باتت السياسات التي تتبناها القوى العظمى في منطقة الشرق الأوسط تبدو متناقضة ومتضاربة في كثير من الأحيان، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.

وتعرضت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للكثير من الانتقادات على مدار العام أو العامين الماضيين جراء دوافعها المتضاربة بشأن سياستها في منطقة الشرق الأوسط.

ففي الوقت الذي أجرت فيه واشنطن اتفاقاً نووياً مع إيران وتعاونت ضمنياً مع طهران في حربها ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق، لا يوجد تعاون بينهما فيما يتعلق بالحرب في سوريا، حيث تتضامن إيران كلياً مع حكومة الأسد، بينما تستمر أميركا في دعم المعارضة السورية المعتدلة.

تبدو العلاقات الأميركية الإيرانية الإقليمية مليئة بالتناقضات. ومن السهل التوصل إلى أن تلك التناقضات ناجمة عن ضعف إدارة أوباما وتفكك سياساته، وفق تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، الثلاثاء 2 فبراير/شباط 2016.

روسيا و"داعش"

التناقض يطال أيضاً السياسات الروسية، ففي الوقت الذي لا تؤيد روسيا "داعش"، وتعتقد أن التنظيم يخطط لشن هجمات إرهابية داخل روسيا ذاتها، فإن التدخل الروسي في سوريا لا يستهدف فعلياً مواقع التنظيم، بحسب تقرير الصحيفة الأميركية.

ووفقاً لما ذكرته ليز سلاي بصحيفة "واشنطن بوست" أيضاً، فإن استراتيجية روسيا تقوم على دعم حكومة الأسد في حربها ضد المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة.

وقد حقق ذلك الدعم مكاسب عسكرية، ولكنه عرض روسيا لانتقادات من وزير الخارجية البريطاني، تشير إلى أن روسيا تساعد "داعش".

في حالة سوريا، قرر بوتين أن ما يهم هو بقاء حليفه في السلطة، حتى إذا كان ذلك يعني دعم تنظيم داعش. وسوف يضطر ذلك الولايات المتحدة بصورة منطقية إلى الاختيار بين الأسد والتنظيم، وسوف تختار واشنطن الأسد.

أفغانستان وطالبان

وحينما ننتقل من سوريا إلى أفغانستان، فإن سياسة روسيا قد تغيرت أيضاً. ويشير وزير الشؤون الخارجية الأفغاني، جويد أحمد، إلى أن موسكو وجدت حليفاً جديداً في آسيا الوسطى.

وتجد جماعة طالبان، التي كانت منبوذة من قبل، أن العديد من الأطراف الإقليمية القوية أصبحت تتودد إليها.

فقد تحولت روسيا – العدو التاريخي للجماعة – أخيراً إلى طالبان من أجل تبادل المعلومات الاستخبارية بشأن عدوهما المشترك المتمثل في تنظيم داعش.

وقال زامير كابولوف، مبعوث روسيا الخاص إلى أفغانستان: "تتوافق مصالح طالبان مع مصالحنا".

وأضاف كابولوف، ضابط الاستخبارات الروسية السابق الذي تفاوض مع قادة طالبان في منتصف التسعينيات بعدما أسقطت الجماعة طائرة روسية واحتجزت 7 رهائن روسيين: "تنظيم طالبان في أفغانستان وباكستان قال إنه لا يعترف بخلافة أبي بكر البغدادي. وهذا أمر هام للغاية".

ومع ذلك، فإن هذا التحالف قصير الأجل يهدد بمخاطر أمنية تضر بمصالح أفغانستان والإقليم بأكمله.

ما الذي شجع روسيا على التعاون مع طالبان؟

هناك سببان، وفقاً لما ذكره وزير الشؤون الخارجية الأفغاني: أولهما أن روسيا تفتقر إلى الحلفاء المحليين في أفغانستان. وترى موسكو أن وجود طالبان كحليف أفضل من عدم وجود أي حلفاء على الإطلاق.

والسبب الثاني هو أن انتكاسات روسيا داخل سوريا قد بدأت تثير مخاوف روسيا.

وتخشى موسكو تنامي قدرات تنظيم داعش على حدودها، خاصة بعدما شنت روسيا أواخر العام الماضي حملة جوية لدعم حليفها الأسد في سوريا واستهداف المعقل الرئيسي للتنظيم.

ويوجد في روسيا نحو 16 مليون مسلم، معظمهم من السنة ويقطنون بصفة رئيسية شمالي إقليم القوقاز. وتبلغ نسبة السلفيين من بين مسلمي روسيا نحو 5% ويمثلون النمط الإسلامي المتشدد الذي يعتنقه تنظيم داعش.

وفي إقليم القوقاز، يرتبط تنظيم إمارة القوقاز ارتباطاً وثيقاً بجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، فيما يمثل إقليم الدولة الإسلامية بالقوقاز أحد أجنحة "داعش".

ورغم أن روسيا اعتبرت أن انتشار تنظيم داعش بمثابة نعمة؛ نظراً لأنه لفت أنظار أميركا بعيداً عن أوكرانيا واجتذب المقاتلين خارج منطقة القوقاز، إلا أنه أصبح حالياً بمثابة عقبة كبرى.

وتشير تقديرات الاستخبارات الروسية إلى أن نحو 2400 شخص من إقليم القوقاز انضموا لـ"داعش".

تضارب روسي

تدخلت روسيا في سوريا بأسلوب يساعد على دعم تنظيم داعش، ولكنها تشعر بالقلق الشديد الآن جراء قدرة التنظيم على التأثير واجتذاب المسلمين الروس.

ولا تؤدي أي من تلك التحركات إلى تبرير أخطاء الولايات المتحدة في المنطقة. وقد يكون من الصعب للغاية أن تسعى أي دولة عظمى إلى التوصل إلى سياسة متماسكة طويلة الأجل في إقليم الشرق الأوسط الكبير.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة Washingtonpost الأميركية، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.