أعلن المجلس الثوري المصري عن رفضه التام لمبادرة وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق محمد محسوب، وذلك نظرا لما وصفه بالعوار الكبير الذي لحق بها شكلا وموضوعا، فيما دعا المصريين "للغضب والمشاركة" في تظاهرات الأسبوع القادم تحت شعار "يسقط القاتل والغلاء".

ولفت – في بيان له مساء الخميس- إلى أن هذه المبادرة تقترب في مضمونها إلى حد كبير من ما عرف إعلاميا بـ"وثيقة العشرة"، والتي أثارت جدلا واسعا في السابق، مؤكدا أنه يرفضها جملة وتفصيلا، كما رفض وثيقة العشرة.

وأكد أن أي مبادرة توجه للأطراف السياسية في هذه المرحلة هي من قبيل العبث السياسي، وبمثابة مخرج للانقلاب وداعميه من الداخل والخارج، إذ لا قيمة لأي مبادرة تطرح طالما أن سلطة الانقلاب العسكري حريصة على عدم الإنصات لصوت أي فرد من أفراد الشعب، بما يعكس استخفافها الشديد بالإرادة الشعبية، وفق قوله.

ورأى المجلس الثوري أنه لا يحق لفرد أو مجموعة أن تتصور أنها يمكن أن تحل بديلا عن الشعب وتحدد
له اختياراته، وتوجه له مساره، حتى ولو لفترة انتقالية -كما يسميها البعض- ذلك لأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات. 

واعتبر أن "الرئيس محمد مرسي هو الرئيس الشرعي للبلاد، ومن ثم فإن تجاهل مقترحات "محسوب" لشرعيته أو إقصاءه أو تهميشه يعد عمل مشينا لا يتفق مع قيمة وقدر الشرعية، ويعد إساءة للشعب واختياراته، بل واستهانة كبرى بالمسار الديمقراطي، الذي أفرزته ثورة 25 يناير، والذي منح الرئيس هذه الشرعية".

وقال إن "تجاهل تلك المقترحات لتوصيف انقضاض الجيش على السلطة في 3 يوليو 2013 بأنه "انقلاب عسكري" هو اتجاه صريح لشرعنة هذا الانقلاب، وهو ما يؤذن بتحويل ثورتنا من ثورة صاحبة حق وشرعية، إلى مجرد "حالة غضب" تريد أن تحدث انقلابا على حكم العسكر بعد شرعنته". 

وأردف:" أراق الانقلاب العسكري منذ بداية ثورة 25 يناير وحتى الآن دماء الآلاف من الشهداء، فضلا عن عشرات الآلاف من المصابين، وبالتالي فإن تجاهل المقترحات ذكر "حق القصاص" يعد بمثابة جريمة في حق الثورة، وهي جريمة لا تقل عن جريمة الانقلاب العسكري ذاته". 

وأكد أنه يؤمن إيمانا مطلقا بحرية الشعب في اختيار ممثليه وحكامه، وبالتالي فإن الحديث عن "جماعة وطنية تمنح لنفسها اختصاصات تحل بها بديلا عن الشعب دون اختياره وبلا انتخابات حرة، يشبه إلى حد كبير جرائم ما عرف بـ "جبهة الإنقاذ" في مصر التي أقصت الشعب المصري كله، وصدرت نفسها كنخبة غير منتخبة ديمقراطيا، وهو ما يكرس لفكرة الاستعلاء على اختيار الشعب، بل ويناقض مبادئ التأسيس الديمقراطي". 

ورأى أن "من أسوأ نقاط تلك المقترحات، إن لم تكن أسوأها علي الاطلاق، القول بأن السيسي ليس طرفا في الحل، وتجاهل الجزء الثاني من الجملة، وكان يتعين أن تذكر هذه المقترحات الرئيس مرسي كطرف أصيل في أي حل، ولذلك يعتبر المجلس الثوري أنه من العار أن تساوي هذه المقترحات بين الرئيس الشرعي وغيره الانقلابي".

كما اعتبر المجلس الثوري أن تلك المقترحات "حافظت على أركان الدولة العميقة، ولم تشر إلى كيفية التعامل معها أو كيفية العمل مع المؤسسات التي حاربت الثورة وقتلت أبناءها واستولت على مقدرات الشعب"، مؤكدا أنها تمنح "السيسي" ما لم يكن يحلم به عندما تجنبت الحديث عن محاكمته عن كل جرائمه التي ارتكبها في حق الشعب والوطن، وكأنه لم يفعل أي جريمة تستحق الإشارة إليها.

واستطرد قائلا:" كذلك، تضع المقترحات بندا يصنف فصيلا من المتمسكين بالشرعية ومناهضة الانقلاب على أنهم متطرفين وتطالب بإقصائهم وعزلهم، بل وتضعهم مع السيسي وعصابة الانقلاب في كفة واحدة، وهذا في حد ذاته محاولة مباشرة لإقصاء الثورة".

وشدّد المجلس على أن الثورة أمل منعقد في قلوب وعقول الثوار، وهي حلم المصريين في الخلاص من الطغيان، وهي السبيل لعودة الحق للشعب حتى يتمكن من استرداد سيادته وشرعيته وإقامة دولته التي يحلم بها.

وأصدر "محسوب"، أمس الأربعاء، ما يمكن وصفها بالمبادرة، التي حملت عنوان "الإفلات من السقوط"، حدد لها ثمانية مبادئ عامة قال إنه تداولها مع عدد من الوطنيين، مطالبا بضرورة إشراك كل المتطلعين للحرية والعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن.

ومن بين تلك المبادىء، استناد ما وصفه "محسوب" بالمشروع الوطني إلى ضرورة "زوال الحكم الاستبدادي وليس التعايش معه أو التصالح مع مكوناته، والتسليم بأن الوضع القائم لا يجوز أن يستمر، لأن نهايته مريرة للجميع، شعبا ودولة وقوى سياسية ومؤسسات".

وأكد على ضرورة عزل "المتطرفين من جميع الأطراف، فإذا كان السيسي وفريقه على رأس المتطرفين في مؤسسات الدولة، فإن الداعين لهدم الدولة أو تفكيك الجيش ومؤسسات الشعب تحت أي ادعاء لا يقلون عنه تطرفا وخطرا على الوطن".

وطالب بتجنب شعارات الإقصاء ونظريات المؤامرة، والتسليم بأن كل القوى والفئات هي جزء أصيل من الجماعة الوطنية لا يجوز بتره أو فصله أو قتله، مشيرا إلى "تجنب تقييم الأطراف على أساس مواقفهم السابقة منذ كانون الثاني/ يناير 2011 حتى تموز/ يوليو 2013، فحجم الأحداث كفيل بإعادة تشكيل الأفكار وتعليم الدروس وتغيير بنية ورؤية الكيانات".

وأوضح أن المبادىء التي يدعو إليها تتضمن التسليم بأن أحدا لا يملك وحده البديل للمنظومة القائمة، وإنما يتشكل البديل من الجميع دون إقصاء، وكل ما يطرحه أي طرف هو جزء مكمل لتشكيل صورة نهائية لبديل وطني شامل، مطالبا بوجود تفهم للأوضاع الإقليمية والدولية وما وصفه بالخلل الواضح في موازين القوى، والسعي للتعامل معها دون الانكسار أمامها.

وأشارت مبادرة "محسوب" إلى 10 خطوات عملية، من بينها الإقرار بالشراكة الوطنية الشاملة كضرورة قصوى لتجاوز حال الخطر الذي تمر منه مصر، وتقدير كل التطلعات وتطمين كل المخاوف لدى جميع الأطراف هو المرحلة الأهمّ في بناء علاقات ثقة بين الجميع، وإنشاء جمعية وطنية تكون مظلة جامعة للتواصل والتحاور وفض الاشتباكات وتبني المواقف المشتركة.

وتشمل هذه الخطوات أيضا تسليم مهمة تكوين الجمعية وإدارتها والتواصل مع الجميع لجيل الشباب "الذي يقدم التضحيات، وإشراك الشعب بكل فئاته في مؤسسات الجمعية الوطنية بتفعيل وسائل المشاركة المتاحة، وهي كافية لتجاوز القيود التي تضعها السلطة الدكتاتورية".

يذكر أن 15 شخصية معارضة أعلنت استقالتها، الأربعاء، من المجلس الثوري المصري، نظرا للتطورات التي مرت بهم في المجلس خلال الأشهر الأخيرة، وما لمسوه من "تغيرات في خطاب قيادته وابتعادها عن الأهداف التي تأسس من أجلها، دعما للثورة المصرية"، بحسب قولهم.

كما أرجعوا- في بيان لهم اليوم حصلت "عربي21" على نسخة منه- استقالتهم إلى ما تواتر مؤخرا من أحاديث وبيانات صادرة عن بعض قيادات المجلس وصفوها بأنها ذات "توجه أحادي إقصائي بعيد عن آليات العمل الجماعي".

وأضاف المستقيلون: "وبعد أن استنفدنا كل وسائل التأثير الممكنة وفقا لآليات العمل الجماعي، كان هناك إصرار على المسلك نفسه، مما لم يعد معه ممكنا الاستمرار".

من جهته، قال المكتب التنفيذي للمجلس الثوري المصري إن هناك عددا ممن وردت أسماؤهم في بيان الاستقالة اليوم تقدموا باستقالاتهم من قبل، وتم قبولها في اجتماعات رسمية، مؤكدا أنه لا يفهم تضمين أسمائهم مع هذه المجموعة إلا في إطار رغبة البعض في ما وصفه بالتشويش على مواقف المجلس بإحداث أكبر قدر ممكن من الضجيج الإعلامي.

وأضاف – في بيان له اليوم عقب بيان الاستقالة مباشرة-: "نأسف تجاه هذا التصرف الذي لم يراع المصلحة العامة للثورة والثوار، ولم يلتزم بالعمل المؤسسي، ونعلن قبول تلك الاستقالة".

دعوة للغضب في أسبوع "يسقط القاتل والغلاء"

على صعيد ذي صلة، جدد التحالف دعوته للمصريين إلى النزول بكثافة في أسبوع ثوري جديد وصفه بالغاضب، بعنوان "يسقط القاتل والغلاء"، مؤكدا أن انهيار الاقتصاد المستمر واستمرار قتل المصريين، وحتي قتل الانقلاب للأجانب أصبح لا يحتمل ولا يطاق، فمصر يجب أن تعود للجميع وليست ساحة لانقلاب يقتل ويخرب ويدمر ويفقد الوطن سمعته ومكانته.

وقال- في بيان له مساء الخميس- :" لم يعد مقبولا أن تستمر معاناة المصريين، من غلاء يرتفع يوما بعد يوم، من أجل أباطرة الفساد، ومصاصي دماء الغلابة والطبقة المتوسطة، ولا يتصور أحد أن هناك تصالح مع قتلة يحكمون غصبا وتجبرا، ولكن قصاص باق وعدالة اجتماعية وانتقالية قادمة".

وأضاف :" إننا نقسم على عدم التفريط في حقوق كل الشهداء وآخرهم الشهيد أحمد جلال، دون استثناء، فهم شهداء غدرت بهم أجهزة وعناصر الثورة المضادة، والفساد والإهمال، والداخلية الكاذبة القمعية، وأذرع إعلامية متربصة مريضة".