لم ينجُ أحد تقريباً من نيران الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، في الأسبوع الأخير، لا من اليمين ولا اليسار ولا في حزبه ولا في مؤسسة الرئاسة، وحتى ابنه حافظ. لم ينجُ أحد، عدا رئيس حكومته، الحبيب الصيد، ليؤكد السبسي من جديد تمسّكه به “لأنه رجل المرحلة، والخيار الأفضل لإدارة هذه المرحلة الدقيقة في تاريخ تونس”.

غير أن الصيد يدرك جيداً، ألّا أحد يعرف متى تنتهي “هذه المرحلة الدقيقة” غير السبسي، وربما تطول أو تقصر، ولعلّ المثال الأبرز هو رئيس ديوان السبسي، رضا بلحاج، المستقيل، يوم الاثنين، أفضل دليل على ذلك. وتؤكد معلومات “”، أن “بلحاج لم يستقل بمحض إرادته، بل دُفع إلى الاستقالة”.


الصيد يدرك جيداً ألّا أحد يعرف متى تنتهي “هذه المرحلة الدقيقة” غير السبسي

وتتضارب المعلومات بخصوص هذا الإقالة، وتردّد بعض المصادر المقرّبة من حزب “نداء تونس”، أن “بلحاج استقبل شخصيات غير مرغوب فيها، خلال زيارة السبسي الى الخليج، من دون إعلام الرئيس بذلك، وهو ما أغضب السبسي بشدّة، ودفعه إلى إقالة الرجل الذي ضحّى بكثير من أجله ومن أجل ابنه حافظ”. وتؤكد المصادر أن “بلحاج كان سيخرج من قصر قرطاج إلى الحزب، بالاتفاق مع السبسي، ولكنه كان متردداً في تحديد موعد ذلك، ولكن يبدو أن رغبة السبسي عجّلت القرار”.

غير أن كثيراً من منافسي بلحاج “سخروا” من تضحياته في سبيل عائلة السبسي التي ذهبت سدًى وفقاً لهم. ويلمحون إلى أن “السبسي يمكن أن يُضحّي بأي كان”، كما يرجّح آخرون أن “السبسي أراد التسريع في قرار بلحاج للالتحاق بالحزب، لكفاءته المعروفة في إدارته قبل الانتخابات الماضية، وللفراغ الكبير الذي يشهده الحزب في هذه الفترة. وربما يكون تحوّل بلحاج إلى مقرّ النداء بداية مرحلة جديدة يُعدّ لها السبسي، بعد أن استفحلت الأزمة بالحزب وتفاقمت أسبابها وأعراضها”.

اقرأ أيضاً السبسي ينقلب على حلفاء الأمس: اليسار التونسي متطرف

مع ذلك، فإن بلحاج ليس إلا واحداً من قائمة طويلة، وجّه إليها السبسي نيرانه القوية، خلال الأيام الماضية، ومن أبرزها اليسار التونسي، الذي وصفه بـ”المتطرف” في حوار لصحيفة “الوسط” البحرينية. ويذكر السبسي في المقابلة: “كنا نقاوم التطرف الإسلامي ونجحنا في ذلك، لكن التطرف ليس خاصية مقتصرة على الإسلاميين فقط، فهناك، أيضاً، يسار متطرف، وهو أشرس من نظيره الإسلامي ونحن كذلك نقاومه”.

كما يكشف في تصريحات صحافية أخرى، أن “زياراته إلى الخليج تأتي في إطار إصلاح الأخطاء الدبلوماسية التي ارتكبها أسلافه خلال حكومة الترويكا (التي تزعمتها حركة النهضة)”. ويشير إلى أن “فترة حكم الترويكا بقيادة الإسلاميين لم تكن موفقة في إدارة البلاد، وهو ما يفسر عملية إبعادهم من الحكم بطريقة سلمية وديمقراطية”. لكنه يُشدّد على أنه “مستمرٍ في خيار إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية، وهي فرصة لاختبار صدق إيمانهم بالخيار الديمقراطي”، وفق قوله. ويؤكد السبسي أن “حركة النهضة تغيّرت كثيراً، وهو ينتظر منها أن تؤكد ذلك في مؤتمرها المقبل في شهر مارس/آذار مثلما أعلنوا”.

بالإضافة إلى ذلك، يُقدّم السبسي خدمة لتيار الشيخ راشد الغنوشي الإصلاحي في “حركة النهضة”، الذي يجد بعض المقاومة داخل الحركة بخصوص التغييرات الكبرى التي ينوي إدخالها، ومنها مسألة فصل الدعوي عن السياسي. ويتضح أن السبسي في سلسله هجماته، يريد أن يضع الجميع في موقف الدفاع، وأحياناً المتهم، وفي أحسن الحالات في وضع تحت الاختبار.


يُقدّم السبسي خدمة لتيار الشيخ راشد الغنوشي الإصلاحي في “حركة النهضة”

ويبدو أن هذا الأسلوب قد حقّق كثيراً من أهدافه، إلى حدّ الآن، وبدت “الجبهة الشعبية” اليسارية من خلال ردود قياديّيها، في موقع الدفاع عن سلميتها. وقد جاء اتهام السبسي أحد قيادييها بالضلوع في تأجيج الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة الشهر الماضي، ثم قوله: “سيُعلن قريباً عن الأطراف المتورطة، ليُسلّط مزيداً من الضغط عليها”.

ولا يعني ذلك أن “الجبهة الشعبية” باتت في وضع استسلامي، بل إنها ربما تعكس الهجوم كما اعتادت. غير أن السبسي سيكسب بالتأكيد وقتاً مهماً لاستعادة توازن حكومته، وبعضاً من خيوط اللعبة في تونس، بعدما كادت تضيع، مرة أخرى، في زحمة الأحداث التي عاشتها تونس خلال الأسبوعين الماضيين.

فضلاً عن بلحاج و”حركة النهضة” واليسار، فإنه ينبغي التذكير بالقائمة الطويلة جداً من حزب “نداء تونس”، التي دفعها السبسي إلى الباب دفعاً، وعلى رأسهم محسن مرزوق، مدير ديوانه الرئاسي السابق، مدير حملته الانتخابية الرئاسية، الذي ذهب إلى تأسيس حزب جديد بعد استقالته من “النداء”. ويعرف كثير من المتابعين أن السبسي كان ينتظر أن يغادر المشاكسون والخارجون على خيارات الحزب الكبرى، وانتظار الظروف السياسية الملائمة لذلك، حتى أنه قاد العملية ببراعة كبيرة، أدت إلى خروجهم طوعاً حتى يتم غربلة الحزب.

كما أن نجل السبسي، حافط، لم ينجُ من ذلك أيضاً، وتؤكد المعلومات أن “الأب غاضب من ابنه بسبب تعنّته الكبير في البقاء في منصبه، على الرغم من الدعوات الكثيرة التي طالبت بخروجه وتوكيل مجموعة محايدة بإدارة الحزب حتى انعقاد المؤتمر”.

وتفيد مصادر من “النداء” لـ””، أن “اجتماع نواب النداء، منذ أيام، سجّل دعوات صريحة وعلنية في الاجتماع المغلق، تدعو السبسي الابن إلى التخلي عن منصبه، غير أنه تشبّث بموقفه بشكل واضح، على الرغم من الانعكاسات الكبيرة الممكنة لهذا الموقف، والتي قد تقود إلى مزيد من الاستقالات”.

أما مفاجأة السبسي الأخيرة، فقد تجلّت، يوم الاثنين، حين استقبل أحد أهم الشخصيات السياسية التونسية، التي عرفت بنضالها سنوات طويلة قبل الثورة، وهو أحمد نجيب الشابي زعيم الحزب “الجمهوري”، الذي كان قد أعلن سابقاً ابتعاده عن العمل السياسي الحزبي، قبل أن يتراجع عن ذلك.

وقد كشف الشابي إثر اللقاء، أنه “لمس عند السبسي متابعة دقيقة للأوضاع في مختلف المجالات”، معبّراً عن ارتياحه لـ”تصوّر رئيس الجمهورية لإخراج البلاد تدريجياً، من الأوضاع الحالية ومجابهة التحديات الأمنية والاقتصادية”.

وقد بدا هذا اللقاء غريباً على الرجلين اللذين سبق وأن تبادلا كثيراً من الاتهامات السياسية والتصريحات المثيرة من كليهما. ولكنه يُثبت ألّا عداءات دائمة ولا صداقات دائمة في السياسة، وأن السبسي بالذات يعمل هذه الأيام بهذا الأسلوب.

اقرأ أيضاً:نداء تونس يواصل الانقسام: كتلة جديدة في الأفق