ما إن أشيع خبر، كشفته وثائق مسربة تناقلتها وسائل إعلام عربية ودولية، بتجسس أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية على سلاح الجو الإسرائيلي منذ ما يقارب 18 عاما، حتى علا صوت الساسة، داخل الأوساط الإسرائيلية، بوصفهم ما جرى بـ” بالزلزال، والهزة الأرضية الأخطر التي ضربت جهاز الاستخبارات منذ قيام إسرائيل”.

كيف بدأ التجسس على سلاح الجو الإسرائيلي؟ وما هي أبرز أهدافه؟ وأبرز ما تم الكشف عنه نستعرضه خلال هذا التقرير:

بدايات التجسس


تعي إسرائيل جيدا أن الكشف عن عمليات التجسس الأمريكي والبريطاني على سلاحها الجوي لم يكن وليد اليوم، فهي تدرك جيدا أن أمريكا تتجسس على العالم بأسره، الصديق والعدو، بيد أن “الزلازل” الذي تلقته مؤخرا هو استمرار التجسس منذ ما يقارب الـ 18 عاما.

لكن الذي أحدث إرباكا في صفوف قادتها هو التجسس على منظومة “الطائرات دون طيار”، واختراق الشفرات التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في أنشطته الاستخباراتية والعسكرية، لاسيما خلال السنوات القليلة الماضية، والمتزامنة مع حالة الصراع السياسي والأمني في منطقة الشرق الأوسط.

ومنذ ذلك الوقت كانت الدولتان على دراية بكل ما تبثه أو تصوره الطائرات الإسرائيلية المُسيرة عن بعد، من خلال تتبع الإشارات الصادرة عن الطائرات بدون طيار، وهو ما يعني أنهما كانتا على دراية كاملة ـ ربما ـ بالتفاصيل الدقيقة لأي فعل ستقدم عليه إسرائيل بالمنطقة.

ووفقا لما كشفته الوثائق التي نشرها موقع إنترسبت الأمريكي، جرت عملية التجسس عبر قاعدة عسكرية سرية أقامتها أمريكا وبريطانيا في قبرص قبل 18 عاما، أفرزت عن فك شيفرة البث في كل منظومة طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، فضلا عن معرفة تفاصيل كافة العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة وسوريا وإيران مؤخرا.

وتفصح البداية أن الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تمكنتا من رصد كل ما يجري بين تلك الطائرات وقواعدها الإسرائيلية من إصدار أوامر قصف المواقع والصور الجوية للمناطق المستهدفة في جنوب لبنان وقطاع غزة، وسوريا في السنوات الأخيرة الماضية.

عملية الكشف


عرفت هذه العملية باسم” أناركيست” والتي أديرت من قاعدة جوية في قبرص استهدفت دولا أخرى في منطقة الشرق الأوسط غير إسرائيل، لكن الذي أفصح عن تفاصيلها
المتعاقد السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية “إدوارد سنودن”.

عرف” سنودن” طيلة العامين الماضيين بكشفه لأسرار المخابرات الأمريكية، حيث لفت إلى أن الاستخبارات الأمريكية والبريطانية نجحا في تفكيك الشفرة الخاصة لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية بدون طيار.

ووفقا لتسريبات المتعاقد الأمريكي كما تواترها وسائل الإعلام العربية والدولية فإن أمريكا وبريطانيا رصدتا طلعات واتصالات سرية قام بها سلاح الجو الإسرائيلي في عملية قرصنة تعود لعام 1998 .

وبالتالي، أخذت الصحف الإسرائيلية تنقل الخبر بعد أن سمح جهاز الرقابة العسكرية في إسرائيل بذلك، كونه أبرز الأجهزة المخولة بنشر معلومات ذات أهمية، إذ اعتبر التسريب في الوقت نفسه الأسوأ في تاريخ المخابرات الإسرائيلية، وفقا لبعض ساسة إسرائيل.

إذن ليس غريبا من وجهة النظر الإسرائيلية تجسس أمريكا وبريطانيا على أجهزتها الجوية، لكن الخطورة تكمن في عمق التسلل إلى قلب أحد أهم أسرار الاستخبارات الإسرائيلية، وتوجيه صفعة إلى أمن إسرائيل، والذي طالما تغنت به في الأعوام الأخيرة.

وبالتالي، فإن الوثائق المسربة من قبل” سنودن” تمت عبر توجيهات من المستوى السياسي البريطاني والأمريكي معا في مراقبة تجهيزات إسرائيلية ممكنة لشن ضربة عسكرية في إيران، بالتزامن مع كثرة التصريحات التي خرجت قبيل الإعلان عن توقيع اتفاق إيران النووي مع الولايات المتحدة والدول الأخرى.

ويأتي الأثر الأكبر للكشف على استخبارات إسرائيل من وراء عملية التجسس في أن الاحتلال يعد اليوم من أكثر الدول تقدما في مسألة الدمج بين الطائرات بدون طيار والأذرع الأخرى في المهام العسكرية المختلفة، نظرا لكثرة أزمات المنطقة وتفاقمها في غضون سنوات قليلة، فضلا عن استثمار إسرائيل لطاقاتها الهائلة في تطوير منظومتها الجوية، إذ اتضح من خلال حروبها وعملياتها في لبنان وقطاع غزة تحديدا أنها لا تستغني عن الطائرات بدون طيار” الاستطلاع” لجمع المعلومات ورصد التحركات.

ومن أبرز ما تم كشفه أيضا هو لقطات من كاميرات فيديو من الطائرات بدون طيار، بين عامي 2009 و2010، وأخرى عام 2008 في الضفة الغربية وقطاع غزة والحدود مع لبنان وسوريا، الأمر الذي أتاح للاستخبارات معرفة الأهداف ومناطق التجسس الإسرائيلي.

موقف أمريكي إسرائيلي


من المتعارف عليه أنه بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية علاقات وطيدة في الشئون العسكرية والصفقات، والأمنية من حيث تبادل المعلومات خاصة فيما يتعلق بالجماعات “الإرهابية” في المنطقة.

وتعي إسرائيل أيضا أن الولايات المتحدة تستعمل في داخل مبنى سفارتها في “تل أبيب” منشأة تنصت واعتراض للرسائل التي لا تتوافق مع السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، لكن “الفخ” الذي وقعت به إسرائيل هو تتبع الاستخبارات لسيناريوهات تعامل الاحتلال مع إيران.

ولا يخفي الطرفان تجسسهما عن بعضهما، بعد كشف أمريكا مؤخرا أن إسرائيل تتجسس عليها فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، لكن الاحتلال يلفت إلى أن مثل هذه الأنشطة توقفت تماما منذ أن جندت المجند في البحرية الأمريكية “جوناثان بولارد” عميلا لها في الثمانينيات.

والجدير ذكر، أنه تم الحكم على “بولارد”” بالسجن مدى الحياة عام 1987 في الولايات المتحدة بتهمة التجسس لحساب إسرائيل، في حين رفض رؤساء أمريكيون متعاقبون مطلب إسرائيل العفو عنه.

ومن ضمن أهداف عمليات التجسس هو البحث عن معلومات حول البناء وراء الخط الأخضر في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وآخر ما توصلت إليه مفاوضات المشروع الاستيطاني الذي يدعمه وزير الخارجية” جون كيري”، لاسيما وأنه بين فترة وأخرى تتأرجح العلاقات بين إسرائيل وأمريكا، لاختلافهما في بعض من ملفات منطقة الشرق الأوسط العالقة منذ سنوات طويلة، على الرغم من قوة العلاقات التاريخية المتبادلة، بينهما عقب توقيع اتفاق إيران النووي.

لذلك، لم يعلق المسئولون في أمريكا وبريطانيا كثيرا على عملية التجسس، بيد أنهم اكتفوا بالقول أنهم لا يتجسسون عبر البحار، إلا إذا كان هناك سبب معين يدفعهما للقيام بذلك، وبالتالي فإن ما يجري على الحدود من لبنان مع إسرائيل، والصراع الدائر في سوريا، فضلا عن توتر العلاقة مع إيران ربما دفعهما إلى ذلك، كما يرى مراقبون.

واكتفت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بالقول إنهما لا تناقشان المسائل المخابراتية بشكل علني، في إشارة منهما إلى تحفظهما لما أفرزته عمليات التجسس فيما يخص الملف الإيراني والسوري تحديدا، بينما قللت الأوساط الإسرائيلية من الأضرار الأمنية المحتملة من وراء التجسس، إلى جانب الأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من ذلك عبر دراسة تغيير الشفرة المكشوفة.

حيث ترى إسرائيل، وفقا لمراقبين، أن من حقها التجسس بهدف الوصول إلى أية معلومات بشأن ملف إيران النووي، وهو أمر خطير، لاسيما وأن الاستعدادات لضرب إيران قبل سنوات تمت بسرية تامة، ولم يتم إطلاع الولايات المتحدة الأمريكية عليها؛ نظرا لتباين المواقف بينها وبين إسرائيل بشأن طهران. وبعد الكشف عن قيامها بالتجسس على الولايات المتحدة، كان من المتوقع ألا تقوم إسرائيل بالكثير من التجسس الأمريكي المتبادل.

ولكن الدولة العبرية في ذات الوقت تخشى من من توسع عمليات التجسس على سلاحها
الجوي عبر اختراق منظومة البث الخاصة بالطائرات بدون طيار من خلال روسيا التي تملك أيضا
منظومة هائلة من التكنولوجيا الأمينة، فيما يتعلق بالوضع المتأزم داخل سوريا.

بريطانيا تتجسس لصالح الولايات المتحدة


قد يكون من أبرز التساؤلات حول عملية التجسس هو الدور البريطاني في ذلك؟ علما أن نوايا أمريكا في ترصد وترقب إسرائيل معروفة ومتعلقة بملف إيران النووي تحديدا، لكن بريطانيا والتي تعمل كمقاول هام لصالح المخابرات القومية الأميركية “ناسا” ليست لها أية مصلحة في التجسس على سلاح الجو الإسرائيلي، كما يرى المراقبون.

وبالتالي، يرى مراقبون أن بريطانيا ربما تقوم بالتجسس لصالح الاستخبارات الأمريكية، لاسيما وأنها شريك في هيئة “الأعين الخمسة” وهي أكبر رابطة استخبارية في العالم، وتضم “بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا”، فضلا عن التقاء مصالح الطرفين فيما يسمى بالقضاء على” الإرهاب”.

فضلا عن تمتع أجهزة المخابرات البريطانية بتمويل وميزانيات أمريكية سخية، وتكنولوجية أميركية لا تتقاسمها الولايات المتحدة مع أية دولة أخرى، وتعاون استخباري وطيد، وهذا ما يجعل بريطانيا تنصاع إلى المشاركة في تتبع سلاح الجو الإسرائيلي.