خلال خمسة وثلاثين عامًا، أرادت صاحبة الاعتصام الأطول في التاريخ “كونسيبسيون بيشوتو” قول شيء واحد لهذا العالم، أردات أن تقول نعم للسلام والعدالة، ولا للحرب والجرائم، ومن أجل إيصال هذه الرسالة وقفت كونسيبسيون أمام خيمة مهترئة منذ عام 1980 حتى 2016 تخط اللافتات وتنشر الصور التي تعبر عما يجول في قلبها وعقلها، وتبوح بقيمها ومبادئها التي تؤمن بها.

لم يلتفت لها أربع رؤساء أمريكيون عاصر اعتصامها ولايتهم الرئاسية، لكن فعلت ما أرادت، وقالت لهم عن قرب: إنهم صامتون ومنحازون للاحتلال الإسرائيلي الذي أصبح هدفها، بعد عام من اعتصامها، لفت نظر العالم لجرائمه.

تقرير “ساسة بوست” يستعرض حياة كونسيبسيون التي شكلت نموذجا متميزا في النضال السلمي من أجل قضايا العدل والحرية والسلام.

بداية أطول اعتصام

ولدت كونسيبسيون في أسبانيا، وتوفى والديها وهي في سن مبكرة، كما فقدت جدتها التي تولت أمرها، هذه الظروف دفعتها عندما أصبحت في الثامنة عشرة من عمرها إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أمل أن تكون حياتها هناك أفضل.

في نيويورك عُيّنت كونسيبسيون بالمكتب التجاري التابع للسفارة الإسبانية، واندمجت في الحياة العملية حتى  تزوجت رجل أعمال إيطالي، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة، كان ذلك في عام 1973، لكن لم تستقر حياتها بعد أن أصبحت أما، فقبل أن تصبح ابنتها في العامين من العمر طُلقت وحرمت من حضانتها.

كان على كونسيبسيون بعد فشل حياتها الزوجية البدء من جديد، تمكنت عام 1980 من العمل كجليسة أطفال، لكنها لم تهدأ لحرمانها من ابنتها، قررت أن تحتج، فبدأت تقضي أيام إجازتها معتصمة أمام البيت الأبيض، ورفعت لافتات تطالب بالعدالة والحصول على حضانة ابنتها، وفي عام 1981 قررت كونسيبسيون مشاركة الناشط المدني ويليام توماس نشاطه، وحولت مطالبها من تظاهرة لقضية خاصة إلي المطالبة بوقف الانتشار النووي، ثم نصرة للقضية الفلسطينية، وقضايا حقوق الإنسان في العالم.

وعلى رصيف لافاييت عبرت كونسيبسيون عن رغبتها بأن يقف العالم الصامت ضد استخدام الأسلحة الكيماوية، وأن يلتفت للجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وأن يرفض الهيمنة الإمبريالية، وحينها قالت: “يجب أن يعلم العالم كله أنني لن أترك هذا المكان أبدا”، وفعلا واصلت الاعتصام داخل خيمة بلاستيكية في ساحة المتنزه المواجه للبيت الأبيض، وحتى عند صدور قرار بحظر التظاهر أمام البيت الأبيض إثر تفجيرات أوكلاهوما عام 1995، استمرت كونسيتيون بالاعتصام، ولم يستطع أحد إزاحتها من مكانها.

القضية الفلسطينية

“يجب أن تذهب دولة إسرائيل”، “نعم لليهودية ولا للصهيونية”، و”يجب نزع سلاح إسرائيل التي تمتلك 200 قنبلة نووية غير شرعية”، “المقاومة أو الموت”.

بعض من شعارات التي رفعتها كونسيبسيون، كانت تخط هذه الشعارات بأقلام وألوان جمعت ثمنها من الدولارات القليلة التي حصلت عليها من المتضامين، هذه المرأة لم تتوان عن قول وكتابة كل ما يندد بسياسة الاحتلال الإسرائيلي، فكونسيبسيون تحب فلسطين جدًا، كما تقول، وتحتفظ منها  بحجر مزيّن بألوان العلم الفلسطيني.

عندما قررت أن تعتصم أمام البيت الأبيض سرعان ما حولت اهتمامها من الاحتجاج ضد الأسلحة النووية إلى الاحتجاج على جرائم دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ انتبهت هذه السيدة البسيطة إلى جرائم الاحتلال في مجزرة صبرا وشتيلا، تقول كونسيبسيون: إن “قناعتها بدموية إسرائيل تأكدت لها بعد عام تقريبا من نصبها لخيمتها عندما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان في 16 أيلول 1982، وأن هذه المجزرة وما قبلها وما بعدها أكدت لها سلامة موقفها وقناعتها بدموية إسرائيل”.

لقد أدرك الصهاينة مدى قوة رسالة كونسيبسيون، إذ كتبت بعض الشعارات بالعبرية، ونشرت صور جرائمهم أمام البيت الأبيض الذي اتهمت رئيسه دائما بأنه منحاز لـ”إسرائيل”. ومن الصور التي تشرتها صور الناشطة الأميركية راشيل كوري التي سحقتها دبابة إسرائيلية جنوب قطاع غزة عام 2003، تقول كونسيبسيون: “لطالما قبضت علينا الشرطة، وتم ضربنا من اليهود، وكثيرا ما تجاهلتنا الجماهير أمام البيت الأبيض، ولم يكن الأمر سهلا طوال تلك المدة، نحن ضحينا  بالكثير، وسأتحمل  لأن القضايا التي أدافع عنها تستحق الكثير”.

وتؤكد كونسيبسيون أن: “إسرائيل تعامل من الغرب على أنها فوق القانون حتى حين ترتكب جرائم إبادة جماعية”، وأضافت “كونسيتيون” إن: “سكوت العالم على ما تقوم به إسرائيل من احتلال لأراض ليست لها وأعمال وحشية وقتل بحق الفلسطينيين، يعد أمرا مخزيا ولا يجوز الصمت عليه للأبد، وأن المقاومة هي الحل في سبيل إعادة الحقوق إلى أصحابها”.

رسائل متعددة

كانت كونسيبسيون مطلعة جيدًا على التطورات من حولها، لم يحل كبر سنها وظروفها المعيشية من معرفة ما يحدث في العالم، علمت عن سنودون صاحب التسريبات الشهيرة، فعلقت صورًا له في خيمتها، طالبت من جاء إلى خيمتها من متضامنين عرب بإرسال رسالة إلكترونية إلى الرئيس الأمريكي، إذ أيقنت أهمية الانترنت، وقالت: “الإنترنت أصبح هدفا الآن لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعلينا إرسال رسائل احتجاج إلى جميع رؤساء العالم وأوباما ضد إسرائيل”، وأضافت : “عليكم بالإنترنت لتحقيق هدفكم في التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، لم يعد التلفاز ذا فائدة، قمت قبل فترة طويلة بإرسال رسالة عبر البريد الالكتروني للرئيس الأمريكي “باراك اوباما” لكنه لغاية الآن لم يرسل برده على رسالتي”.

وفي شريط فيديو يعود لعام 2008، وجهت كونسيبسيون إلى الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك رسالة، قالت فيها:  “السيد مبارك اخجل من نفسك .. المفروض أن تخجل من نفسك؛ أنت عميل للأمريكيين في الولايات المتحدة، وبعت القضية الفلسطينية من أجل أن تربح ملايين الدولارات، وتركت أيادي السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية تشعل الحروب بالمنطقة العربية”، وأضافت : “أنت تحالفت معهم بدلا من أن تسعى لإنهائها، ونشرت العنف، أنت ساهمت في نشر الإرهاب في المنطقة، وكان عليك وعلى العالم العربي أجمع أن تتحملوا المسئولية بالتظاهر السلمي؛ لوقف الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، ومنح السلام للفلسطينيين”.

إهمال رؤساء البيت الأبيض

خمسة وثلاثون عامًا لم يلتفت فيها المسئولون الأمريكان لكونسيبسيون، فخمس رؤساء واكب اعتصام كونسيبسيون الذي امتد لسنوات ولايتهم للرئاسة، هم: رونالد ريغن، جورج بوش، بيل كلينتون، جورج دبليو بوش، باراك أوباما. لم تحظ منهم بنظرة أو مقابلة، يقول الكاتب الفلسطيني حافظ البرغوثي: “لم تحظ طيلة هذه العقود بنظرة من أي رئيس أميركي أو أدنى اهتمام من الإعلام الأميركي البغيض, بينما لو رابطت هذه المرأة أمام الكرملين أو الساحة الحمراء في بكين لشهر واحد لتحولت إلى نجمة سياسية في الغرب يزورها الكبار وتكتب عنها الصحف الأميركية بإسهاب وإسهال أيضا”.

ويضيف: “كان حريًا بنا احتضان هذه الناشطة السلمية عميدة المعتصمين في العالم وإبراز جهودها وصبرها ومقارنتها بأسرانا الصابرين “، ويؤكد في مقاله: “رحيل عميدة المعتصمين في العالم”، “لنكن أوفياء لكل من يتضامن معنا ولنطلق اسم المناضلة السلمية كوني على أحد شوارعنا تخليدا لهذه الإنسانة السامية المشاعر. فهل يكون لكوني شارع باسمها؟ يقول له أحد المسئولين كن فيكون”.

كونسيبسيون ارقدي بسلام

في الخامس والعشرين من يناير الماضي  توفيت كونسيبسيون في مركز لمساعدة النساء المشردات، وأمام خيمتها كتب أحد المتضامين معها (كونسيبسيون ارقدي بسلام/حُب) .

ماتت كونسيبسيون ولم يتحقق ما أملته، لكنها بالتأكيد ستظل مسجلة كأطول معتصمة في التاريخ، إذ سيبقي التاريخ يذكر أحد أهم المعالم الإنسانية التي ذكرت رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة إرجاع حقوق الفلسطينيين التي سلبها الاحتلال الإسرائيلي، وذكرت «كونسيتيون» في رسالتها إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما: “يوماً ما سيتحقق هدفي ويكف العالم عن صمته تجاه إسرائيل”.

يذكر أن الجامعة العربية أصدرت بيانا، قال فيه الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة لدى الجامعة العربية الدكتور سعيد أبو علي: “إن كوني – اختصار كونسيبسيون- قضت عقود الاعتصام الثلاثة، وهي تتحدث عن حق الشعب الفلسطيني في دولته، وذلك في سياق نضالها ضد العنصرية ومن أجل المساواة والسلام”، وأضاف: “كانت تدافع بأسلوبها عن حق الإنسان في عالم خالٍ من الصراعات وأسلحة الدمار الشامل، وفاتها تمثل خسارةً وفقدانا لمناضلة مدافعة عن القضية الفلسطينية وعن حقوق الإنسان على وجه الأرض”.