اتّسعت رقعة العمليات ضد قوات الشرطة المصرية في إطار القاهرة الكبرى، بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية، مقارنةً ببدء تلك العمليات عقب الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي، على يد جماعة تُدعى “أجناد مصر”. ومثّل منحنى العمليات ضد قوات الشرطة، تصاعداً كبيراً خلال الفترة الماضية، وفقاً لمراقبين، بسبب غياب معلومات يمكن الاستناد إليها حول دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) إلى الساحة في العاصمة المصرية.

وإذا صحّ ما يصدر من بيانات تتعلق بهذا الأمر، فإن تواجد مجموعات تابعة لـ”الدولة الإسلامية” في قلب العاصمة المصرية، يشكل خطراً شديداً لناحية إحداث خلل في المنظومة الأمنية واضطرابات، وهو هدف “التنظيم” للتواجد ووضع أقدامه في أية دولة له فرع فيها، بحسب مراقبين.


يستغل “داعش” الأوضاع المضطربة التي تمرّ بها مصر، وحالة الخلاف التي ظهرت عليها التيارات الإسلامية

ويرغب “التنظيم”، وفقاً لبياناته الإعلامية، في توظيف عدد ليس بالقليل من الشباب الغاضب، سواء أكان ينتمي للتيار الإسلامي أو لأي تفكير آخر، وربما حتى لفريق ثالث بدأ يميل إلى العنف بشكل كبير مع القمع الشديد والقبضة الأمنية التي فرضها نظام الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي. ويشير متابعون، إلى أنّه لا يمكن إنكار أنّ التيار الإسلامي باختلاف توجهاته، يمثّل كتلة كبيرة من التيارات الفكرية في مصر، والتي تأسست ضد الانقلاب على مرسي، باستثناء حزب النور “السلفي”.

ووجد “داعش”، الفرصة سانحة لاستغلال الأوضاع المضطربة التي تمرّ بها مصر، وحالة الخلاف التي ظهرت عليها التيارات الإسلامية، فضلاً عن الانسداد في حلّ الأزمة الراهنة، سبيلاً للتواجد على الساحة. وأصدر فرع تنظيم “الدولة الإسلامية” في سيناء شرائط مصوّرة عدّة، لحثّ الشباب على الانضمام إليه، وترك السلمية ومواجهة النظام الحالي والجيش والشرطة بالعنف، مع تحريض واضح ضد التيارات الإسلامية المختلفة.

وتصدّر “الدولة الإسلامية” المشهد، بصورة تدعو للريبة، بعد الاختفاء المريب لتنظيم “أجناد مصر”، الذي كان يعمل في محيط القاهرة والجيزة، لكنه لم ينفذ أية عمليات منذ فترة طويلة. وتلقّى “أجناد مصر” ضربة شديدة بعد تصفية قائده العام، مجد الدين المصري على يد قوات الأمن، في ظلّ تردد تفكك هذا التنظيم، وإلقاء قوات الأمن القبض على عدد كبير من عناصره.

ونفّذ “داعش” عمليات في إطار محافظتَي القاهرة والجيزة. وكانت الأكثر إيلاماً بالنسبة لجهاز الشرطة المصرية، تفجير شقة في عقار بمنطقة الهرم في محافظة الجيزة. وأسفر التفجير عن مقتل نحو 9 من رجال الشرطة وإصابة آخرين، خلال محاولة اقتحام شقة باعتبارها أحد أوكار “الجماعات الإرهابية”. وجاءت معظم عمليات التنظيم، في محافظة الجيزة، بخلاف عمليتين في محافظة القاهرة، وهما استهداف مبنى القنصلية الإيطالية بمنطقة وسط البلد، واستهداف مبنى الأمن الوطني بمنطقة شبرا، وكلاهما تم باستخدام سيارات مفخّخة.

في المقابل، نفذ التنظيم باقي عملياته في إطار محافظة الجيزة، وهو ما يمثل نقطة انطلاق فرع تنظيم “الدولة الإسلامية” في القاهرة الكبرى. وخلافاً لعملية تفخيخ منزل ونصب كمين محكم لقوات الأمن في منطقة الهرم، قبل ما يزيد على أسبوعين، وهي نقلة نوعية في عمليات “التنظيم” في العاصمة المصرية، استهدف قبلها مباشرة حافلة سياح من عرب الأراضي الفلسطينية عام 1948 في القاهرة، ويحملون الجنسية الإسرائيلية. كما نفّذ التنظيم عملية لاغتيال رئيس مرور وحدة المنيب، ومجند خلال التوجه إلى مقر العمل، فضلاً عن تصفية أربعة من قوات الأمن في كمين بمنطقة أبو النمرس في محافظة الجيزة.

وبحسب مراقبين، لا تعتمد المجموعة التي تعمل في القاهرة الكبرى على المواجهة مع قوات الأمن، مثلما هو الحال في سيناء، لأسباب عدة؛ منها، أنّ سيناء أرض مفتوحة يسهل فيها الكرّ والفرّ، وعدم وجود حاضنة شعبية في العاصمة على عكس سيناء. في حين تعتمد تلك المجموعة على سرعة تنفيذ عملياتها والانسحاب بشكل سريع، منعاً لنشوب اشتباكات.

أمام هذا الواقع، يُطرح السؤال عن سبب تركيز عمليات “التنظيم” في الجيزة بشكل كبير دون القاهرة. في هذا الصدد، يقول مصدر أمني لـ””، أنّ الجيزة تختلف تماماً عن القاهرة، إذ إنّ الأولى تعتبر مناخاً خصباً لتجمع بؤر المسلحين، لطبيعتها العشوائية على عكس القاهرة. ويضيف المصدر، أنّ الجيزة تتمتع بكثافة سكانية عالية في معظم مناطقها مقارنة بالقاهرة، فضلاً عن انتشار السلاح فيها بشكل كبير.


تمكّن التنظيم من نصب كمين أثناء اقتحام الشرطة شقة في الهرم. وأسفر التفجير عن مقتل نحو 9 من رجال الشرطة وإصابة آخرين

ويشير المصدر ذاته، إلى أنّ المحافظة لها ظهير صحراوي يتيح قدراً من حرية الحركة لتلك المجموعات أو غيرها. كما أن بعض المناطق تعتبر ملاذاً آمناً لهم، خصوصاً أنّ الأمن ضعيف فيها بشكل كبير، مثل كرداسة على سبيل المثال. ويوضح أنّ هناك فرصة لاستئجار الشقق المفروشة في بعض مناطق الجيزة، لأنها أقرب من خط الصعيد المصري، ووجود جامعة القاهرة، وهناك عدد كبير من الشباب يقيمون هناك. ويوضح المصدر الأمني، أنّ هناك تكثيفاً لمحاولات الوصول لأي تجمعات شبابية يعتقد أنها تنتمي إلى الجماعات المتشددة، أو متورّطة بشكل أو بآخر في عمليات إرهابية ضد الشرطة.

ويشدد المصدر على ضرورة مساعدة الأهالي للشرطة في الإبلاغ عن أي تحركات غريبة تحدث لبعض قاطني الشقق المفروشة، لأنها تعتبر مصدر قلق وتهديد حتى التأكد من عدم ارتباط السكان بأي أعمال إرهابية، مشيراً إلى أنّ تتبع الجماعات الإرهابية الذين يستأجرون الشقق أمرٌ في غاية الصعوبة، بسبب كثافة الجيزة السكانية المرتفعة.

من جانبه، يتفق الخبير في الحركات الإسلامية، كمال حبيب مع حديث المصدر الأمني، ويقول لـ””، إنّ “داعش” يستغل بلا شك الشباب الإسلامي في تنفيذ مخططه لإثارة الفوضى، لأن وجوده مرتبط بإحداثها. ويوضح حبيب، أنّ “داعش” يتمركز في الجيزة، وهو ما يتضح من خلال عملياته، لافتاً إلى أنّ التنظيم يعتمد على الاختباء وسط الجموع والزحام.

ولم يستبعد الخبير في الحركات الإسلامية، أن يدير مثل تلك المجموعة شخص تلقّى تدريبات خارج مصر، في إطار الصراع الدائر والنزاعات المسلحة في سورية أو العراق أو ليبيا، وربما كان يعمل في إطار “ولاية سيناء”، على حدّ تعبيره. ويشير، إلى أنّ هذه المجموعة لديها قدرة لا يستهان بها في الاختباء والتخفّي والخِفّة في تنفيذ العمليات والانسحاب إلى البؤر التي تتخذ كمقر لتخزين الأسلحة والمتفجرات.

اقرأ أيضاً: مسار مصر الديمقراطي 2015..خطوة للخلف وخطوتان للوراء