تدور معارك طاحنة في شمال سورية، يرى أغلب المراقبين أنها ستحدد مستقبلها، المنظور على الأقل، حيث بدأت قوات النظام ومليشيات مدعومة بغطاء جوي روسي، هجوماً هو الأعنف على بلدات وقرى ريف حلب الشمالي لخلق واقع عسكري مختلف.

واتّبع الطيران الروسي سياسة “الأرض المحروقة”، موقِعاً العشرات من المدنيين قتلى في أغلب مدن وبلدات هذا الريف، الذي اضطر آلاف من سكانه إلى النزوح باتجاه الحدود السورية التركية، إثر مئات الغارات الجوية بطائرات السوخوي التي مهّدت الطريق للمليشيات بقيادة ضباط من الحرس الثوري، ففتحت طريقاً إلى بلدتي نبّل والزهراء اللتين تقعان شمال مدينة حلب بنحو 20 كيلومتراً مربعاً. وكانت قوات المعارضة بدأت حصاراً جزئياً لهما منذ نحو ثلاث سنوات.

يقول الناشط الإعلامي ياسين أبو رائد، في تصريح لـ””، إن المليشيات تقدّمت وسيطرت على قرية معرست الخان، وفتحت طريقاً إلى نبّل والزهراء، لافتاً إلى أن الطريق الذي وصفه بـ”الضعيف” بالإمكان قطعه من المعارضة السورية المسلّحة، بشرط ألا تتوسّع الرقعة التي سيطرت عليها المليشيات، مشيراً إلى أن هذه المليشيات تحاول السيطرة على بلدات ماير، وبيانون، ورتيان، لتعزيز وجودها في المنطقة، وإبعاد خطر الحصار مرة أخرى عن بلدتي نبّل والزهراء.

وتسعى قوات النظام والمليشيات إلى فرض حصار حول مدينة حلب، تمهيداً لإعادة السيطرة على الأحياء التي تسيطر عليها قوات المعارضة منذ منتصف عام 2012، وهي استطاعت، من خلال الوصول إلى نبّل والزهراء، فصل الريف الشمالي عن مدينة حلب.


أبو زيد: قوات النظام والمليشيات تسعى إلى حصار مدينة حلب، من خلال حرمانها من خط الإمداد المتمثّل بمدينة أعزاز

وفي هذا الصدد، يقول المستشار القانوني للجيش السوري الحر أسامة أبو زيد، إن “النظام يريد تقطيع أوصال المناطق الثائرة في شمال حلب، مستفيداً من الطيران الروسي، والإمداد البشري المستمر من المرتزقة”، مشيراً، في تصريح لـ””، إلى أن قوات النظام والمليشيات التي تساندها تسعى إلى حصار مدينة حلب، من خلال حرمانها من خط الإمداد المتمثّل في مدينة أعزاز على الحدود السورية التركية.

ويوضح أبو زيد، أن قوات النظام والطيران الروسي يسعيان إلى فتح الطريق أيضاً أمام ما وصفها بـ”مليشيات البي كي كي”، (في إشارة إلى وحدات “حماية الشعب” الكردية)، للوصول إلى مدينة أعزاز ومعبر باب السلامة على الحدود السورية التركية، وخلق “تعقيد جديد” على الشريط الحدودي، يُضاف إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

ريف حلب الشمالي الذي تُقدّر مساحته بنحو 5 آلاف كيلومتر مربع من مجمل مساحة محافظة حلب التي تبلغ مساحتها أكثر من 18 ألف كيلومتر مربع، يضم العديد من المدن والبلدات، أبرزها تل رفعت، ومارع، واعزاز، ومدينة عفرين ذات الأغلبية الكردية، ويبلغ عدد سكان هذا الريف نحو مليون نسمة.

اقرأ أيضاً: داود أوغلو: النظام السوري وحلفاؤه يرتكبون جرائم حرب

وعلى الرغم من أن الغاية المعلنة من وراء الهجوم “المتوقع” من قوات النظام الوصول إلى بلدتي نبّل والزهراء، إلا أن النظام وحليفتيه روسيا وإيران، كما يقول محللون، أرادوا خلط الأوراق على طاولات التفاوض، لفرض شروط أخرى على المعارضة السورية.

ويرى الكاتب أيمن أبو هاشم أن هناك أبعاداً سياسية لهذا التصعيد العسكري، لا يمكن فصلها عن سياسة النظام وحلفائه الروس والإيرانيين التي سعت إلى إفشال المحادثات، من خلال تغيير موازين القوى على الأرض في أسرع وقت ممكن، من أجل تخفيض سقف مطالبات المعارضة، توطئةً لفرض شروط الاستسلام عليها، مضيفاً، في حديث مع “”: “إنها معركة كسب الوقت التي يحاول النظام استثمارها”.

من جهته، يصف الكاتب والأكاديمي السوري محمود حمزة، ما يقوم به الطيران الروسي شمال سورية بـ”الخطة الجهنمية”، مضيفاً، في تصريحات لـ””، أن “روسيا تريد عزل الحدود الشمالية عن أي تواصل مع تركيا، لكي تقطع المساعدات عن قوات المعارضة السورية، والمدنيين، وخنق المنطقة الشمالية عسكرياً وإنسانياً”.

ويرى الأكاديمي المقيم في موسكو، أن الروس يريدون “إفراغ المنطقة من سكانها العرب السنّة، في الوقت الذي يدعمون فيه مليشيات كردية والعلويين في سورية”، معتبراً أن روسيا تريد ترتيب الأوضاع في سورية حسب مصالحها، معرباً عن اعتقاده بأن ما يجري شمال سورية هو جزء من “انتقام” روسي من تركيا، ومن المعارضة السورية التي ترفع السلاح في وجه ما سماه “المجرم بشار الأسد”.

ولا يستبعد حمزة تحركاً تركياً في القريب العاجل، معتبراً أنه “في حال شعرت تركيا بأن مصالحها وأمنها القومي معرضان للخطر فإنها لن تسكت أبدا”. ولا ينفي أن الوضع الميداني في شمال حلب هو لصالح “حلف روسيا وإيران والأسد”، مضيفاً: “على الرغم من ذلك، فإنهم لن يربحوا المعركة، لأنهم يحاربون شعباً انتفض ضد أعتى الأنظمة الديكتاتورية في التاريخ”.


بسام العمادي: ما يجري محاولة روسية للحسم العسكري لصالح نظام الأسد

أما سفير الائتلاف الوطني السوري في روما، بسام العمادي، فيرى أن الروس يتبعون سياسة الأرض المحروقة التي اتّبعوها في الشيشان، أواخر القرن الفائت، مضيفاً، في تصريح لـ””، أن ما يجري محاولة روسية للحسم العسكري لصالح نظام الأسد، معتبراً الصمت الأميركي بمثابة “رضا” على ذلك.

من جهته، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي فواز تللو، في حديث لـ””، أن ما يحدث في ريف حلب الشمالي جزء من “المؤامرة التقسيمية الأميركية الروسية الإيرانية الأسدية”، مستبعداً دخول قوات النظام إلى ما تبقى من شمال حلب، “بل سيُترك الأمر لوحدات حماية الشعب الكردية لاستكمال الكانتون الكردي الانفصالي”، وفق تللو. ولا يتوقع تدخّل الأتراك بشكل مباشر، كما لا يبدي تفاؤلاً بتحرّك أنقرة باتجاه تسليح فصائل المعارضة المسلحة المدافعة عن ريف حلب الشمالي.

التطورات العسكرية في ريف حلب الشمالي، جاءت عقب ورود أنباء عن بدء الولايات المتحدة وروسيا بإنشاء قواعد عسكرية في شمال وشمال شرق سورية، في خطوة يرى أغلب المحللين والمراقبين للمشهد الاقليمي أنها حلقة جديدة من حلقات صراع خفي يدور على الجغرافيا السورية التي باتت ساحة لاستعراض القوى، ولمحاولات الهيمنة على إقليم مُجهد.

وذكرت مصادر، في وقت سابق، أن الروس بصدد إنشاء قاعدة عسكرية في محافظة الحسكة (شمال شرق سورية)، كما ذكرت مصادر أخرى أن وزارة الدفاع الأميركية شرعت بالفعل في تهيئة مطار كان مهجوراً في بلدة رميلان، وهو لا يبعد سوى نحو 50 كيلومتراً عن مطار القامشلي.

اقرأ أيضاً: الأرض المحروقة… استراتيجية النظام وروسيا للتقدم في ريف حلب