تنشط حملات في بغداد وجنوب العراق لتجنيد المقاتلين إلى جانب النظام السوري بشكل أثار أخيراً قلقاً واسعاً داخل المجتمع العراقي، ومخاوف المراقبين من توقيت الحملات التي اكتسبت صفة العلنية، بعدما كانت تجري في دوائر ضيقة تُشرف عليها مليشيات محلية.

وباتت هذه الحملات تجري بشكل مفضوح، بحيث تم افتتاح مكتب صغير في متجر لبيع المواد الكهربائية في منطقة الشوصة بمدينة الكاظمية في بغداد، لاستقبال الشباب الراغب بالتطوع. ويجري داخل هذه المكتب شرح طبيعة الوضع في سورية، وأهمية المعركة الحالية، وما يعرف بتداخل الجبهات، في إشارة إلى الساحتين العراقية والسورية. في المقابل، تتركز نشاطات أخرى في الإطار نفسه داخل حسينيات ومساجد واقعة في الأحياء الفقيرة والعشوائيات كضواحي بغداد الشرقية، مثل مدينة الصدر ومحيطها.

ويطلق في العراق على حملات التجنيد تلك بالعادة مصطلح “جهاد الدفع”، وهو من المصطلحات الفقهية التي تتعلق بالجهاد ضمن المنظور الديني؛ إذ يُقسم الجهاد إلى: جهاد الدفع وجهاد الطلب. يقصد بالأول دفع العدو الصائل، ويكون فيها التطوع واجباً، ويقصد بالثاني الغزوات أو الفتوحات.


عدم وجود مكاتب للتطوع في إيران، فيما تمول مكاتب من هذا النوع في العراق

وتعتبر مسألة “الجهاد في سورية” محل خلاف بين المراجع الدينية في النجف ونظيرتها في كل من طهران وقم، إذ تعتبر مراجع عدّة في النجف أنّ القتال أو “الجهاد” واجب في العراق فقط، وتحديداً ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وذلك بحسب فتوى المرجع الشيعي العراقي علي السيستاني، فيما تعتبر مراجع إيران أن القتال في سورية هو “جهاد دفع واجب” على كل شخص.

لكن الغريب بحسب الخبير بشؤون الحوزة الدينية، حسين الكاظمي، هو عدم وجود مكاتب للتطوع في إيران، وحصر الموضوع في الحرس الثوري وقوات “الباسيج”، في الوقت الذي تمول فيه مكاتب من هذا النوع في العراق.

ويقول الكاظمي لـ”” إن “سحب طاقات شبابية وتغريرها بالمال والعاطفة الدينية وأخذها إلى سورية في الوقت الذي يحتل فيه “داعش” ثلث مساحة العراق، يجيب عن أسئلة كثيرة حول إيران وما تقوم به في العراق”. ويبيّن أنّ “محاولة الحكومة التغاضي عن ذلك بمثابة سكوتها على سرقة شبابنا عبر خداعهم والعودة بهم جثثاً هامدة”.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، هاجم أشقاء أحد الشبان الذين قُتلوا في سورية منزل أحد عناصر مليشيا “عصائب الحق”، قيل إنه متورط بتجنيد شقيقهم وخداعه بالمال في بلدة الشعلة شمال غربي بغداد، أحد أبرز معاقل المليشيات في بغداد.

وفي العادة، فإن قوات الجيش أو الشرطة لا تتدخل في تلك الملفات التي تعتبرها خارج إطار مهامها اليومية. وأطلق عدد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” حملة واسعة لتجنيد المقاتلين في العراق لصالح نظام الأسد، مقابل مبالغ مالية بلغت 1500 دولار شهرياً، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في العراق. وأثارت الحملة استنكاراً واسعاً من قبل العراقيين، خصوصاً أولياء الأمور، والذين أكدوا عدم قدرتهم على السيطرة على أبنائهم بسبب الخطاب الديني المتطرف.


تجنيد المقاتلين في العراق لصالح نظام الأسد، مقابل 1500 دولار شهرياً

ونشرت حسابات شخصية وصفحات عامة على موقع “فيسبوك” إعلانات موحدة منذ مساء الخميس جاء فيها: “عاجل ولفترة محدودة. لمن يرغب للقتال في سورية لردع التنظيمات التكفيرية براتب 1500 دولار شهرياً. علماً أن المراجع شرعوا القتال في سورية وسيلتحق المتطوع مع كتائب الإمام علي (ع)”.

ووضعت مع الإعلان الذي جاء موحداً في صيغته على جميع الحسابات أرقام هواتف عراقية محلية جاء فيها (يمكنكم الاتصال: 0771411229، 07714142282، 07811020301، 07730069177).

وأرفق الإعلان بصورة لقائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني. وفي إعلانات أخرى، أُرفقت صور لقبة السيدة زينب في سورية كتب عليها “لن تسبى مرتين”. فيما ورد إعلان آخر بصيغة مختلفة أكثر تفصيلاً جاء فيه: إخوان “المقاومة الإسلامية” بسورية، تدافع عن السيدة زينب بحاجة إلى 600 مجاهد يستطيعون حمل السلاح والدفاع عن مرقد العقيلة.. علماً أن جميع حقوقه محفوظة من الراتب 1500 دولار، ومدة صعوده هي 45 يوماً، ورجاء لحد يعترض لأن العدو واحد والمقدسات وحدة والعراق عدد مقاتليه كاف ويوجد باب للتطوع هنا لمن يرغب يتصل على الرقم: 07714112292، 07714112282″.

وذُيل الإعلان باسم كتائب الإمام علي، كما جاء في حساب لجهاز مكافحة الإرهاب بالعراق. ومن غير المعروف إن كان الإعلان نفسه تابعاً للجهاز الذي يشرف عليه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وعلى الرغم من وجود مكاتب علنية في العراق لتجنيد المقاتلين لصالح الأسد، إلا أن أولياء الأمور يرون في اختراق من يصفونهم بشبكات تجنيد المقاتلين لمنازلهم عبر الإنترنت خطراً حقيقياً على أبنائهم، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت محركاً لها.

وتجنّد مكاتب التطوع بمختلف أشكالها، وفقاً لمصادر حكومية عراقية، بشكل شهري ما بين 300 الى 400 مقاتل غالبيتهم من الشبان المنحدرين من أسر فقيرة ومن سكان العشوائيات والضواحي الفقيرة. ويتقاضى المتطوع في البداية مبلغ ألف دولار كمنحة له، فيما يتقاضى مرتباً ثابتاً لدى وصوله إلى الأراضي السورية يبلغ 1500 دولار بحسب الإعلانات التي تروجها تلك المكاتب، أو ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي. وتجد مكاتب التجنيد في تلك المناطق بيئة خصبة لقبول التطوع بسبب الفقر وقلة التعليم، بحسب المراقبين.


رفض المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء الإدلاء بأي تصريح لـ”” حول حملات التجنيد

ورفض المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الإدلاء بأي تصريح لـ”” حول حملات التجنيد في العراق لصالح نظام الأسد. لكن مسؤولاً رفيعاً في وزارة الداخلية ببغداد أكّد “عجز الحكومة عن فعل شيء حيال تلك الحملات كونها محمية من قبل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي”. وأوضح المسؤول، والذي طلب عدم نشر اسمه، أن “تلك المكاتب تجند الشباب، وغالباً ما يعودون جثثاً هامدة بعد شهرين أو ثلاثة، ويتم إسكات ذويهم بالمال وبفتاوى الشهادة والفردوس”، على حدّ قوله.

وأوضح المسؤول نفسه أن هناك 11 مكتباً في العراق تعمل على التجنيد وتكثيف الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن وضع أرقام الهواتف بهذا الشكل قد يشير إلى وجود حاجة لمقاتلين إضافيين في سورية للقتال هناك على إحدى الجبهات”. وتساءل “لم لا يوجد مكاتب مشابهة في إيران ما دامت برعاية خامنئي ويتم فتحها فقط بالعراق، وهذا ما يتم طرحه حالياً. لكن هناك خطوطاً لا يمكن للعبادي أو أي مسؤول في الحكومة تجاوزها”، على حدّ قوله. واستدرك بالقول إن “الفقر والجهل والعاطفة الدينية هي من تدفع الشباب للذهاب إلى المحرقة السورية والمال مدفوع من إيران”.


هناك 11 مكتباً في العراق تعمل على التجنيد وتكثيف الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي

من جهته، رأى عضو لجنة الأمن في البرلمان العراقي حسن جهاد، أنّ “مكاتب التطوع للقتال في سورية ليست جديدة في العراق، وهي مستمرة بكسب المتطوعين من الشباب العراقي، وهي بعلم الدولة ولا تخفى على أحد”.

وأكّد أنّ “التحالفات الدولية من إيران وحزب الله والنظام السوري تجنّد الشباب ومنهم الشباب العراقي لدعم نظام بشار الأسد”، مشدّداً على أنّ “هذه المكاتب وهذه التحرّكات تؤثّر سلباً على سيادة العراق وعلى أمنه”، معرباً عن أسفه “لعدم قدرة الحكومة على التحرّك نحو ذلك وضبط المليشيات وضبط الملف الأمني”.

وخلص إلى القول إن “القوات أصبحت أقوى من قوة الحكومة، وأنّ رئيس الوزراء العبادي لا يستطيع معالجة هذه التحركات أو السيطرة عليها”.