ماهر شاويش - العربي الجديد

مصطفى شاب ثلاثيني في مقتبل العمر من فلسطينيي سورية في تركيا، يجزم بأنه لم يكن ليفكر في ركوب قوارب الموت والهجرة إلى أوروبا لو كان يعيش وضعًا قانونيًا سليمًا في تركيا، فالسنوات الثلاث التي قضاها في تركيا دون إقامة، وبلا إذن عمل، شكلت عليه وعلى عائلته المكونة من خمسة أفراد عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا، دفعه بقوة إلى المخاطرة بفلذات أكباده والمغامرة بركوب البحر بحثًا عن وضع قانوني يضمن له حياة كريمة.

ويضيف باختصار: تركيا مع إقامة وإذن عمل أقرب إليّ كبيئة حاضنة من أي بلد أوروبي آخر. تختزل قصة مصطفى معاناة قرابة ثمانية آلاف لاجئ من فلسطينيي سورية هم من تبقى من عشرات آلاف انتهى بهم المستقر في أوروبا بعد أن دخلوا تركيا من حدودها الشمالية وبطريقة غير شرعية نظرا لعدم منح السفارات التركية تأشيرات دخول لهم ما فرض عليهم تحديات قانونية جعلت تركيا بالنسبة إليهم لاتعدو محطة عبور؟! فالحكومة التركية لم تكن تعترف باللاجئين الفلسطينيين القادمين من سورية خلافا لكل الأعراف الدولية وبالتالي فهم لايتمتعون بأي حقوق واعتبرت وجودهم غير شرعيًا ولا تشملهم رعاية الأونروا أو مكاتب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ؟!

مساعي حثيثة في شباط/ فبراير من عام 2014 استطاعت مؤسسات فلسطينية مدنية كمركز العودة الفلسطيني ومجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية والجمعية التركية للتضامن مع فلسطين فيدار استطاعت تحريك ملف فلسطينيي سورية لدى الحكومة التركية وأثمر ذلك عن صدور قرار في 19 شباط من ذات العام يسمح للفلسطينيين السوريين الداخلين إلى البلاد بطريقة غير شرعية بالحصول على تسوية وضع أي ختم دخول مع إقامة لمدة ستة أشهر أو سنة .

وقد اشترطت الحكومة التركية أن يكون ذلك بالتنسيق مع المستوى الرسمي الفلسطيني ممثلًا بالسفارة الفلسطينية في أنقرة التي مضت في تنفيذ القرار إلا أنّ الدفعة الأولى من طالبي الاقامة استغرقت مدة سبعة أشهر للحصول على التسوية وبالتالي وصلتهم الإقامات شبه منتهية فضلاً عن أنّ التكلفة المادية الباهظة بسبب سفر جميع أفراد العائلة أكثر من مرة لإتمام المعاملة منع البعض من متابعة العملية الإجرائية فلم تحصل الدفعة الثانية من طالبي تسوية الوضع على إقامات ؟!

تعاملت الحكومة التركية مع موضوع الاقامات عن طريق فروع مايسمى "الأمنيات" وهي جهة أمنية تتبع لوزارة الداخلية وذلك حتى بداية آب أغسطس من عام 2014 حيث أصدرت حزمة قوانين جديدة تنقل هذا الملف بالكامل إلى إدارة جديدة استحدثتها لهذا الغرض هي الادارة العامة للهجرة وكان ذلك نتيجة مباشرة للتقدم الحاصل في المفاوضات بين تركية والاتحاد الأوروبي لحسم ملف اللاجئين مقابل منح المواطنيين الأتراك حق الدخول إلى أوروبا دون تأشيرة.

لم تتضح بدقة نتائج تلك المستجدات وانعكاسها على الوضع القانوني لفلسطينيي سورية وظل الجميع ينتظرون شروحات تنفيذية أكثر تفصيلا لكن بالعموم مارشح أشار إلى أنّ الفلسطيني السوري الحامل لوثيقة السفرالسورية لم يستفد من القرارات الجديدة وبقي يعامل كما في السابق فلا يحصل على الإقامة؟! ما الجديد؟

في بداية العام الحالي 2016 عاودت مؤسسات فلسطينية مدنية أبرزها هيئة علماء فلسطين في الخارج والجمعية التركية للتضامن مع فلسطين – فيدار وهيئة فلسطين الخيرية التواصل مع الجهات الرسمية التركية وتقديم شروحات تفصيلية وإحصائيات موثقة عن أوضاع فلسطينيي سورية في تركية وتجاوبت الحكومة التركية مع مضامين الرسالة التي أبرقت بها هذه المؤسسات وتم عقد لقاء مع مستشار رئيس الوزراء التركي لشؤون اللاجئين الدكتورمحمد مرتضى يتيش ونتج عنه توافق على تعميم صيغة من البيانات تخص فلسطينيي سورية في تركيا تقوم هذه المؤسسات بجمعها ليصار إلى التعامل معها من أجل إتمام إجراءات منح الإقامة لهم على أن يتم ذلك عبر السفارة الفلسطينية في تركيا وبرعايتها وهو ماتم التفاهم على آلياته وطرقه من خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها السفير الفلسطيني في تركيا الدكتور فائد مصطفى قبل أيام إلى الجمعية التركية للتضامن مع فلسطين – فيدار- بحيث ستبدأ العملية الإجرائية خلال أيام قليلة قادمة وترفع إلى الحكومة التركية في أقرب وقت ضمن الربع الأول من هذا العام 2016.

خلاصة القول: إنّ حل مشكلة فلسطينيي سورية في تركيا تبدأ بتسوية أوضاعهم القانونية بما يتلاءم مع وجه تركيا الحضاري المساهم في وضع شرعة حقوق الإنسان والذي قدمت فيه تركيا نموذجًا متقدمًا لاحتضان ملايين اللاجئين في العالم وإنفاقها مليارات الدولارات عليهم وبدورها في حماية المستضعفين وإيواء المظلومين وهو مايفتح الباب أمام فلسطينيي سورية لدخول سوق العمل بعد أن تمهد الاقامة لخطوة تراكمية يحصل من خلالها على إذن العمل ماينعكس إيجابياً على استقراره الاقتصادي والاجتماعي وما قد يساهم بقوة في الحد من الهجرة وربما يغلق هذا الباب مرة واحدة فالعمل ليس قيمة اقتصادية فحسب وإنّما أمان اجتماعي أيضاً فالبطالة تولّد التهميش والتهميش يفتح الباب واسعًا أمام آفات مجتمعية كلا الطرفين في غنى عنها لاسيّما إذا علمنا أن هناك آلاف من فرص العمل في أماكن انتشار وتواجد فلسطينيي سورية وأنّ الفلسطيني مشهود له بالكفاءة والخبرة وارتفاع نسبة التعليم مقارنة بغيره من الشعوب.

وأخيرًا وما لايمكن التغاضي عنه وإغفاله هنا فإن خطوة متقدمة تجاه فلسطينيي سورية ككل وليس فقط المتواجدين على أراضيها من قبل الحكومة التركية-منح تأشيرات دخول- قد تحقن دماء الكثيرين منهم وتنسجم مع موقفها الداعم للقضية الفلسطينية وتشكل أصدق تعبير عمّا يكنّه الشعب التركي لفلسطين ولشعبها وهو ما يجب أن يكون في دائرة الاهتمام وعلى جدول أعمال وأجندة كافة الجهات الفلسطينية المسؤولة.