لم ينته التراشق السياسي في الجزائر بين أحزاب المعارضة والموالاة بشأن مشروع مسودة الدستور الجديد الذي وضعه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، والذي يُعرض على البرلمان، يوم الأحد المقبل. وأعلنت بعض أحزاب المعارضة الرافضة للدستور مقاطعتها لجلسة التصويت على المشروع، وسط توقعات بأن يثير ذلك ارتدادات سياسية عميقة في البلاد.

في هذا السياق، يصف أقدم أحزاب المعارضة الجزائرية، “جبهة القوى الاشتراكية”، مشروع الدستور بـ”العنف الجديد الذي تمارسه السلطة ضد الجزائريين”. وعزا الحزب في بيان أصدره أخيراً، موقفه إلى أنّ “الإعلان عن التعديلات في الدستور من قبل الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، جاء بعد إقصاء الرأي المخالف. وهذه التعديلات لا تخدم الشعب الجزائري وتهدد الاستقرار والانسجام الوطنيين”. وأعلن الحزب مقاطعته لجلسة التصويت على الدستور. ولفت بيان “الجبهة” التي قادها الزعيم الجزائري الراحل حسين ايت أحمد، إلى أن الجزائر تشهد أزمة متعددة الأوجه السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية”، مشيراً إلى أن “الخروج من هذه الأزمة التي تتفاقم وتتوسع هوتها يوماً بعد آخر نظراً لحالة الاحتقان الاجتماعي التي يعيشها الجزائري لا تكون بنص قانوني. لذلك، قررت كتلة الحزب في البرلمان عدم المشاركة في جلسة التصويت التي كان مقرراً عقدها، أمس الأربعاء، قبل أن يتم تأجيلها إلى الأحد المقبل”.


أعلن تكتل “الجزائر الخضراء” مقاطعته لجلسة التصويت على الدستور الجديد

بدوره، أعلن تكتل “الجزائر الخضراء” الذي يضم ثلاثة أحزاب من “التيار الإسلامي”، وهي: حركة “مجتمع السلم”، وحركة “الإصلاح”، وحركة “النهضة”، رفضه للتعديلات جملة وتفصيلاً. وطالب التكتل بـ”دستور توافقي لا تلفيقي”.
يشرح القيادي في حركة “مجتمع السلم”، ناصر الدين حمدادوش، أبرز الاعتراضات على مسودة الدستور الجديد لـ”، قائلاً إن ” طبيعة النظام السياسي لا تزال هجينة، بحيث يحكم الرئيس بالصلاحيات المطلقة ولا يتحمل أيّة مسؤولية في الإخفاق، وهو ما يجعل الأغلبية لا معنى لها”. ويلفت إلى أن “هناك تراجعاً عن اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات، فأصبحت كلّها بالتعيين مع تغييب الأحزاب، وآليات ضمان استقلاليتها، ما يسقط نزاهة الانتخابات”.

من جهته، يؤكد المتحدث باسم حركة “النهضة”، محمد حديبي، لـ””، أن “نواب الحركة ضمن كتلة التكتل الإسلامي قرروا عدم المشاركة في هذه المسرحية السياسية التي تريد السلطة أن تخرجها وحدها وتكتب نصّها، وتزين ديكورها بنواب من البرلمان”، على حد قوله. ويبيّن حديبي، أنّ “التعديل الدستوري عبثي وغير توافقي. الواضح، أنه تمّ الانقلاب على الإصلاحات السياسية والدستورية، وبدا التراجع الكبير عن التعديل الجذري والشامل والعميق الذي وعد به الرئيس بوتفليقة عام 2011″.

والتحقت جبهة “العدالة والتنمية” الجزائرية بالكتل الرافضة للدستور الجديد والمعترضة على جلسة التصويت. ويقول المتحدث باسم الحزب، لخضر بن خلاف لـ””، إنّ “التعديلات تتغير بتغيير الرجال”، لافتاً إلى أنّ “هناك قوانين عدة منصوص عليها في الدستور الجديد تحتاج إلى مناقشة معمّقة وتعديلات، ولا يمكن أن نناقش التعديلات في أكبر وثيقة تحكم البلاد في صالونات مغلقة أو خلال فترة وجيزة، أو في إطار محدود أو حتى عبر المنابر الإعلامية”، على حدّ تعبيره.

اقرأ أيضاً: بوتفليقة يقر حل جهاز المخابرات الجزائرية واستبداله بجهاز جديد

في المقابل، تحشد أحزاب أخرى منذ أسابيع لتمرير مسودة الدستور. ويعتبر الأمين العام لحزب “جبهة التحرير الوطني” الحائز على الأغلبية في البرلمان، عمار سعداني، وهو أبرز عرابي دستور بوتفليقة، أن المسودة تؤسس للدولة المدنية وتنهي فوضى النظام السياسي الهجين الذي كان يحكم الجزائر. وقال سعداني، في مؤتمر شعبي، أخيراً، إن “الدستور المقبل للدولة الجزائرية، جاء بآليات تؤسس لدولة الحق والقانون، وتتيح حرية الصحافة والعدالة”.


يحتاج الدستور الجديد إلى 454 صوتاً في البرلمان من أصل 606 من أعضاء غرفتَي البرلمان الجزائري، ليصبح ساري المفعول

من جهته، يدافع الأمين العام لـ”التجمع الوطني الديمقراطي”، أحمد أويحي، الذي يشغل منصب مدير ديوان الرئاسة، عن مشروع الدستور، معتبراً إياه “نتاج توافق سياسي بعد استشارات موسعة مسّت مختلف أطياف الشعب الجزائري من مجتمع مدني، وشخصيات سياسية، ومختلف الحساسيات السياسية”. كما يؤكد، أنّ هذا المشروع، “يعيد التوازن عبر منح صلاحيات للبرلمان وصلاحيات أوسع للمعارضة البرلمانية، وترسيم اللغة الأمازيغية، وتحديد العهود الرئاسية”. من جهته، يرى رئيس “حزب أمل الجزائر”، عمار غول، أنّ التعديلات الدستورية مكسب وطني لأغلب الجزائريين، وهو استجابة واضحة لمطالبات سياسية واجتماعية”.

ولا ينعكس الفارق السياسي الكبير بين مواقف المعارضة والمولاة إزاء مسودة الدستور في هذا الجانب فقط، بل اتخذ الخلاف في الفترة الأخيرة شكلاً من العنف اللفظي، خصوصاً من قبل قادة أحزاب الموالاة، إذ سبق للأمين العام لحزب “التجمع الوطني الديمقراطي، أن وصف أحزاب المعارضة بـ”الخلاطين والمشوشين”.

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي رضوان عطاء الله، أن “هناك صراعاً جدياً وميدانياً بين السلطة والمعارضة بشأن الدستور، لافتاً إلى أنّ الطريقة التي فاجأت فيها كتل المعارضة، السلطات في رفض قانون المالية، والتي صنعت منها الحدث أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، كانت لها ارتدادات سلبية على توجهات السلطة. وهو ما دفع الأخيرة إلى وضع كل الاحتمالات في الحسبان لتمرير وثيقة الدستور بأقل الخسائر الداخلية والخارجية، لعدم السماح للمعارضة بإفساد عرس السلطة”، على حدّ تعبيره.

وكان المجلس الدستوري منح الضوء الأخضر للرئيس الجزائري لعرض مشروع التعديلات الدستورية على البرلمان من دون تمريره على الاستفتاء الشعبي، على اعتبار أنه لا يمس بـ”المبادئ الأساسية للمجتمع وتوازنات السلطة”. ويحتاج الدستور الجديد إلى 454 صوتاً في البرلمان من أصل 606 من أعضاء غرفتَي البرلمان الجزائري، ليصبح ساري المفعول، ويعيد فتح ورشات جديدة لتعديل سلسلة من القوانين وتكييفها مع ما نصّ عليه الدستور الجديد.