كمال أوزتورك – صحيفة يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

الكل يشاهد الدراما التي يعايشها اللاجئون في أوروبا، وكلنا نرى بأمم أعيننا ما يحدث هناك. فالبرلمان الدنماركي يقر قانونًا جديدًا يسلب اللاجئين أموالهم وممتلكاتهم الثمينة، وهولندا تناقش قرارا يقضي بتعبئة اللاجئين في السفن  وإرسالهم إلى تركيا، أما حكومة النمسا فكانت أكثر إنصافا إذ أنها تعيد اللاجئين قسرا لكن بالطائرات بدل السفن. في حين أن سويسرا بدأت بإجراءاتها لترحيل أكثر من 80 ألف لاجىء خارج حدودها. السياسي الألماني  فرواك بيتري  يطالب بقرار يخول الشرطة استخدام السلاح وإطلاق الرصاص ضد اللاجئين إذا لزم الأمر. أما العساكر اليونان فشهدناهم ولأكثر من مرة يتسببون بغرق قوارب اللاجئين، تاركين ملائكة الموت تتولى قبض الأرواح. فيما تناجي إيطاليا ربها وتصلي من أجل غرق سفن اللجوء في البحر المتوسط.

شبكة الشرطة الأوروبية وفي تقريرها الأخير تسجل أكثر من  عشرة الآف حالة فقد لأطفال لاجئين. فيما تشهد مراكز الإيواء ومخيمات اللجوء في أوروبا وعلى رأسها مخيم بادين – وروتمبيرغ في ألمانيا انتشار للاغتصاب وممارسة الرذيلة، كل هذا يحدث أمام عيوننا.

هولوكوست وريكونكويستا القرن الحادي والعشرون

كل هذا يذكرنا بأمرين أولهما ما حدث في الأندلس من قبل الإسبان تحت مسمى ريكونكويستا أو معارك الاسترداد من ترحيل للمسلمين واليهود الأندلسيين من أراضيهم ووطنهم جبرا.

أما الثاني ما حدث  لليهود إبان الحرب العالمية الثانية على يد النازيين الألمان في مخيمات ومعسكرات التركيز وتحت اسم الهولوكوست.

قضية اللاجئين تخرج ما خفي من جينات الجريمة عند الأوروبيين، فقد تحولت نقاط دخول اللاجئين إلى معسكرات للتركيز يتم فيها خطف الأطفال بالقوة لتنشطت هناك مافيا تجارة الأعضاء والرق الأبيض والباحثيين عن التبني.

فمراكز تجميع بوخنفايلد و اوشفيتز النازية أكثر طهرا وبراءة  وبالطبع أكثر نظافة وتنظيما وأكثر مطابقة لشروط الصحة العامة إذا ما قارناها مع مراكز التجميع  الحالية في اليونان، سلفانيا، إيطاليا والدنمارك. فمراكز النازيين أنشأها الألمان القدماء الذين يدينون بدين الانضباط بينما تشهد مراكز اللاجئين اليوم استباحة لكل حقوق الإنسان بما فيه حقه في الحياة والغذاء والدواء والمأوى.

أما أنتم، يا مثقفي الغرب الذين تدعون الحداثة والتنوير وترون بأنفسكم الورثة الحقيقيين لعصر النهضة ولا تكفون عن شرح هذه المصطلحات والحديث عن هذه الحقوق نراكم اليوم تكتفون بالوقوف والمشاهدة بصمت  ولا تكلفون أنفسكم عناء النظر الى هذه المخيمات.

في أثناء الحديث عن تاريخ الثورة الفرنسية، لا يمكن المرور دون سماع حادثة وقوف عشرات الألوف من النساء الجائعات بباب قصر فيرساي ومقاومتهن هناك وعن تصرف لافايتتي النبيل، لكنك اليوم تركت نُبل ماركيس دي لافييتي وبدأتم بالتصرف على طريقة ماريا أنطونيتا مع  عشرات الألوف من النساء السوريات الجائعات اللواتي رماهن اللجوء على عتبات أبوابكم.

فلو كانت هذه المخيمات خارج أوروبا وسمعنا عن التحرشات بالأطفال وسرقتهم وترحيلهم  لكانت ستنبري المئات من اللجان والجمعيات  والإذاعات ووسائل الإعلام  للحديث عنهم  ولوقفت الدنيا على أقدامها من هول ما يحدث، لكن اليوم كل شيء يحدث على أرضكم وبين ظهرانيكم  ومع ذلك لا تحركون ساكنا ولا نسمع همس ضمائركم.

محاكم التفتيش تبحث عن "الآخر"

مع أحداث هذا الهولوكوست والريكونكيستا المعاصرة وتمام كما كان يحدث في العصور الوسطى على يد رهبان الكنيسة وعلماء النازيين نراكم اليوم مشغولين بالبحث عن دليل ديني وعلمي  للظلم.

أوروبا قد رفعت أعلام محاكم التفتيش من جديد في وجه "الآخر" من اتباع الثقافات والأديان الأخرى، أما أنتم ومن خلال تصرفاتكم وعدم مبالاتكم هذه تثيرون الفرح عند ألفريد روزنبيرغ ولكنكم تزعجون أرواح  رينيه  ديكارت، وإيمانويل كانت، وجان جاك روسو  وجون لوك.

سكوتكم وتظاهركم بعدم رؤية ما يحدث هو ذنب وخطيئة يجعل منكم متساوون مع من يعمل لإخراج المسلمين من أوروبا.

ففي الماضي غير البعيد وإبان مأساة الحرب البوسنية من منكم باستثناء هينري ليفي اعترض أو أدان ما يحصل؟

وفي هذه اللحظة  أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة وعشرات الألوف كذلك في مخيمات صبرا وشاتيلا في لبنان يعيشون ظروفا أصعب من تلك عاشها اليهود في مركز تجميع  اوشفيتز لكن ضمائركم النائمة لا تتحرك ولا نسمع لكم همس وبسببكم أنتم نرى وفي كل صباح الحكومة الإسرائيلية  تضرب بقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة عرض الحائط فتقتل الأبرياء وتحتل المزيد من الأرض.

ولم نسمع أصواتكم بعد انقلاب السيسي على الرئيس الديموقراطي المنتخب في مصر، فميركل التي استقبلت قائد الانقلاب على البساط الأحمر منحته الكثير من الثقة بالنفس.

والتزمتم الصمت كذلك على مذابح الكيماوي التي نفذها الأسد ومن ورائه إيران بحق الأطفال السوريين. أما هولند الذي استقبل روحاني بقصر فيرساي فقد أعطى لإيران ومعها نظام الأسد القوة والعزم اللازم لاستمرارهما في الإرهاب.

ردة الفعل التي شهدناها منكم بعد هجوم باريس لم نشهدها بعد العشرات من الهجومات مماثلة في إسطنبول، أنقرة، صنعاء وحلب. لا أعلم بصمتكم هذا على أي قاعدة أخلاقية تستندون، ففي حين يمارس حزب العمال الكردستاني الإرهاب والتدمير وقتل الاطفال لا تنفكون عن مدحه بوصفه حركة تحرير كردستان. لا أعلم كيف تنعمون براحة الضمير بعد مشاركتكم بالجريمة لكنني على علم تام بأن مرجعكم في الأخلاق والوجدان هو مفكركم نيتشة وأن ما أكتبه هباء.

كونوا مثل أجدادكم وأطردوا اللاجئين وسنكون مثل أجدادنا وسنفتح قلوبنا لهم.

باختصار، إن تظاهركم بالصمم وإغلاقكم العيون عن رؤية ما يعانيه المسلمين من أزمات وما يُعايشونه من دراما ليس بالشيء الجديد، فلطالما نظرتم إلى هذه المنطقة على أنها مختبر لتجاربكم  ولطالما عاملتم أهل هذه المنطقة على أنهم فئران تجارب.

لكم أن تفعلوا كما فعل أجدادكم في عام 1492 عندما ملؤوا السفن بالأندلسيين من اليهود والمسلمين وتركوهم لأمواج البحر المتوسط.

أما نحن فكما فعل أجدادنا العثمانيين قبل 500 عام سنفتح ذراعنا لهؤلاء اللاجئين وسنتقاسم معهم ترابنا وخبزنا كما نتقاسمه الآن مع أكثر من ثلاث ملايين لاجىء.

لكن وفي خضم هولوكوست وريكونكويستا القرن الحادي والعشرين لا تنسوا أنكم شركاء في هذه الجريمة.