إعداد: حسام حسن وعمرو عوض ومحمد هشام

• مهند ومحمد هربا من الحرب والانقسام الطائفى فى سوريا إلى حياة أفضل فى السويد عبر تركيا وألمانيا
• «بطاقات الهوية المزيفة» وسيلة «المجازفين» للسفر جوًا.. ومفارش مراكز الاستقبال المؤقتة مشبعة بالبول والعرق
• المهاجرون يبيعون ممتلكاتهم عبر «فيسبوك».. ويُحشرون فى قوارب صغيرة على الشواطئ التركية ويصارعون الأمواج حتى اليونان
• «الرحلة الصعبة» فرقت عائلة دمشقية.. وانتهى الحال بنائلة وشقيقتها فى معسكر لاجئين بألمانيا ووالدتها وشقيقها فى أمستردام
لكل لاجئ سورى من هؤلاء الملايين، الذين فروا من الوحشية والحرب، أسبابه لترك سوريا، فمنهم من هرب من بطش النظام الدموى الذى يقصف المدن، وآخرون هربوا من تنظيم «داعش» الذى يهدد بإعادة البلاد إلى عصور الظلام، فيما خرج الباقون بعدما فقدوا فرص العمل فى ظل اقتصاد متداع. ورغم اختلاف الأسباب، إلا أن جميع المغامرين بأرواحهم فى البحر والبر يتفقون على هدف واحد.. إنهم جميعا يريدون حياة أفضل.

وتمثل القصة المركبة التالية، التى نشرتها مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية، نقلا عن الصحفية علياء مالك، ملحمة، كتبت فصولها مجموعة من اللاجئين الذين حاولوا البقاء أحياء خلال رحلة تقربهم كل مرحلة فيها من الموت أكثر من الحياة، وتدفعهم إلى اليأس أكثر من الأمل.

وضع مهند الهاتف على أذنه ليستمع إلى الكلمات التى طالما انتظرها طويلا، والتى تعنى أن دعاءه قد استجيب له أخيرا؛ فصوت المهرب يأتيه من الطرف الآخر زافا البشرى: «هناك قارب سيغادر فجر غد.. المياه هادئة، والشرطة تبحث فى الاتجاه الآخر».

إذًا وافق مهند ــ المولود قبل 29 عاما فى مدينة اللاذقية الساحلية ــ على قيادة قارب اللاجئين من مدينة بودروم التركية إلى جزيرة كوس اليونانية، فإنه سيسافر مجانا، موفرا أموالا هو فى أمس الحاجة إليها لباقى الرحلة الطويلة إلى ألمانيا، لذا فقد قبل العرض، واتصل برفيقه فى السفر محمد وقال له: «جهز عائلتك، فنحن مغادرون».

لمدة أسبوع كامل، كان الرجلان يعيشان جنبا إلى جنب مع مئات السوريين الآخرين، فى بودروم، وهى مدينة مليئة باليخوت والسياح، انتشرت فيها أخيرا صور الطفل إيلان كردى الذى جرفت أمواج البحر جثته إلى شواطئ المدينة، وتسببت فى غضب عالمى.

ولم يفهم مهند «لماذا كل هذا الغضب؟»، إذ إن الأطفال السوريين يموتون منذ سنوات دون رد فعل عالمى يذكر، إلا أن هذه الصورة أجبرت الشرطة المحلية على التحرك من أجل مكافحة عمليات التهريب غير الشرعية.

مهند ومحمد اللذين عملا كطهاة معجنات فى اللاذقية، كانا يحلمان بالسفر إلى السويد، واعتبرا أنها الوجهة المختارة؛ لسبب واحد بسيط هو أن صديقا أخبرهما أنها مكان مناسب لبدء حياة كريمة. أول خطوة قام بها مهند على طريق تحقيق الحلم، كانت تحميل خريطة بدائية، أقرب لأن تكون كوميدية، من صفحة للمهاجرين السوريين على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، تحت عنوان: «الطريق إلى ألمانيا: 2400 دولار». وعلى الرغم من أن الخريطة تدرج أزمير كنقطة انطلاق، فإن بودروم لا بأس بها ويمكن أن تؤدى الغرض. ومنذ هذا الوقت اعتبر الرجلان أن هذه الخريطة هى الضوء الذى يهتديان به فى رحلتهما الشاقة القادمة.

وبعدما كان ينوى السفر دون الارتباط بأحد، تغيرت خطط مهند عندما التقى إحسان، الفتى الذى يبلغ الرابعة عشرة من العمر، والذى عهد والداه إلى أحد الأصدقاء بإيصاله إلى عمه فى ألمانيا، ولكن الوصى تخلى عنه فى تركيا. لم يستطع مهند فعل الشىء نفسه لهذا الشاب الخجول النحيف، دائم الابتسام، والذى يأمل فى أن يصبح مهندس بتروكيماويات يوما ما. اتصل مهند بوالدى إحسان اللذين عرضا عليه 2000 يورو نظير أتعابه، وأقنعاه أنه بمساعدته سيلتئم شمل إحسان بعائلته.

• معاناة فى اللاذقية
كان لكل سورى فى بودروم سببه الخاص للهجرة، فمهند اعتقل، لمدة 30 يوما فى 2013، بسبب خطأ من السلطات التى كانت تبحث عن شخص آخر. ولم يستطع أبدا هذا الشاب، الذى كان يمارس رفع الأثقال كهواية، نسيان تعرضه للضرب والتعذيب اليومى، كما كان يخشى أن يضطر إلى القتل باسم هذا النظام الذى سجنه، حيث كان يعرف أن أى شخص قادر على العمل كان عرضة للاعتقال من الشارع والحشر فى سيارة، ليجد نفسه بعد ساعات على الجبهة مع بندقية روسية فى يده.

أما محمد، فكان يرعبه الخطر الدائم المحدق به فى أحياء اللاذقية الطائفية، خصوصا أنه وزوجته سوسن وأطفالهما الثلاثة من الطائفة السنية، ويعيشان بين نسبة كبيرة من العلويين الموالين للنظام السورى. وفى إحدى المرات، هاجم رجلان منزله، ما دعاه إلى الاتصال بالشرطة التى وصلت وهما يعتديان عليه، ولكنها لم تفعل شيئا سوى أن هددت الرجال الثلاثة بقضاء ليلة فى السجن إذا لم يتم التصالح.

وفى اللحظة التى صافح فيها محمد الرجلين، كان يعرف أنه لا يمكن أن يضمن مستقبلا لأطفاله سدرة (7 سنوات)، على (5 سنوات)، وإبراهيم (3 سنوات) فى هذا المكان، لذا قرر الهجرة، وقضى العام التالى كله يخطط لهذا الأمر. أحد الأشياء المهمة التى تعلمها محمد وعائلته من النصائح الموجودة على الإنترنت، هى أنهم يجب أن يوثقوا جوازات سفرهم من السلطات طوال الطريق، ولكن عليهم أن يتجنبوا أخذ بصماتهم فى أى دولة، حتى يصلوا إلى السويد.

باع محمد وسوسن كل ممتلكاتهما تقريبا بما فيها سيارتهما وبعض المجوهرات، وجمعا ثمانية عشر ألف دولار، ووضعا كل حياتهما فى شنطة ظهر واحدة. وعلى أمل العودة يوما ما، طلبوا من قريب لهما الاعتناء بشقتهما، ثم أخبرا أطفالهما أنهم فى طريقهم لقضاء عطلة عائلية فى تركيا.

• .. وهروب من دمشق
وفى العاصمة دمشق على بعد 200 ميل من اللاذقية، لجأت نائلة (26 عاما) بصحبة والدتها سهير إلى حيلة مماثلة لخداع جيرانهم، حيث قالوا إنهم متوجهون نحو بيروت بحثا عن فرصة للاسترخاء. وكانت أسباب هجرة نائلة وسهير مختلفة، إذ شاهدت نائلة دمشق وهى تتفكك، حيث كانت عرضة لسقوط قذائف الهاون بشكل شبه يومى منذ اندلاع الصراع عام 2011، وتعانى من انهيار الخدمات. وعلاوة على ذلك، أضحت نائلة وهى مترجمة لغة إنجليزية، بدون عمل بعدما حزم الرعايا الأجانب أمتعتهم وغادروا البلاد.

وخلافا لغيرها من النساء فى المجتمع الدمشقى البرجوازى الذى يلوم والدة نائلة على طلاقها من زوجها، فإن نائلة لا تهتم بأمر الزواج، بل ركزت جهودها على تكوين هوية مهنية، إلا أن عروض العمل العالمية التى كانت ذات يوم فى متناول يدها، باتت مجرد ذكريات؛ فشعرت على نحو متزايد بأنها صارت منبوذة.

وفى يوليو الماضى، تغيرت الأمور عندما التحقت شقيقتها الصغرى وتدعى سعاد بكلية الصيدلة فى إسطنبول، ولكن لم يكن بمقدورها كسب الأموال اللازمة لدفع رسوم الدراسة. ذات يوم، صدمت نائلة عندما هاتفتها شقيقتها سعاد قائلة: «أنا فى هولندا»، وروت لها رحلتها الصعبة من تركيا إلى أوروبا، مشجعة إياها على الالتحاق بها. ولم يدر بخلد نائلة فى تلك اللحظة أن شقيقتها الصغرى استخدمت وثائق سفر إسبانية مزورة حصلت عليها من مهرب يدعى «الحوت» لتستخدمها فى السفر جوا بدلا من أن تسلك طرقا برية إلى هولندا.

وبالفعل راقت الفكرة لنائلة التى بدأت مرحلة إقناع والدتها سهير بالسفر إلى هولندا بحثا عن حياة أفضل بعدما طال أمد الحرب. وعلى الرغم من تخوف الأم من تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر، وبخاصة من عبور القارب الذى يقلهم من مدينة بودروم الساحلية التركية إلى جزيرة كوس اليونانية، رضخت لضغوط نجلتها فى النهاية، وحرصت على تلقى نجلها يوسف (14 عاما) الذى لا يستطيع السباحة، دروسا للتحضير لتلك الرحلة البحرية، بالتزامن مع بيع الأسرة كل ما تملكه من أثاث وأجهزة منزلية ومشغولات ذهبية عبر إحدى الصفحات على موقع «فيسبوك» التى تعد بمثابة سوق لعرض ممتلكات اللاجئين المُنتظرين. وتمكنت سهير من جمع مبلغ 5 آلاف دولار من وراء بيع تلك الممتلكات، اشترت بها تذاكر طيران للسفر إلى تركيا.

• من تركيا لأوروبا عبر البحر
وبينما كانت الأسرة بانتظار اتصال من المهربين فى بودروم، اصطحبت نائلة وشقيقتها ميسم (19 عاما) طالبة «الأدب» شقيقهما يوسف إلى الشاطئ لممارسة السباحة. ولم يلحظ أى من الأوروبيين الذين كانوا على مقربة منهم، أن الصبى ذا الشعر الداكن والشقيقتين اللتين ترتديان البكينى؛ نائلة بشعرها الأحمر وميسم بشعرها الأشقر، لاجئون سوريون.

فى تمام الساعة الثانية فجرا، وصلت عربة معتمة النوافذ تقل مهند ومحمد إلى تبة صخرية على شاطى بودروم. وحينما كان الركاب يختبئون وسط الحشائش، كان رجال يعملون لصالح عصابة تهريب محلية، يحملون قاربا مطاطيا مفرغ الهواء باتجاه بحر إيجه، قبل أن يلحق بهم مهند، الرجل القوى الوحيد الذى يمكنه تشغيل محرك القارب دون مساعدة، تاركا حقيبة ظهره التى تحوى متعلقاته مع صديقه.

ومع بزوغ ضوء الشمس، كان صف من اللاجئين يشق طريقه فى الماء باتجاه القارب. وبين سرب المهاجرين، كانت نائلة وأسرتها يحاولون تلمس الطريق حينما أخبرهم أحد المهربين بضرورة الإسراع، فهرعوا من على التبة، وسقط بعضهم.

القارب الذى يتسع لـ25 شخصا، حمل 50 سوريا وعراقيا. بعض الأطفال والنساء جلسوا فى القاع، حيث يكون بإمكانهم رؤية السماء وليس البحر، فيما كانت آخريات أفضل حالا. أما الرجال، فجلسوا على الحواف. إحسان كان هناك، وأيضا محمد الذى حصل بعد إلحاح شديد، على سترات نجاة لأولاده بينما كانت سوسن تضع دواء ضد «دوار البحر» فى أفواههم.

ولاحظ مهند أن حقيبته مازالت على التل ولم يجلبها أحد إلى القارب، لكن ليس هناك وقت للعودة. وبات الشاب يملك الملابس التى يرتديها فقط. ولحسن الحظ، كانت وثائقه وأوراقه فى حقيبة صغيرة لا تفارق كتفه دائما، ولا تزال معه. وقطع تفكير مهند، مشهد مهرب سورى وهو يحشر أقاربه فى القارب، ليستغل فرصة إرسالهم إلى أوروبا. المهرب حاول استغلال مهند، وأبلغه أنه لن يسافر على ظهر القارب مجانا وعليه دفع 500 يورو. فرد مهند محتجا: «أنا من سيقود القارب». وعندها رد الرجل بحسم «يمكن لأحد رجالى أن يقوده»، فاضطر مهند للدفع، وقال لنفسه إن السويديين لن يكونوا كذلك؛ فالأوروبيون ليسوا فاسدين. ودفع المهرب القارب فى البحر، قائلا إن جزيرة «كوس» اليونانية على بعد 15 ميلا، ناصحا الركاب ومهند باستخدام تطبيق تحديد المواقع العالم ى«جى بى إس» على الهواتف الذكية، إذا ضلوا الطريق.

قاد مهند القارب الذى اهتز وتمايل على الأمواج لمدة ساعتين. وتمسك الركاب بأمل الوصول إلى«كوس»، آملين ألا يكونوا مجرد جثث جديدة غارقة فى مياه تفصل شرق العالم عن غربه. وما إن وصل القارب إلى الشواطئ اليونانية، كانت رحلة المهاجرين إلى أوروبا، حيث الكرامة والأمن اللذان يحلمان بهما، بدأت بالكاد، وكان عليهم الإجابة عن سؤال: ما هى تكلفة الحياة فى المنفى؟

• انفراط العقد
وحينما كان مهند والآخرون يتسكعون فى محطة القطار بفرانكفورت، لم يكونوا على علم بأن نائلة وميسم على بعد 50 ميلا فقط، أى فى هيدنبرج. القصة بدأت حينما اضطرت الأم سهير ونجلها يوسف إلى قطع الطريق إلى أمستردام برا، خوفا من استعمال بطاقات الهوية المزيفة التى أحضرها «الحوت». فيما وصلت الشقيقتان نائلة وميسم إلى زيورخ بالطائرة، واستقلتا القطار إلى هولندا، حيث وصلتا إلى أمستردام فى تمام الـ9:15 من مساء نفس يوم مغادرتهما زيورخ. لكن القدر لم يمهلهما فرصة للحاق بسعاد، إذ باتتا رهن الاعتقال.

فخلال آخر فحص للهويات على القطار، اكتشف رجال الشرطة فى جنوب غربى ألمانيا إن هويتى الشقيقتين مزيفتان، فسحبوهما واخضعوهما للتحقيق. وبعدها، أرسلتا إلى مركز استقبال مؤقت، حيث تم احتجازهما تمهيدا لترحيلهما إلى معسكر لإيواء المهاجرين. ولمدة 4 أيام، نامت نائلة وميسم على أرض كافيتريا المركز، حيث وضعت مفارش مشبعة بالبول والعرق. لقد كان المكان مزدحما بالأحذية المبعثرة والأجساد المتسخة.

بعد ذلك، أُرسلت الشقيقتان إلى معسكر للاجئين فى هيدنبرج، كان فى السابق قاعدة عسكرية أمريكية تعرف بـ«قرية باتريك هنرى»، حيث حصلت السلطات على صمات أيديهما، وطلبتا رسميا اللجوء لألمانيا.

وفى ظل فشل محاولتهما الوصول لهولندا، بدأت نائلة استغلال الموقف الذى تمر به، وأعادت تفعيل مهنتها كمترجمة، حيث كانت تترجم للمهاجرين العرب الإنجليزية التى كانت اللغة المستخدمة فى المعسكر، واعتقدت أن ألمانيا من الممكن أن تكون موطنا جيدا، وحرا، وآمنا، ونظيفا، كهولندا. وراودتها أحلام الالتحاق بالدراسات العليا، وإكمال شقيقتها دراسة الأدب. إلا أنها لم تكن تعرف كيف وأين يحدث ذلك، واكتفت بالاعتقاد أنه على الأقل ممكن.

وعندما شعرت أخيرا بالاستقرار بعد أسابيع من الصمت والتنقل، جذبت نائلة هاتفها فى مطلع أكتوبر، وأرسلت رسالة للرجل الذى أنقذ حياتها على القارب الذى أقلها إلى «كوس». «مرحبا.. كيف حالك؟ كيف تسير الأمور معك؟» هكذا كتبت لمهند، قبل أن تضيف: «أتمنى أن يكون كل شىء على ما يرام».

• تهنئة بالعيد فى السويد
فى المقابل، خاض مهند ومحمد وسوسن والأطفال غمار البحر للمرة الأخيرة، حيث عبروا ليلا بحر البلطيق من فرانكفورت إلى السويد. وعلى الرغم من أنه كان يوما عاديا لباقى المسافرين فى العبارة، فإنه كان خاصا جدا بالنسبة لهم كمسلمين كونه تزامن مع أول أيام عيد الأضحى. وقبل وصولهم إلى السويد، وتسليم أنفسهم للشرطة، تمهيدا للتقدم بطلب اللجوء، تمنوا لأنفسهم ولبعضهم البعض، الأمنية التى يقولها السوريون فى كل عيد:«كل عام وأنتم طيبون وآمنون».