تتسارع وتيرة التسخين لتدخل عسكري محتمل في ليبيا على وقع انعقاد مؤتمر دولي بحضور 23 دولة، في العاصمة الإيطالية روما، أمس الثلاثاء، بغرض “مناقشة ملف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ليبيا”، في ظلّ تزايد تحليلات الصحف الغربية، الفرنسية والبريطانية تحديداً، حول التدخّل العسكري الغربي الوشيك في هذا البلد. ووصل الحال ببعضها إلى حدّ وضع الخطط العملانية على الأرض. وسط هذا كلّه، بدا “غريباً” موقف وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، الذي نفى “وجود أي نية لفرنسا بالتدخّل عسكرياً”، علماً بأن الفرنسيين يُعدّون من الأطراف الأساسية في الدفع قدماً نحو مثل هذا الخيار.

ونفى فابيوس “أي نية لفرنسا بالتدخل عسكرياً في ليبيا” على حد تعبيره. وقال فابيوس للصحافيين على هامش اجتماع روما إنه “من غير الوارد إطلاقاً أن نتدخّل عسكرياً في ليبيا”. وأضاف أنه “لا يعرف مصدر هذه المعلومات”، مشيراً إلى أن “مجموعة صغيرة تمارس ضغوطاً في هذا الاتجاه، لكنه ليس موقف الحكومة”. وأثارت تصريحات فابيوس الكثير من الاستغراب لتناقضها الكلّي مع معلومات متطابقة، تؤكد استعداد فرنسا للتدخل العسكري إلى جانب الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، على رأسها إيطاليا، في ليبيا ضد “داعش”.

حضر مؤتمر روما أمس 23 دولة عاملة ضد “داعش”

وحضر وزير الخارجية الأميركي جون كيري مؤتمر روما، وقال إن “آخر شيء يريده أي شخص، هو خلافة كاذبة مع الحصول على مليارات الدولارات من عائدات النفط”. وأضاف كيري أنه “ينبغي على الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين والعرب، زيادة التدريب الأمني ومساعدة الجيش الليبي ليس فقط لتطهير الأرض، ولكن لخلق بيئة آمنة تستطيع أن تعمل بها الحكومة.” ويبدو من حديث الوزير الأميركي، أن مؤتمر روما يهدف إلى تأمين “الظهير البري”، أو “الحليف الميداني”، المتمثل بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي يتوقع البعض أن تطلب المساعدة الغربية لضرب “داعش” بذريعة عجزها عن مواجهة تمدده. لكن العقبة الأبرز تبقى عدم قدرة فائز السراج حتى الآن على تشكيل حكومة جديدة تنال موافقة المؤتمر الوطني في طرابلس، وبرلمان طبرق

وسبق لإيطاليا التي تقع أراضيها الجنوبية على بعد أقل من 483 كيلومتراً من ليبيا، أن أوضحت أنها “ستشارك في بعثة مخولة من الأمم المتحدة لحفظ السلام أو الاستقرار”. كما قامت السلطات هناك بنقل طائرات إلى قاعدة في صقلية، لكن إيطاليا تصرّ على أن أي عمل يتطلّب أولاً وجود حكومة ليبية مستقرة ومساعدة دولية أخرى. وقالت وزيرة الدفاع روبرتا بينوتي، لصحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية الأسبوع الماضي، إنه “لا يمكننا تخيّل مرور الربيع مع استمرار تعثر الوضع في ليبيا”.

اقرأ أيضاً “ذي غارديان”: بريطانيا تنتظر الحكومة الليبية لحسم التدخل العسكري

من جهتها، أفردت الصحف الفرنسية الصادرة أمس حيّزاً مهماً لما وصفته بـ”الاستعدادات الغربية لتدخل عسكري وشيك في ليبيا ضد داعش، بعدما بات هذا الأخير يسيطر على مدينة سرت الساحلية ومحيطها”. وذكرت صحيفة “لو فيغارو” أنه “في باريس يسود الاعتقاد بقوة بضرورة التدخل العسكري في ليبيا وتوجيه ضربة قاضية ضد داعش في غضون الأشهر الستة المقبلة”، واعتبرت أنه “من الأفضل القيام بذلك قبل حلول فصل الربيع”.

كما كشفت الصحيفة أن “وزير الدفاع جان إيف لودريان، الذي يجعل من الوضع الليبي ضمن أولوياته الأساسية، أبلغ في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الرئاسة الفرنسية بأنه بناءً على معلومات استخباراتية تشادية، رصدت الطلعات الاستكشافية التي تقوم بها الطائرات الفرنسية في سماء ليبيا، معسكرات تدريب لداعش، على بعد 250 كيلومتراً من العاصمة طرابلس”.

وأضافت أن “هذه المعسكرات تأوي حزمة من (الجهاديين) الفرنسيين، الذين يتدرّبون على السلاح وفنون القتال”. وذكرت الصحيفة أن “تنظيم داعش في مدينة سرت، تعزّز بمئات المقاتلين الذي قدموا من سورية والعراق، وأيضاً من اليمن والسودان. وهذا ما جعل لودريان يدق ناقوس الخطر، عندما حذّر يوم الأحد الماضي من أن مقاتلي داعش على بعد نحو 320 كيلومتراً فقط من السواحل الإيطالية”.

وأفادت الصحيفة المقرّبة من الأوساط اليمينية المحافظة، بأن “لودريان يحثّ منذ أسابيع عدة نظرائه الأميركيين والأوروبيين على تسريع التحضيرات للتدخل العسكري، وأنه حصل على دعم السلطات التونسية للتدخل الغربي. وهو يقوم بمحاولات لإقناع مصر والجزائر، اللتين لا مصلحة لهما أيضاً في تواجد داعش على مقربة من حدودهما”.

وخلصت الصحيفة إلى أنه “إذا كان التدخل العسكري مسألة وقت فقط في انتظار حكومة وحدة وطنية ليبية، فإن الغموض ما يزال يلف طبيعة وحجم هذا التدخل، وإن كان من الواضح أن الغارات الجوية وحدها لن تكفي. ولا بد من إرسال قوات على الأرض للقضاء على التنظيم الجهادي”.


لو موند: مصراتة ستكون لا محالة مسرح التدخل العسكري الجوي وربما البري الوشيك

صحيفة “لو موند” بدورها خصصت غلافها للموضوع الليبي، ونشرت تحقيقاً مطولاً لموفدها الخاص إلى ليبيا فريديريك بوبان، الذي تجوّل في ضواحي مدينة مصراتة، ونقل أجواء بلدة باغلة، حيث تتمركز قوات اللواء 166 التابع لتنظيم “فجر ليبيا”، الذي يسيطر على المدينة في مواجهة عناصر “داعش” المتواجدين في سرت، التي تبعد حوالي 80 كيلومتراً عن باغلة. واختارت “لو موند” إرسال موفدها الخاص للتحقيق في هذه المنطقة بالذات بين سرت ومصراتة، لاعتقادها بأنها “ستكون لا محالة مسرح التدخل العسكري الجوي وربما البري الوشيك”.

واعتبرت الصحيفة أن “مصراتة ستكون المدينة المفتاح في الحرب ضد داعش، وأن الاستعدادات لمواكبة التدخل العسكري الغربي جارية على قدم وساق بالتنسيق مع قيادة الجيش في طرابلس”. ونقلت الصحيفة عن ابراهيم بيت المال، المتحدث باسم “مجلس مصراتة العسكري”، قوله إن “هناك اتصالات بين المجلس والأسرة الدولية، وإن هناك خططاً تشمل غارات جوية وتحرّكاً بريّاً لاستعادة سرت من أيدي داعش”. وهذا ما يعطي المصداقية، وفقاً للصحيفة، لـ”الشائعات التي تحدثت في الآونة الأخيرة عن وجود عشرات الأفراد من القوات الخاصة البريطانية والأميركية في مصراتة وضواحيها، يحضّرون للتدخل العسكري”. وأوردت الصحيفة أن “عدد عناصر داعش يبلغ حوالي 3 آلاف مقاتل، 70 في المائة منهم أجانب”.

وفي بريطانيا، كشفت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، في تقرير مطوّل، أن لندن تنتظر تشكيل حكومة وفاق وطني في ليبيا لتحسم قرارها لجهة المشاركة العسكرية المباشرة في ليبيا بغطاء “شرعي”. وبحسب الصحيفة، تمارس واشنطن وباريس، ضغوطاً كبيرة على الحلفاء للسير باتجاه التدخل العسكري المباشر في ليبيا تحت شعار الحملة العالمية ضد الإرهاب، وهو ما وافقت روما عليه رسمياً بعد مؤتمر باريس الأسبوع الماضي. ولم تجزم مصادر الحكومة البريطانية لـ”ذا غارديان” عن الشكل الذي سيتخذه تدخل بريطانيا إن حصل، بين انتشار بري لقواتها أو الاقتصار على دور تدريب قوات ليبية محلية. ولم تنفِ أو تؤكد أنباء إرسالها ألف مقاتل إلى البر الليبي.

اقرأ أيضاً: كوبلر: دور الجزائر مفصلي في حلحلة الأزمة الليبية