محمد زاهد جول - خاص ترك برس

واجهت الجمهورية التركية الكثير من التحديات عام 2015، بل يمكن القول بانها كانت أصعب السنوات على الشعب التركي في تاريخه المعاصر، وكذلك على الحكومة التركية التي شكلها حزب العدالة والتنمية على مدى أربعة عشر عاما، بل كانت صعبة على الجيش التركي الذي اضطر للقتال على جبهتين كبيرتين للدفاع عن الأمن القومي التركي شمال العراق وشمال سوريا، وبالأخص بعد 7 حزيران/ يونيو 2015، إضافة إلى اضطرار الجيش التركي إلى إسقاط الطائرة الروسية بتاريخ 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 بعد انتهاكها للأجواء التركية رغم التحذيرات الكثيرة ، فهذه التحديات وإن بدت على انها أدخلت تركيا في حالة حرب خارج حدودها، إلا أن ما وقع داخل تركيا من أحداث إرهابية في جنوب شرق تركيا، وتفجيرات إرهابية في سروج وأنقرة وإسطنبول لا يقل ضراوة وخطورة، بل كانت أكثر قساوة وضررًا للاستقرار الداخلي.

تقول البشائر الأولية إن عام 2016 سيكون أكثر أمنًا واستقرارًا، فمن أقاموا المتاريس وحفروا الخنادق في ديار بكر أدركوا أن هذا التصرف لا يخدم الأكراد إطلاقًا، بل أدت إلى تراجع شعبية حزب الشعوب الديمقراطي كثيرًا، قد لا تؤهله لادعاء تمثيل من انتخبوه في الأول من نوفمبر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فبعض مراكز استطلاع الرأي ترى بأن نسبة التصويت لحزب الشعوب الديمقراطي انخفضت إلى 8%، ولعل التغطية الإعلامية التي أهملت المؤتمر العام لحزب الشعوب الديمقراطي الأسبوع الماضي كانت خير دليل على أن الإعلام التركي والخارجي لم يعد ينظر لهذا الحزب بأهمية، فأخطاء قيادته الحالية أفقدته المصداقية، ولعل الخطوة التالية المتوقعة هي سعي القيادات الكردية الحرة والمحبة للحياة والاستقرار والازدهار إلى تشكيل جمعيات وتجمعات جديدة تأخذ المبادرة في مخاطبة الشعب الكردي من الأحزاب السياسية التاريخية، التي فقدت صلاحيتها السياسية كما فقدت افكارها زمانها ومكانها الصحيحين، فالشعب التركي اليوم في القرن الحادي والعشرين وأفكاره حرة وديمقراطية وليبرالية، وليس في زمن الأفكار الشمولية ولا اليسارية ولا الشيوعية.

إن القراءة الاقتصادية والبحث عن حاجات الناس الأساسية واليومية وتلبية حاجاتهم الصحية والتعليمية، وتأمين أبنائهم في دراساتهم الجامعية وزواجهم وتوفير فرص العمل لهم هي القضايا التي ينبغي على الأحزاب السياسية التركية أن تتنافس عليها، فقد عانا الشعب التركي بما فيه سكان الجنوب الشرقي عقودا من المآسي والخوف وعدم الاستقرار السياسي، دامت نحو أربعة عقود دون فائدة، بسبب قيادة حزب العمال الكردستاني لمشروع عقيم، كان ضد مصالح الشعب التركي بكافة قومياته، وبعد ان ادركت القيادة الأولى لحزب العمال الكردستاني فشل رؤيتها القديمة، وعدلت من مسارها القديم، المتمثلة برؤية عبدالله أوجلان الجديدة، جاءت دولا خارجية لتعيد لقيادات حزب العمال الكردستاني المقيمة في الجبال إلى مساره القديم العقيم، وليس لها هدف إلا إضعاف تركيا، وليس منح الأكراد حقوقهم إطلاقاً، ولا تقوية عناصر حزب العمال الكردستاني وإنما استخدامهم جنودا مرتزقة لإثارة المشاكل الأمنية وتخريب الوحدة الوطنية.

لقد أدخل حزب العدالة والتنمية تركيا في مرحلة جديدة من تاريخها الحديث، وذلك خلال السنوات الأربعة عشر الماضية، كان الشعب التركي هو الحكم الوحيد فيه، فهو الذي أخرج الحزب من بين أبنائه، وهو الذي أعاد انتخابه في كل الانتخابات الماضية البلدية والبرلمانية والرئاسية، فكان أول من أدرك نجاحه، ونال ثقة الشعب التركي بكل قومياته وطوائفه واثنياته وأحزابه، وكذلك شهدت بنجاحه  مراكز الأبحاث الغربية، ومؤسسات رصد التقدم العالمية، وبالأخص في المجالات الاقتصادية، وبسبب ذلك تداعت الشركات العالمية للاستثمار في تركيا، مما أزعج الشركات العالمية الكبرى، وبالأخص الشركات التي تتبع اللوبي الصهيوني والأوروبي الحاقد على الشعب التركي، وهو الذي حاول مرارا تأخير انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي لأسباب نفسية مريضة، فعملت تلك القوى الحاقدة على تركيا على خلق المتاعب للحكومة التركية، لأنها هي القائدة لقطار التقدم والازدهار، ممثلة بحزب العدالة والتنمية، فحاولت الانقضاض عليها بانقلابات فاشلة متوالية، قادها أولاً جنرالات متقاعدون عام 2007، فلما فشلت حاولت الانقلاب التالي عن طريق تنظيم الكيان الموازي، في أحداث حزيران 2013، ولكنها فشلت أيضاً، وتم محاصرة تنظيم الكيان الموازي من مجلس الأمن القومي التركي، لأن خطره مس امن الدولة التركية السياسي والعسكري، وليس حكومة حزب العدالة والتنمية فقط.

ولكن اعداء تركيا لم ييأسوا في محاولة الانقلاب على الحكومة التي قادت تركيا إلى الاستقلال السياسي الحقيقي، وقادت تركيا إلى الاقتصاد المتقدم، بل قادت تركيا إلى ان تكون دولة فاعلة ومقررة في السياسة الإقليمية والدولية أيضاً، وجاء تزامنها مع ثورات الشعوب العربية منذ عام 2011 وحتى نهاية 2015 قدرا مقدوراً، فقد فرضت تحديات ومسؤوليات جديدة على الحكومة التركية، بداية في مساعدة الشعوب العربية التي تعاني من الظلم والاستبداد، أي مما عانت منه تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، فأيدتها لسعيها نحو الديمقراطية ودولة القانون والدستور والمواطنة والحقوق والواجبات المتساوية لكل المواطنين، ولكن حركة الردة على الثورات الشعبية العربية كانت اقوى من قوة الدفع الثورية في مرحلتها الأولى، فخسرت بعض الشعوب العربية جولة من جولاتها، وانعكس ذلك على الجمهورية التركية فظن البعض أن الانقضاض على الإرادات الشعبية العربية في سوريا ومصر واليمن يمكن ان ينال من النجاح التركي أيضاً، فجيشوا المشردين ليجعلوا منهم جيش مرتزقة يحارب الدولة التركية بكل الطرق السياسية وغير السياسية، من خلال الانتخابات ومن خلال الانقلابات، ولم يستثنوا شارداً أو ملاحقاً إلا أتو به، حتى خائن فلسطين دحلان، الذي تآمر على الشعب الفلسطيني ورئيسه ياسر عرفات بالسم النووي.

لقد كشفت أجهزة المخابرات التركية عن خطة لمحمد دحلان ـ القيادي السابق في حركة فتح المتهم بتسميم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والمشتبه بعلاقاته الوثيقة بالجانب الإسرائيلي ـ كانت تهدف إلى إضعاف موقف تركيا أمام المجتمع الدولي، وبحسب التقارير الاستخباراتية فإن دحلان كان يخطط لدس أشخاص يدعون أنهم من تنظيم داعش، ومن ثم يقدموا اعترافات أمام الإعلام على أساس أنهم حصلوا على السلاح والدعم من أنقرة، وتشير التقارير أن دحلان قد أعد فعلا تسجيلات مرئيا لعناصر يدعون أنهم من داعش ويعترفون بأنهم على علاقة مع المخابرات التركية، ومن ثم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إضعاف الموقف التركي أمام إسرائيل والمجتمع الدولي.

ولعل التهمة الأخيرة للوزير الإسرائيلي باتهام تركيا بدعم داعش وتمويلها بتجارة النفط، هي جزء من هذه المؤامرة الدولية، التي بدأ الاعلان عنها صلاح الدين ديمرتاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، وبعض صحف المعارضة التركية التابعة للكيان الموازي، وتابعها إعلام الحرس الثوري الإيراني ومحوره الطائفي، واكملها قيصر روسيا الجديد فلاديمير بوتين، ولكن امريكا كما كذبت روسيا في ادعاءاتها، فقد انكرت على إسرائيل تهمها الباطلة ضد تركيا، بالرغم من عدم حاجة تركيا لشهادة أمريكا، فقد فضح العدوان الروسي على سوريا التعاون الوثيق بين روسيا وداعش في حربهما المشتركة ضد الثورة الشعبية السورية.

وهكذا كشف فشل دحلان في تركيا عن وجه جديد من التحديات ضد تركيا، وهذا التحدي وإن كان تافهاً، ولكنه بمثابة دليل على الجهات الضالعة في العدوان على تركيا، فدحلان مجرد جندي مرتزقة بأيدي أجنبية، ومن يخون وطنه وشعبه وقومه لن يتوان عن خيانة غيرهم، والكشف عن خيانته قد تكون ضرورية، لتكون عبرة للتائهين من أبناء الأحزاب التركية السياسية المعارضة، وحتى تجعل معارضتها من أجل حماية الوحدة التركية وقوة الدولة فقط، وليس التآمر عليها مع تنظيم الكيان الموازي، ولتكون عبرة لأبناء القومية الكردية في تركيا، أن تكون مواطنتهم الاجتماعية والسياسية كاملة، وأن لا يسلموا انفسهم للأحزاب أو القيادة الحزبية التي تجاوزها التاريخ، ولا تحسن إلا التفجير والعمليات الإرهابية والشعارات العدائية للحكومة والجمهورية التركية.

إن تصريحات المعارضة التركية التي تعادي الوجه الحضاري للمجتمع التركي وتعادي الإسلام لا تختلف في معادتها للشعب التركي عن معاداة بوتين لأردوغان، باتهامه بأنه يعمل لأسلمة تركيا، فبوتين لا يعلم ان المسلمين 99% من الشعب التركي، وكلجدار اغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري لا يدرك أن معاداة رئاسة الشؤون الدينية ومدارس الوعاظ وافتتاح المساجد او ترميمها في تركيا هو معاداة للشعب التركي، فهو الذي يطالب بهذه الاصلاحات، والحكومة دورها الاستجابة لمطالب الشعب التركي، فلا مغزى لتصريحات كلجدار اغلو المعادية للإسلام إلا الإساءة لنفسه وحزبه، فالشعب التركي طوى صفحة العداء للدين من حياته السياسية، ويخطىء كلجدار أغلو كثيرا عندما يظن انه يحرج أردوغان في الخارج عندما يتهمه بالاهتمام بالشؤون الدينية، لأن ذلك لا يحرج أردوغان بل يعزز مواقفه أمام الشعب التركي قبل غيره.

إن على الشعب التركي قبل الحكومة التركية وقبل الجيش التركي ومؤسسات الدولة الأمنية أن يدرك مدى التحديات التي واجهته العام الماضي، ومدى المؤامرات التي قد تتعرض لها تركيا في العام الحالي، وعلى المستوى القومي فلا مشكلة للحكومة التركية مع الأكراد، وإنما المشكلة مع من يظنون او يدعون انهم ممثلين للأكراد في تركيا، وبالأخص حزب العمال الكردستاني، والوليد غير الشرعي له وهو حزب الشعوب الديمقراطي، فقد ولد حزب الشعوب الديمقراطي في ظل الفترة الزمنية لعملية السلام الداخلي، ليكون ممثلاً للأكراد في العملية السياسية، وبعد انسحاب حزب العمال الكردستاني من العملية السلمية، فقد كان على حزب الشعوب الديمقراطي ان ينسحب من الحياة السياسية بصورة رسمية وعلنية، وليس من خلال تأييده للعمليات الإرهابية، ولذا فمن المحتمل الآن ان يقدم الشارع الكردي حزباً جديداً يمثل إرادة الأكراد في السير في عملية السلام الداخلي، وإنجاح المصالح الوطنية، والتخلي عن الذين يدعون إلى الانفصال أو إقامة دولة داخل الدولة التركية، أو يستخدمون السلاح لتحقيق أهداف حقوقية وسياسية، فالمشكلة في تركيا ليست مع الأكراد وإنما مع من يدعي تمثيلهم من التنظيمات الإرهابية، فهذا الادعاء هو اعتداء على إرادة الأكراد، كما هو اعتداء على الشعب التركي كله، فالشعب الكردي يريد السلام وضد الارهاب.

وأخيرا لقد حسم حزب العمال الكردستاني وتوابعه من الأحزاب الإرهابية التركية والسورية دورها في تركيا وسوريا، فهي اليوم تقف إلى جانب العدوان الروسي على الشعب السوري، ورئيس حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرطاش ركض إلى موسكو يطلب منها الأسلحة والتأييد بعد ان اعلن فلاديمير بوتين بانه سوف ينتقم من تركيا بعد إسقاط الطائرة الروسية، فروسيا وهي تقوم بأعمال عدوانية وانتقامية ضد تركيا بسبب موقفها من العدوان الروسي على سوريا والمنطقة، ينتهز السياسي البارع ديمرطاش الفرصة ليقف إلى جانب بوتين في معاداة وطنه وشعبه ودولته، وهو يمثل حزب سياسي يعمل وفق القانون التركي، فأي نكران للوطن، واي خيانة يتمتع بها ديمرطاش وهو يلجأ إلى بوتين وهو ينتقم من شعبه بالعقوبات، التي لا تصيب الحكومة التركية، بقدر ما تصيب المواطن التركي في تجارته وسوقه وسياحته ودراسته ومصانعه ومزرعته!