تراقب إيران والأحزاب الموالية لها في العراق تحركات السفير السعودي في بغداد، ثامر السبهان، أخيراً، بقلق بالغ، بعد نجاحه، خلال شهر واحد فقط من بدء مهامه في العراق، في عقد لقاءات عدة مع قيادات من مختلف المكونات العراقية (سنية وشيعية وكردية ومسيحية وممثلين عن طوائف وأقليات أخرى شمال ووسط وجنوب البلاد)، إذ تجد طهران في هذه التحركات محاولة لإزاحتها عن مرتبة التفرد بملفات عدة في العراق، التي لا طالما كانت تسيطر عليها منذ سنوات طويلة.

طيلة السنوات 13 الماضية التي أعقبت احتلال العراق، ظلّت الساحة الدبلوماسية في البلاد رهينة معسكرَين إيراني وأميركي، ما أدى إلى تفاقم الأزمات في العراق نتيجة تضارب أجندات الطرفَين. وهو ما يدفع عدداً من المراقبين للقول، إن الدبلوماسية السعودية التي دخلت على الخط، أخيراً، من الممكن أن ينتج عنها توازان إيجابي في البلاد من نواحٍ عدة.


نجح السبهان في فترة قصيرة من بدء مهامه، في عقد لقاءات مع طوائف عراقية مختلفة فشل نظيره الإيراني في اللقاء مع بعضها

وأكملت السفارة السعودية شهرها الأول في بغداد، مطلع هذا الأسبوع، إذ باشرت عملها، في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 2015، مع وصول السفير، ثامر السبهان، إلى بغداد، كأوّل سفير سعودي في العراق منذ 25 عاماً، إثر قطع العلاقات بين البلدين بعد الغزو العراقي للكويت. وعلى الرغم من التوازن الذي أحدثه السبهان في زياراته واجتماعاته التي شملت مختلف مكوّنات البلاد، تعرّض لانتقادات وحملات تحريض لا تزال مستمرة من حزب “الدعوة” بزعامة نائب رئيس الجمهورية، نوري المالكي، وأحزاب وحركات ومليشيات مسلّحة تتبنى الأجندة الإيرانية وتموَّل منها.
ونجح السبهان، في فترة قصيرة من بدء مهامه، في عقد لقاءات مع طوائف عراقية مختلفة فشل نظيره الإيراني في لقاء بعضها، إذ اجتمع بممثلين وقادة عن كتل وأحزاب سياسية سنية، وشيعية، وكردية، فضلاً عن المسيحية، والصابئية، واليزيدية، والتركمانية.

ووفقاً لوزير عراقي بارز في حكومة العبادي، فإن تحركات السفير السعودي سبّبت قلقاً لإيران التي لم تخف منذ البداية انزعاجها لعودة العلاقات الدبلوماسية بين بغداد والرياض. ويضيف الوزير لـ””، أنّ “سبب ذلك يعود إلى شعور طهران أنّها لم تعد بمفردها في الساحة العراقية، فضلاً عن تفاعل الكتل السياسية مع السفارة السعودية ولقاءاتهم بالسفير السعودي”. ويرى الوزير نفسه أنّ “بعض الذين تحفظوا في السابق على السفير السبهان، غيّروا رأيهم، أخيراً، بسبب إيجابية تحركاته، خصوصاً بعد حديثه عن ضرورة وحدة العراق أرضاً وشعباً، ومهاجمة التنظيمات المتشددة، وإعلان استعداد بلاده لدعم البلاد في هذا المجال”. ويوضح الوزير أنّ “الحملة التي تشنها أطراف سياسية ومليشيات ضد السفير مطالبة باستبداله، ومرة بإغلاق السفارة، هي أصوات إيرانية”، على حد قوله.

ويرى مراقبون وخبراء في الشأن العراقي، أنّ التحرك السعودي يمهّد لتغيير الصورة السياسية في البلاد بشكل أكثر إيجابية، متناغماً مع التوجه الأميركي الذي يدفع نحو مشاركة حقيقية لكل القوى العراقية من دون أي إقصاء أو تهميش، وإصلاح النظام القضائي والمؤسستَين العسكرية والأمنية.

من جهته، يقول رئيس اتحاد القوى العراقية، أحمد المساري لـ””، إن “فتح العلاقات مع الدول العربية أمر ضروري للعراق، ولمسنا أهمية ذلك أكثر بعد عودة السفارة السعودية إلى البلاد”. ويشدد المساري على أن “العراق جزء من الأمة العربية ويجب ألا تترك الساحة لطرف إقليمي واحد. ونحن بدورنا نشجع تحركات السفير، فهي متّزنة وإيجابية وتصبّ لصالح العراق ككل. كما أنّ السفير يتحدث إلى كل العراقيين، وهي بطبيعة الحال سياسة الرياض العامة”، على حدّ تعبيره. وحول الهجوم الذي يتعرض له السفير والحملة المضادة من كتل سياسية، يقول المساري، إنّ “الحملة من أطراف معروفة لأغراض سياسية وإرضاءً لأطراف خارجية معروفة، وأهدافها طائفية وسياسية”.


يرى مراقبون أنّ التحرك السعودي يمهّد لتغيير الصورة السياسية في البلاد بشكل أكثر إيجابية، متناغماً مع التوجه الأميركي

وأطلق السبهان تصريحات من بغداد، خلال حوار تلفزيوني، أخيراً، لاقت اعتراضات واسعة من المليشيات وأحزاب موالية لإيران، أبرزها: “الدعوة” و”الفضيلة”، و”بدر” و”العصائب”. ومما قاله السفير السعودي في العراق إنّ “مليشيات الحشد الشعبي لا تلقى قبولاً من العراقيين، ودليل ذلك، رفض أهالي الأنبار والأكراد دخولهم إلى مناطقهم”.

بدوره، يرى ممثّل “الجبهة التركمانية” في البرلمان العراقي، حسن توران، أن “الدور العربي تأخر كثيراً في الدخول إلى الساحة العراقية، وهذا أثّر بشكل سلبي على التوازن والمعادلة السياسية في البلاد”، مضيفاً لـ””، أنّ “الجهد الدبلوماسي العربي سيعطي دلالة على اهتمام الدول العربية في العراق. وهي رسالة إيجابية لنا ونرحب بالتحركات الدبلوماسية سواء سعودية أم عربية”.

من جهته، يرى الخبير في الشؤون السياسية العراقية، الأستاذ في جامعة بغداد، حميد الموسوي، في حديث لـ””، أن “تحركات السفير السعودي، على الرغم من كونها إيجابية وعلنية على عكس تحركات دول أخرى، جوبهت بالرفض من بعض الأطراف، ومنها على سبيل المثال، المالكي والجناح الذي يمثله، والذي بات يطلق عليه جناح الموالاة”. ويعتبر الموسوي أن “هذه إشارات إيجابية إلى أن الدخول العربي للساحة العراقية ومساعدته في ملفات عدة سيكون له تأثير كبير في إعادة ضبط بوصلته”، على حدّ قوله.

اقرأ أيضاً نائب ساخراً: ارفعوا “العراق للبيع”..بدلاً من بيعه على دفعات