عون ونصرالله في 6 فبراير 2006 (أرشيف)

بيروت ــ نادر فوز

حزب الله، حزب لبناني يملك السلاح، الخفيف والثقيل، الخارج عن شرعية الدولة. له مربّعاته الأمنية وثكناته في الداخل. حليف للنظام السوري المتّهم بقتل وخطف وتهجير وقمع مئات آلاف اللبنانيين والسوريين (ولاحقاً شريك في حرب النظام على الشعب السوري). صبغته المذهبية واضحة، تبدأ من شعاراته ولا تنتهي عند حدود الطاعة لـ”الولي الفقيه”. يفرض على الدولة اللبنانية والسلطة فيها ما يشاء من خلال تعطيل المجالس الدستورية أو الاستعانة بالشارع. هذا كان توصيف التيار الوطني الحر وأنصاره، بزعامة النائب ميشال عون، لحزب الله، حتى 6 فبراير/شباط 2006. حتى أنّ عون، لم يتردّد عام 2003 أمام الكونغرس الأميركي، بالإشارة إلى أنّ الحزب من أدوات الإرهاب والتدمير التابعة للنظام السوري.

هذا الواقع وهذه التوصيفات مُحيت من قاموس التيار الوطني الحر، منذ لحظة توقيع ورقة التفاهم بين عون والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. بات الحزب طرفاً وطنياً يدافع عن لبنان ومؤسساته ومواطنيه، وشريكاً حقيقياً في الوطن وبناء الدولة. مضى عقد من الزمن على هذا التحالف الذي قام في السادس من فبراير 2006. عشر سنوات مرّت ولا يزال التحالف قائماً ووصل إلى قمّته قبل أشهر، فتجّلى بفرض الحليفين التعطيل التام للحكومة والمجلس النيابي والإبقاء على الشغور الرئاسي مفتوحاً. وعاشت وثيقة التفاهم بين الطرفين تجديداً لشهر عسلها قبل أيام، مع الإطلالة الأخيرة لنصر الله، والتي جدّد خلالها “التزامنا الأخلاقي والسياسي بترشيح عون وسنفي بالتزامنا لو على قطع رقابنا”.


عبس: التحالف بين الحزب والتيار بات راسخاً لدى الطرفين

يقول القيادي في التيار الوطني الحر، زياد عبس، لـ”” إنّ “التحالف بين الحزب والتيار بات راسخاً لدى الطرفين”، مشيراً إلى أنّ عمق هذا التفاهم “تم تكليله في الإطلالة الأخيرة للأمين العام لحزب الله”. أطلق عبس الحوار الأول مع حزب الله، من خلال لقاءات واتصالات جمعته بمسؤول ملف القوى المسيحية في الحزب وقتها، غالب أبو زينب. عبس شهد على الكثير مما حكي ولم يُحك، وهو يقول اليوم إنّ الحزب بات واضحاً في خياره ووقوفه إلى جانب قيام دولة قوية ومؤسسات قوية وهو ما يمثله “الجنرال عون، مقابل المشروع الآخر القائل بالمحاصصة”.

وعن ورقة التفاهم والنقاط التي تفاهم عليها عون ونصرالله قبل عشر سنوات، يقول عبس إنّ “المحطات السياسية والأزمات السياسية كانت متلاحقة طوال الوقت منذ عشر سنوات إلى اليوم، ولم يتمكن أي طرف من تنفيذ الإصلاحات والطموحات الهادفة إلى تحصين الدولة وتحسين واقعها”، مع إضافته أنّ العلاقة بين الطرفين لم تعد محصورةً بورقة التفاهم.

من جهة أخرى، لا تتردّد قيادة الحزب والمسؤولون فيه في التشديد على أهمية هذا التحالف. فعلياً، جنّب تقارب عون من حزب الله “عزل الحزب” وتحويل المعركة السياسية في لبنان إلى معركة طائفية ومذهبية موجّهة ضد أتباع المذهب الشيعي، على اعتبار أنّ تحالف 14 آذار كان قد ضمّ تيار المستقبل والأحزاب المسيحية والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، في حين لم يتبقّ للحزب سوى حليفه الطبيعي في الطائفة والسياسة، رئيس مجلس النواب نبيه بري، إضافة إلى زعامات لبنانية متنوّعة طائفياً لكن مناطقية وغير قادرة على التمثيل ولا ثقل سياسيا وشعبيا لها.

ولعلّ أبرز إيجابيات وثيقة التفاهم ظهرت في الاحتضان السياسي الذي تمكّن عون من تأمينه للنازحين اللبنانيين من الجنوب والبقاع خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/تموز 2006. وهو احتضان أخلاقي وإنساني ووطني ما كان ليؤمّن لولا هذه الوثيقة. بالنسبة للحزب والذين يدورون في فلكه، “وثيقة التفاهم مشروع سياسي قائم وسيبقى قائماً على اعتبارها خارطة طريق للشراكة وبناء الدولة والمحافظة على لبنان وتكريس العيش المشترك وتحديد واضح للعدو وكيفية مواجهته”.


حقّق الحزب من هذه الوثيقة ربحاً صافياً في وجود طرف مسيحي قوي إلى جانبه

حقّق الحزب من هذه الوثيقة ربحاً صافياً في وجود طرف مسيحي قوي إلى جانبه، حماه من عزلته السياسية والطائفية، وأمّن له التلوين المذهبي اللازم لخوض معاركه السياسية. كما أنّه بات للحزب من يغطّي ممارساته وسياساته في الداخل والخارج، وأصبح له واجهة سياسية يمكنه من خلالها محاربة الآخرين، تحديداً تيار المستقبل الذي لعون مصلحة أيضاً في مخاصمته.

في المقابل، كسب عون شريكاً قوياً في الدولة وخارجها. شريك قادر على التعطيل وفرض المطالب وتحقيق المكاسب الشعبية والسياسية، فيؤمّن عون الغطاء لحزب الله، ويردّ له الأخير الجميل بفرض شروط عون على كل التركيبة السياسية. وعلى هذا الأساس يتمّ تبادل المصالح بين الحزب والتيار منذ عشر سنوات، ولو أنّ كل ذلك يتعارض مع النص الحرفي للوثيقة الموقعة بين الزعيمين. ولا شيء أبعد من هذه المصالح تحقّق بحسب ما تنص هذه الوثيقة، التي تحمل عناوين وطنية عريضة، منها “بناء الدولة” و”الإصلاح الأمني” و”الحوار” وغيرها.

بين فبراير 2006 وفبراير 2016، أسقط حزب الله حكومتين (حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وحكومة الرئيس سعد الحريري) وأجبر ثالثة كان عرّابها على الاستقالة (حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الذي استقال احتجاجاً على امتناع حزب الله عن التمديد لأحد قادة الأجهزة الأمنية). كما عطّل الحزب تشكيل الحكومات أيضاً إرضاءً لرغبات عون الذي طالب على الدوام بتوزير صهره، جبران باسيل، الخاسر مرّتين في الانتخابات النيابية. فبينما تؤكد الوثيقة على “إقرار الديمقراطية التوافقية”، أسقط الحزب حكومتين، وأقام حكومة برئاسة نجيب ميقاتي بدون مشاركة قوى 14 آذار. وفي حين تؤكد الوثيقة على “القضاء العادل”، تبدو جلية الملفات القضائية التالية: محاكمة الوزير ميشال سماحة (المتّهم بإدخال متفجرات من سورية إلى لبنان لتنفيذ اغتيالات وعمليات أمنية) ومحاكمة مستشار عون فايز كرم (عميل إسرائيلي)، بالإضافة إلى محاكمة عنصر في حزب الله قتل طياراً من الجيش اللبناني بعد إسقاط طائرته فوق الجنوب. حكم الأول بالسجن لأربع سنوات وستة أشهر، والثاني بسنتين، والثالث بستة أشهر فقط. كما أجهض الحزب، ومعه عون، الحوار الوطني الذي ترأسه رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان. مع العلم أنّ الوثيقة تشير إلى أنّ “الحوار الوطني هو السبيل الوحيد لإيجاد الحلول للأزمات”. وتستمرّ الحوارات التي يشارك فيها حزب الله، بشكل عام أو ثنائي (مع تيار المستقبل)، بدون أي طعم أو نتيجة بحسب ما يؤكد قياديون من الطرفين في المجالس الضيّقة.


أبرز إيجابيات وثيقة التفاهم ظهرت في الاحتضان السياسي الذي تمكّن عون من تأمينه للنازحين اللبنانيين خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/تموز 2006

ومن أبرز ثوابت الوثيقة أيضاً، التأكيد على ضرورة “إصلاح الأجهزة الأمنية وتحييدها عن الاعتبارات والمحسوبيات السياسية ووضع خطة أمنية متكاملة”. عطل الحزب وعون الحكومة لأكثر من شهرين، الصيف الماضي، مطالبين بتعيين صهر عون، العميد شامل روكز قائداً للجيش. وبعد فشل تحقيق هذا المطلب، استمرّ التعطيل نتيجة إصرار عون على تعيين ضباط محسوبين عليه في المجلس العسكري. إضافة إلى كل ذلك، لا بد من ذكر اجتياح الحزب لبيروت وبعض المناطق في مايو/أيار 2008، وانقلابه على الحكومة، إضافة إلى ظاهرة “القمصان السود” التي لجأ إليها الحزب للضغط على “شركائه في السلطة” وتجسّدت أكثر من مرة بانتشار مئات أنصاره بالثياب السوداء في طرقات أساسية ورئيسية في بيروت كتلويح بحصار أمني للعاصمة ومفاصلها.

وفيما يخص سلاح الحزب، ربطت الوثيقة الموضوع بأربعة عناوين: تحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية، وحماية لبنان من المخاطر الإسرائيلية وتحرير مزارع شبعا من الاحتلال وصياغة “استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون”. مع العلم أنّ الحزب عطّل النقاش في الاستراتيجية الدفاعية وقاطع جلسات الحوار بشأنها في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان.

كما أنه مع تطوّرات الوضع في سورية، لم يتردّد عون في تأمين ظهر حزب الله الذي يخوض الحرب بديلاً عن النظام السوري في نقاط عسكرية عدة، مثلما أمّن ظهر الحزب في أحداث مايو/أيار 2008، وكان مشاركاً في الانقلاب على حكومتي “الوحدة الوطنية” (برئاسة الحريري وميقاتي).

حتى أنّ أوساط التيار الوطني الحرّ، تؤكد على أنّ التقارب الذي تم بين عون ورئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، “لا يمكن أن يكون على حساب علاقة عون بحزب الله”. يفصّل المقرّبون من عون كل ما يمكن أن يخسره في حال ابتعد عن الحزب، وهي أولاً تفوّقه الانتخابي في أكثرية الدوائر بين الجنوب وبعبدا وجبل لبنان وصولاً إلى جبيل. إضافة إلى خسارته السند السياسي القادر، بخطاب أو بـ”قمصان سود”، على تعطيل أي قرار لا يصبّ في مصلحته. ومن هنا يمكن قياس الشراكة القائمة بين الطرفين، التي صاغت طوال السنوات الماضية كل ما حصل على الأراضي اللبنانية من تعطيل وانقلابات وصولاً إلى فرض الشغور على رئاسة الجمهورية.

اقرأ أيضاً: مبادرات تفكّك تحالفات لبنان ولا تنجح في انتخاب رئيس