عندما سُئل جيب بوش، المرشح الجمهوري الفاشل لانتخابات 2016 الرئاسية الأميركية، حول رؤيته للسياسات الأميركية الخارجية، أكد أن الولايات المتحدة لم تعد تتمتع بـ”المصداقية” التي كانت تتمتع بها سابقاً، قائلاً: “لدينا قوة عسكرية، وقدرات استخباراتية كبرى، ولكن بسبب سياسات (الرئيس الأميركي باراك) أوباما لم يعد العالم يصدقنا”. وعزا بوش تراجع مصداقية الولايات المتحدة، إلى كونها لم تعد “قائدة” للمجتمع الدولي.

بوش، والذي خدم كحاكم لولاية فلوريدا بين 1999 و2007، يعاني من المشكلة نفسها، التي تعاني منها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في حملتها الانتخابية، وهي الارتباط بإرث غيرها. فبينما تتشابك حملة هيلاري، بإرث زوجها بيل كلينتون، رئيس الولايات المتحدة في الفترة ما بين 1993 و2001، وإرث أوباما الذي تولّت حقيبة الخارجية خلال ولايته الأولى، يأتي وضع جيب بوش أكثر تعقيداً.

فبوش، المتخصص أكاديمياً بشؤون أميركا اللاتينية، هو ابن جورج بوش الأب، الرئيس الـ41 للولايات المتحدة، في الفترة ما بين 1989 و1993، وأخ لجورج بوش الابن، الرئيس الـ43 للولايات المتحدة في الفترة ما بين 2001 و2009. وإذا كان ارتباط جيب بسياسات والده ضعيفا، وغير مطروح إعلامياً، نظرا لبُعد فترة حكمه، إلا أن جيب عالق أكثر، بسياسات أخيه.


دائماً ما ظهر جيب بوش خلال حملته الانتخابية مدافعاً عن سياسات أخيه في العراق

دائماً ظهر جيب بوش خلال حملته الانتخابية مدافعاً عن سياسات أخيه في العراق، وفي الحرب على “الإرهاب”، من خلال الجزم بأن المشكلة بدأت بسبب سياسات أوباما تجاه العراق، أو بحسب وصف جيب، “لأن أوباما يريد أن يحقق وعوده الانتخابية بالانسحاب من العراق، بدلاً من تحقيق الأفضل للأمن القومي الأميركي”، متجاهلاً أن جدولة الانسحاب الأميركي من العراق جاءت على يد أخيه، وأن أخيه قاد حرب احتلال مرفوضة من المجتمع الدولي، حتى من أقرب حلفائه حينها.

مواجهة “داعش”

ورأى جيب بوش أن تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، من أهم أدلة فشل سياسات أوباما في المنطقة. بل تحدث عن فشل أوباما حتى على مستوى توصيف المشكلة على حقيقتها، إذ قال بوش: “داعش برابرة، هذا الرئيس (أوباما) لا يصفهم حتى بما هم عليه، حتى إنني لم أسمعه يوماً يطلق عليه اسم إرهاب إسلامي”. وأعاد هذه النقطة مرتين في مقابلته مع قناة “فوكس نيوز” في أغسطس/آب الماضي، وكأنه يريد أن يوحي بأن أوباما متعاطف مع المسلمين، ولذا لا يريد أن يتحدث عن “داعش” باعتباره “إرهاباً إسلامياً”.

وتحدث بوش عن تعاطي أوباما مع “داعش” بقوله: “لقد كرر مرتين أنه بلا استراتيجية للتعامل مع داعش… الرئيس أوباما لم يتخذ خطوات من أجل ردعهم، مما جعلهم نقطة جذب للمقاتلين من خلال تصوير أنفسهم باعتبارهم الطرف الأقوى في المنطقة”.

رؤية جيب بوش لمسألة “داعش” هي مزيج متناقض ورديء بين أدبيات الفيلسوف السياسي الأميركي صامويل هنتنغتون، صاحب نظرية “صدام الحضارات”، الإسلام مع الغرب، باعتباره عدواً كلياً للأميركيين، وبين رؤية أوباما للقضية، باعتبارها مشكلة عراقية طائفية نتجت عن تهميش السنّة. وقال بوش:” يجب أن نسميه (داعش) كما هو “إرهاب إسلامي”. إنهم يريدون تدمير الحضارة الغربية”. وأضاف: “داعش ليس مشكلة إقليمية بعيدة عن أميركا، داعش تهديد لمصالح أميركا… هو تهديد للشعب الأميركي، وتهديد لإسرائيل التي يهتم بها الأميركيون”.

أما عن هجومه على أوباما، فعندما قام بوش بتوصيف نشأة “داعش” في العراق، ومن أجل ألا يُلقي باللوم على سياسات أخيه، اعتبر المشكلة بدأت مع أمر أوباما بانسحاب القوات الأميركية من العراق. وقال إن “نوري المالكي قام بعزل وتهميش السنّة من العملية السياسية، ووسّع من نفوذ إيران على الحكومة العراقية، مما أدى إلى اصطفاف السنّة مع تنظيم داعش”.

هذا الرأي، أي عزو نشأة “داعش” لتهميش السنّة، هو حجر الأساس في سياسات أوباما تجاه العراق. حيث كان يطالب بإصلاحات سياسية في حكومة بغداد، تضمن تمثيلهم بشكل عادل، وإنهاء عزلة السنّة السياسية، تمهيدا لتجنيد السنّة، مع دعم أميركي، لمحاربة تنظيم “داعش”.

العلاقات الإسرائيلية-الأميركية

رأى جيب بوش أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية تمر بأزمة كبرى، قائلاً: “أوباما دمّر العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، ويجب على الرئيس الأميركي المقبل أن يستعيد هذه العلاقة، ويعيد بناء الثقة بين البلدين”. وربط بوش بين العلاقة بإسرائيل، والعلاقة بالدول العربية، إذ اعتبر أن العرب في حال رؤيتهم للفجوة في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، سيعتقدون بأن أميركا “شريك غير جدي وغير موثوق، فهي لا تدعم حتى إسرائيل”، وأن هذا سيؤدي لمبادرة عربية للتحرك في المنطقة، وربما سيقومون بـ”امتلاك سلاح نووي”. ولخص جيب بوش أزمة بلاده في المنطقة بقوله: “نحن نعمل كجزء من المجتمع الدولي الآن، ولا نقوده كما يجب أن نفعل”.

كما أن جيب بوش مارس العمل المعتاد للمرشحين الرئاسيين الأميركيين بالتقرّب من الإسرائيليين، فأكد، على سبيل المثال، اهتمامه الشخصي بإسرائيل، قائلاً: “زرت إسرائيل لخمس مرات، وأُلهمت من شعبها”. وأضاف: “إسرائيل بلا شك أهم حلفاء أميركا في الشرق الأوسط”. كما أثنى بوش على الوضع السياسي في إسرائيل، وما سمّاه “التنوّع والتعقيد” الذي تتميز به.

هذه النقطة مهمة في خطاب جيب بوش كمرشح للرئاسة، فبوش هاجم أوباما، وهيلاري كلينتون، باعتبارهما يلومان الإسرائيليين على “ما يتعرضون له من إرهاب” بالقول إن المستوطنين هم من مسببات الاضطراب هناك. فاعتبرهما مقصرين في دعم إسرائيل والدفاع عنها.

رفض الاتفاق النووي الإيراني


تعهد بوش بإعادة بناء الثقة بين الولايات المتحدة والأطراف المعادية لإيران في المنطقة

“عدم وجود اتفاق سيكون أفضل من هذا الاتفاق” هذا كان تعليق جيب بوش على الاتفاق النووي الإيراني، باعتباره اتفاقاً “سيئاَ جداً”، وذلك لعدة أسباب. وقال بوش: “إيران لا تعترف بإسرائيل، وتسعى لزعزعة الاستقرار في المنطقة، ولديها صواريخ بالستية بعيدة المدى، كما تمكنت من تطوير قدراتها الدفاعية باستخدام تكنولوجيا روسية متطورة”، كل هذه النقاط لم تُأخذ بالاعتبار في الاتفاق النووي برأي بوش.

وأشار في لقاءات أخرى، إلى “وجود أميركيين رهن الاعتقال في طهران، وهذا ما لم يهتم به أوباما”. وأضاف في إحدى خطاباته: “إيران من أكبر ممولي الإرهاب في العالم، ونحن نعطيها الآن (بفعل الاتفاق النووي ورفع العقوبات) مليار دولار من أجل دعم أجندتها في زعزعة استقرار المنطقة واضطهاد شعبها”. كما رأى أن الاتفاق سيؤدي إلى بدء سباق تسلح في المنطقة، وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة.

وتعهد بوش بإعادة بناء الثقة بين الولايات المتحدة والأطراف المعادية لإيران في المنطقة، خصوصاً إسرائيل ودول الخليج، وبناء تحالف دولي لفرض عقوبات على إيران ومواجهتها، فور وصوله إلى المكتب البيضاوي في واشنطن، لإعادة بناء “ما دمره أوباما”.

اقرأ أيضاً: هيلاري كلينتون تطالب بزيادة ضرائب الأثرياء