انحصرت منافسة الديمقراطيين بين كلينتون وساندرز (مايكل توماس/فرانس برس)

واشنطن ــ منير الماوري

أسفرت نتائج الامتحان الأول في التصفيات الحزبية الأميركية التي انطلقت، أوّل من أمس الإثنين، في ولاية آيوا، تمهيداً للانتخابات الرئاسية، عن إعادة ترتيب مواقع الخمسة الأوائل (ديمقراطيان وثلاثة جمهوريين). ولأن النتائج لم تزح أياً منهم عن المواقع الخمسة الأولى، بدأت الأنظار تتجه نحو ولاية نيوهامبشاير، لعلّ نتائج تصفياتها تكمّل رسم مسار التنافس بصورة أكثر وضوحاً.

ونجا حلم وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، بالوصول إلى الرئاسة الأميركية من إجهاض مبكر بأعجوبة في هذا الامتحان الحقيقي لمدى قدرتها على الصمود أمام منافسها اليساري المتصاعدة حظوظه السيناتور بيرني ساندرز. وانتهت جولة المنافسة الأولى بينهما بالتعادل، وهو ما جعل بعضهم يعيد ترتيب موقعَيهما بصيغة “الأول” و”الأول مكرّر”.
وبعد انسحاب حاكم ولاية ميرلاند السابق مارتن أومالي من سباق الديمقراطيين، تقلّص عدد المتنافسين الديمقراطيين من ثلاثة إلى اثنين، لينحصر بين كلينتون وساندرز.

وفي السباق الجمهوري الموازي كانت مفاجأة آيوا، هي السقوط المريع لمتصدر قائمة المتنافسين طوال الأشهر الماضية، رجل الأعمال الملياردير دونالد ترامب ليحلّ مكانه منافس متوسط الدخل آت من أقصى اليمين هو السيناتور، تيد كروز. ومن جانبه، اعتبر كروز أن نتائج التصويت الحزبي الليلي في ولاية آيوا، كانت رسالة لباقي الأميركيين أنّ “نور الصباح آتٍ، والرئيس المقبل للولايات المتحدة لن تختاره وسائل الإعلام، ولا المؤسسات السياسية العقيمة ولا جماعات الضغط الانتهازية، ولا أثرياء نيويورك”، على حدّ تعبيره.


تعادل كلينتون وساندرز في آيوا، وهو ما جعل بعضهم يعيد ترتيب موقعَيهما بصيغة “الأول” و”الأول مكرّر”

في هذا السياق، اعتبر بعض الخبراء بتعقيدات العملية الانتخابية الأميركية واختلاف قواعدها من ولاية إلى أخرى، تعادل كلينتون مع ساندرز بمثابة هزيمة موجعة لها، باعتبار أنّ ساندرز سيناصفها في المندوبين الـ 44 الذين يفترض أن يمثلوا الولاية بمؤتمر الحزب الديمقراطي في يوليو/تموز المقبل. وقد يزيد نصيب كلينتون عن ساندرز بمندوب أو مندوبين فقط، لكنه قد يتمكّن من سلب عشرين مندوباً منها على الأقل، إنْ لم يتدخل فقهاء القانون بفتاوى تمنع التقاسم. وبسبب انحصار المنافسة بين شخصَين فقط، كانت كلينتون تحتاج الفوز على ساندرز بنسبة لا تقل عن 51 في المائة، لتعتبر الفائزة الوحيدة بتمثيل ولاية آيوا بكامل مندوبيها، الأمر الذي كان كفيلاً بتعزيز موقفها لاحقاً في ولاية نيوهامبشاير.

اقرأ أيضاً: المرشحون الأميركيون الخمسة: سباق الجنس والدين والمواطنة والعرق والمهنة

واحتار المراقبون في توصيف النتيجة التي حصلت عليها كلينتون، في اعتبارها “انتصارا جزئياً” أم “هزيمة نصفية”. لكن غالبية المعلقين الأميركيين، اعتبروا أن من التبعات شبه المؤكدة للنتيجة التي حصلت عليها كلينتون، أنها ستؤدي إلى خسارة كبيرة لها الأسبوع المقبل في ولاية نيوهامبشاير، لأنّ ساندرز أكثر قبولاً منها هناك.


النتائج لم تزح أياً من المنافسين عن المواقع الخمسة الأولى، في آيوا، فبدأت الأنظار تتجه نحو ولاية نيوهامبشاير

وفي اختلاف عن الاقتراع المفتوح الذي اتسمت به تجمعات الحزب الديمقراطي الانتخابية، اعتمد الجمهوريون أسلوب الاقتراع السري في إجراءات الاختيار الحزبية. وتراجع موقع الملياردير النيويوركي، دونالد ترامب، من موقع الصدارة الذي منحته إياه استطلاعات الرأي العام طوال الأشهر الماضية، ليصبح في المركز الثاني لا يفصله عن صاحب المركز الثالث الذي حافظ عليه السيناتور عن ولاية فلوريدا، ماركو روبيو وهو كوبي الأصل، بنسبة ضئيلة.

وتمخّضت التصفيات كذلك عن اتخاذ بعض المرشحين الخاسرين قراراً بالانسحاب من المشاركة في التصفيات المقبلة، إذ أعلن بعضهم تنفيذ القرار على الفور، فيما أجّل بعض آخر إعلان الانسحاب على أمل حدوث تغييرات قد تقلب سير المنافسة رأساً على عقب، باعتبار أن الفائز الأوّل الجمهوري، تيد كروز من مواليد كندا. وينتظر الأميركيون من المحكمة العليا أن تفصل في الجدل الدائر حول أهلية المولودين خارج الأراضي الأميركية في ترشيح أنفسهم لمنصب رئيس الولايات المتحدة، إذ إنّ الشرط الدستوري لأهلية الرئيس جاء بصيغة أن يكون مواطناً أميركياً بالولادة، ولم تكن بصيغة أن يكون مولوداً في الأراضي الأميركية.

ويتبنّى كروز أفكاراً توصف بأنها أكثر تشدداً من الأفكار التي يبديها ترامب، لكنه أكثر عمقاً من ترامب في طرحه، وأكثر دقة في استخدام العبارات. وكان قبيل الاقتراع الجمهوري في آيوا قد تعهد بإبادة عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) “عن بكرة أبيهم”، على حدّ تعبيره، إذا تولى الرئاسة. في حين أن ترامب لجأ إلى مهاجمة الدول العربية بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي وكذلك كوريا الجنوبية، واليابان، وألمانيا، زاعماً أن الجيش الأميركي يتولى حماية هذه الدول بلا ثمن. ومن غير الواضح، إذا ما كان يدرك ترامب أنّ مثل هذه الآراء تثير غضب الجمهوريين وغضب المؤسسة العسكرية بشكل كبير، أم لا. ويبدي الملياردير كذلك معارضة شديدة لأي تورط جديد في العراق أو سورية، متناسياً أنه يسعى لخوض الانتخابات باسم الجمهوريين. ولا يزال ترامب يأمل أن تتم إزاحة كروز من طريقه في الولايات الأخرى سواء عن طريق المحكمة العليا أو عن طريق الناخبين.

اقرأ أيضاً: تصفيات الانتخابات الأميركية بعيون إسرائيلية: ترامب خطير وروبيو الأقرب