د. باسل الحاج جاسم - خاص ترك برس

تشهد العلاقات بين روسيا وتركيا توترا، عقب قيام الأخيرة بإسقاط طائرة حربية روسية، قالت إنها اخترقت مجالها الجوي في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اعتبر الحادث الأخطر بين روسيا وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، ولم يحدث وأن تمّ إسقاط طائرة روسية من طرف عضو في حلف شمال الأطلسي منذ الحرب الباردة، كما أعلنت أنقرة يوم الجمعة الماضي أن طائرة حربية روسية انتهكت مجالها الجوي، من جانبها نفت روسيا اختراق طائراتها المجال الجوي التركي في الحالتين.

وترفض أنقرة الاعتذار الذي تطالب به موسكو، وتقول إنها تصرفت بصورة مشروعة لحماية مجالها الجوي، في حين سارعت روسيا بفرض عقوبات اقتصادية ضد تركيا.
وبينما اتفق معظم المراقبين على أن التطور الأخير سينعكس على التوازنات الإقليمية، لكن الاختلاف كان على ردة فعل روسيا، إذ ذهب البعض إلى أنه سيكون ردا عسكريا قد يجر المنطقة إلى حرب.

كل هذا يُعقّد المشهد السوري المعقد أساسا، ويجعل الحديث عن حل سلمي محتمل، أمرًا مستبعدًا، على الأقل في المستقبل المنظور، وكما كان متوقعا لجأت روسيا إلى دعم حزب صالح مسلم الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنف "إرهابيا" في تركيا وحلفائها في الناتو، وذلك لإضعاف الدور التركي في سوريا، ولإثارة الاضطرابات داخل تركيا كنوع من أنواع الانتقام.

صحيح أن الأمور تأزمت بين أنقرة وموسكو وتبادل الطرفان الاتهامات، وكان هناك خطاب إعلامي انفعالي روسي، حتى أن بوتين وصف ما جرى بأنه طعنة بالظهر، لكن يبدو أن السياسة ستتفوق في النهاية، ولن تتطور الأمور أكثر من ذلك، ولا يستبعد جلوس الطرفين وحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية.

والواضح أن هدف روسيا تطويق تركيا، في البحرين الأسود والمتوسط، إلا أنها لا تنوي الحرب، على الرغم من أن حدة التصريحات الصادرة بين الطرفين والتي عكست توترًا شديدًا لا سيما مع مطالبة الرئيس الروسي مواطنيه بعدم التوجه إلى تركيا.

إلا أنه لم يلح في الأفق إلى الآن أن أزمة مقاطعة اقتصادية بين تركيا وروسيا قد تحدث، إذ أن غالبية المشاريع التي أرسيت مؤخرا بين البلدين ذات طابع استراتيجي، وأي ضرر سيكون ذا حدين، بسبب ازدياد العلاقات الاقتصادية بين موسكو وأنقرة، كما أن روسيا تؤمّن 60% من الغاز الطبيعي الذي تستهلكه من تركيا، ولفترة طويلة، ارتكزت صناعة الغاز الطبيعي في روسيا على أوروبا، سوق تصديرها الرئيسية، ولكن في الآونة الأخيرة، يبدو تحول اهتمامها إلى تركيا التي تحرص على ترسيخ مكانتها بوابة لأسواق الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وتماشيًا مع هذا، ناقشت حكومتها بالفعل مقترحات لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز من أذربيجان وتركمانستان والعراق وإيران إلى أوروبا عبر أراضيها، وهي الآن أقرب من أي وقت لتحقيق هذا الهدف، نظرًا لانهيار العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي حول أوكرانيا، وقرار روسيا إلغاء مشروع "ساوث ستريم" لصالح وصلة جديدة عبر البحر الأسود إلى تركيا.

ويبقى الاشارة إلى مصدر مطلع روسي، إن ما جرى من استفزازات جوية، قد يكون وراءه تنافس وصراع بين الجنرالات الروس ونظرائهم الأتراك، كما يحدث في معظم الأزمات والمناطق التي يكون حولها نزاعات عسكرية، ولا صلة للقيادة السياسية في البلدين بما حدث.

ويبقى انتظار ردة فعل بوتين على طلب أردوغان اللقاء الشخصي بينهما، بعد حادثة اختراق الطائرة الروسية أجواء تركيا مؤخرا، فلا يخفى أنه بسبب براغماتية الرجلين، نحّى كل منهما خلافاتهما الكبيرة حول سورية وأوكرانيا وأرمينيا وقبرص جانبًا، وسعيا و نجحا في إيجاد وسائل لتعميق التعاون بين روسيا وتركيا.

ولا يمكن تجاهل أوجه شبه كثيرة بين الزعيمين التركي والروسي، الشخصيتين المثيرتين للجدل في أحيان كثيرة، وهما يحكمان دولتين قويتين على الحدود الشرقية لأوروبا، مطلتين على منطقتي البحر الأسود والشرق الأوسط، ويتفقان في عدة قضايا مشتركة، لكنهما يتصادمان، أحياناً، في بعض الأهداف والقضايا السياسية، وكلاهما يناهز الستين، وكلاهما في السلطة منذ زمن طويل، بوتين منذ 1999، وأردوغان منذ عام 2002، كما يتمتع الرجلان بنفوذ واسع في بلديهما، وبوتين أعاد إلى روسيا هيبتها على الساحة الدولية، بعدما فقدتها بانهيار الاتحاد السوفياتي، وأردوغان جعل اقتصاد تركيا السادس أوروبيًا، والسادس عشر على مستوى العالم لجهة الازدهار والتأثير.

ولا يكاد يمر أسبوع حتى ينتقد الرجلان أمريكا وأوروبا، لكن العلاقة لم تسُؤْ بينهما وبين الغرب على الدوام، ولم تصل إلى حد القطيعة، والاثنان يحتفظان بقاعدة شعبية كبيرة في الداخل، على الرغم من الاتهامات التي توجه إليهما بالتسلط.

وميراث البلدين التاريخي غني بالألقاب التي يحلو لمؤيدي الرجلين ومعارضيهما إطلاقها، أردوغان "السلطان"، وبوتين "القيصر"، وكلاهما لا يتردد في فهم الجغرافيا السياسية، فبوتين يدرك أن أي زعيم روسي يجب أن يوفر مناطق عازلة لروسيا في أوروبا الشرقية والقوقاز، وأردوغان يدرك أن تركيا يجب أن تصبح قوة مهمة في الشرق الأوسط من أجل كسب النفوذ في أوروبا.

ويحظى بوتين بنظام رئاسي روسي قوي ومستمر، أما أردوغان فيطمح إلى تحويل النظام في بلاده إلى رئاسي، فتركيا تتمتع بتاريخ لأحزاب متعددة مقارنة بروسيا، والمجتمع المدني في تركيا أقوى منه في روسيا، ويمكن إضافة أن انخفاض أسعار النفط الحالي يضعف بوتين، ويريح أردوغان.
وأي اتفاق بين أردوغان وبوتين سيكون له انعكاس على سوريا، التي تنظر إليها روسيا على أنها آخر معاقلها في الشرق الأوسط وقاعدتها في المياه الدافئة، بينما هي أكثر من مجرد وسادة أمنية لخاصرة تركيا الجنوبية.