، معتبرة إياها أنها فوق شروط التفاوض، نفذت روسيا أكثر من 300 غارة جوية في غضون ثلاثين ساعة على مناطق سيطرة المعارضة في حردتين ودوير الزيتون ورتيان ومعرسة الخان، وذلك لفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي. ما يعني أن الروس والنظام لم ينظروا إلى ما يجري في جنيف سوى مطية سياسية للتغطية على العمليات العسكرية، وحصار حلب بهدف قلب موازين القرار.

على ضوء ذلك، حرص وفد النظام السوري على إبقاء المحادثات غير المباشرة في طور المطالب الإنسانية، ومكافحة الإرهاب، ولجم أي دفع باتجاه النقاش حول هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، بحسب بيان فيينا وجنيف. ورغم إدراك المعارضة السورية جيداً لما يجري، إلا أن الدعم الروسي والأميركي مجتمعيْن للنظام السوري، وتخلي الحلفاء عنها، وضع المعارضة في موقف الحذر مع كل بيان تصدره، وكل موقف يخرج عنها، وهو ما بدا حرصاً على أي ثغرة تشير إلى حل سياسي محتمل قبل إعلان الانسحاب.

غير أنّ المبعوث الدولي كان سريعاً في الرّد على المعارضة، إذ استبق محادثاتها لخيار الانسحاب بتعليق المفاوضات، بإعفاء موسكو والنظام من المسؤولية. واستنتج بعد الجو الذي سبق المحادثات والأسبوع الذي مضى على بدئها أنه لن يجري محادثات من أجل المحادثات.

وقبل إعلان تعليق المفاوضات، لوّح دي ميستورا لوفدي النظام والمعارضة بتجاوز قضية المطالب الإنسانية، بعد إخباره المعارضة العجز عن تطبيقها، لينتقل إلى الحديث عن وقف إطلاق النار، رغم أن البدء في تنفيذ هذا البند في القرار الدولي سيجري بالتزامن مع المرحلة الانتقالية. وهذا يدل على مواصلة المبعوث الدولي ومن ورائه روسيا تفخيخ المعارضة السورية.

ويستفيد الروس من جعل وقف إطلاق النار أولوية في مواصلة أعمالهم العسكرية، بحجة شماعة القضاء على المجموعات الإرهابية، وفي مقدّمتها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، إذ يشير البند الثامن من القرار الدولي إلى الطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تكرار دعوته الواردة في القرار 2249 (2015)، والموجهة إلى الدول الأعضاء لمنع وقمع الأعمال الإرهابية التي يرتكبها على وجه التحديد تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة”، وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطين بهما. وهذا يعني، مواصلة موسكو والنظام السوري عملياتهم العسكرية، مقابل وقف إطلاق نار أحادي من قبل فصائل المعارضة، بدلاً من تطبيق ذلك في المرحلة الانتقالية والتي قد تضعف كثيراً من موقف النظام في ذلك الوقت.

وفي السياق نفسه، كشفت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، عن أن المبعوث دي ميستورا، يروّج بشكل سري لإنشاء خلية استخبارية للمساعدة في تنفيذ إجراءات وقف إطلاق نار في حال تم الاتفاق عليه في محادثات جنيف، كنقطة البداية. غير أن عضوة الوفد المفاوض سهير الأتاسي شدّدت، خلال تصريحات لـ””، على أن طرح وقف إطلاق النار كنقطة بداية، أمر غير مقبول، نتيجة وجود التدخل العسكري الروسي، معتبرة أن هذا الإجراء في ظل هذه الظروف هو إنهاء للثورة السورية.


دي ميستورا يروّج بشكل سري لإنشاء خلية استخبارية للمساعدة في تنفيذ وقف إطلاق نار إن تم الاتفاق عليه

تطلعات دي ميستورا والنظام السوري ومن خلفهما روسيا إلى الاستمرار في العمليات العسكرية والتغطية عليها بمواصلة العملية السياسية، كان آخرها ما كشفه مصدر مطلع لـ”” عن أن دي ميستورا قال، خلال لقاء يوم الأربعاء، مع الهيئة العليا للمفاوضات، إنه سوف يعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن حتى 25 الشهر الجاري لجعل المادتين 12 و13 ملزمتي التطبيق، مضيفاً أن الهدف من ذلك هو حث المعارضة على الانخراط في المفاوضات.

على ضوء ذلك كله، يمكن القول إن المعارضة السورية، بقدومها إلى جنيف وإصرارها على محاولة إيجاد حل سياسي، رغم قناعتها بعدم وجود الجو الملائم له، قد نجحت في تحقيق “صمود” سياسي، من خلال إيصال رسالتها للعالم حول المسؤول الحقيقي عن استمرار نزيف الدم السوري، وفشل العملية السياسية في سورية منذ جنيف 1 قبل أربعة أعوام. وهي بذلك، تكون قد تفوقت سياسياً في نهاية المطاف، رغم المحاولات العديدة للنظام السوري وروسيا والمبعوث الأممي إضعافها. وفي حال قررت عدم المشاركة في المفاوضات المقبلة، فإنه يتعين على الأمم المتحدة تحمّل مسؤوليتها في تطبيق القرار الدولي الذي أصدرته، خصوصاً أن روسيا لم تعد طرفاً محايداً في الحلّ السياسي في سورية.

اقرأ أيضاً: الوفد السوري المعارض يقيّم فشل جنيف: النظام وروسيا مسؤولان