أثارت مكالمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع إحدى القنوات التلفزيونية المحلية، انقساما في الشارع المصري، بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة في الحياة السياسية المصرية. فالبعض يرى بأن هذا التوجه نابع من الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها بخصوص تراجع الحريات في مصر، والانتقادات التي أثارها توقيف فنان الكاريكاتير إسلام جاويش، صاحب فكرة صفحة "الورقة"، على الفيسبوك قبل اطلاق سراحه مجددا، بينما يرى البعض الأخر أن هذا التوجه للرئيس المصري نابع من حرصه على تدعيم الحريات في مصر وأنها محاولة من جانبه لإشراك الشباب في العمل المجتمعي.

وكان الرئيس المصري قد ألمح للمذيع المصري عمرو أديب، في برنامج "القاهرة والناس" أن تعامل السلطات المصرية مع جاويش لم يكن صحيحا". وأضاف السيسي قائلا: " تم التعامل مع حالة جاويش بشكل معين، ثم اتضح أن الأمور لم تشر إلى أن هذا الشكل كان صائبا". إلا أن الرئيس المصري خفف من جريرة ما حصل وأكد بأنه" يوميا سوف نجد ضمن الـ 90 مليون مصري أمورا غير مريحة مثل حالة جاويش." واعتبر أن "هذه أمور طبيعية في دولة لا تزال في حالة ثورة منذ 5 سنوات، والأمور فيها لم تنضبط بعد". كما اعترف الرئيس المصري في مداخلته الهاتفية مع عمرو أديب ب "إخفاق نظام الحكم في مصر في التواصل والتفاهم مع الشباب".

تهمة بخرق حقوق الملكية الفكرية

الباحث والخبير في الشؤون المصرية د. سعيد اللاوندي أوضح في حوار مع DW عربية أن ما قام به الرئيس المصري يشكل تأكيدا لنهجه في "إشراك الشعب في الحكم، والتأكيد على مبدأ الحريات الذي يسعى له الرئيس"، وقال اللاوندي: "السيسي قال إنه لم يكن على علم بما قامت به السلطات الأمنية من اعتقال للشاب جاويش، وهو أمر مفهوم" على حد قول اللاوندي وتابع " هنالك العديد من كبائر الأمور التي ينشغل بها الرئيس الآن، وعندما علم بالموضوع فإنه تدخل لصالح الشاب المصري الذي تم اعتقاله.

المظاهرات في مصر ما زالت مستمرة، من أجل تحسين الأوضاع المعيشية والحريات.

وكانت السلطات المصرية قد اعتقلت جاويش المعروف برسومه الساخرة من الأوضاع السياسية والإجتماعية في مصر. وقالت السلطات إنه قبض على الرسام بتهمة "إدارة موقع الكتروني دون الحصول على ترخيص من الحكومة ومخالفة قانون حماية حقوق الملكية الفكرية بسبب استخدامه برامج حاسوب مقلدة." غير أن النيابة العامة أفرجت عنه لاحقا دون توجيه أي اتهامات له على ما يبدو.

إسلام جاويش هو رسام كاريكاتير وكوميكس، وهو صاحب فكرة صفحة "الورقة" التي انتشرت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تبرز الصفحة مواقف عديدة من الحياة اليومية للمصريين في شكل رسوم كاريكاتيرية، أكثر من مليون ونصف مليون يتابعون منشورات "الورقة" على فيسبوك.

المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أكدت في بيان صحفي نشر على موقعها الالكتروني الاثنين 1 شباط/فبراير2016 أن هذه الوقائع مثل القبض على صحفيين وإعلاميين، تعد "انتهاكا صارخا" لحرية الإبداع الفني والأدبي، وهي مكفولة بموجب الدستور المصري والمواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

موجة سخرية بعد اعتقال الفنان

العديد من مقدمي البرامج المصريين علقوا على هذه الواقعة، حيث أدان بعضهم هذا الموقف، ومنهم عمرو أديب الذي قال في برنامجه القاهرة اليوم: "معندوش ترخيص للصفحة، هو من متى الفيسبوك عايز ترخيص للصفحة؟" محذرا من التداعيات السلبية لمثل هذه التصرفات التي تهين المواطن العادي. كما أثارت حادثة الاعتقال موجة سخرية كبيرة في أرجاء الشارع المصري، ورأى البعض أن الدولة خائفة من مجرد ورقة، كناية عن الاسم الذي يحمله الموقع.

وكثرت في مواقع التواصل الاجتماعي الانتقادات للحكومة، حيث انتقد العديد من الشباب "التضييق حتى على المواقع الافتراضية"، كما طالب بعضهم الرئيس السيسي بإقامة العدل أولا قبل محاسبة الناس .

"الخطابات الأبوية لن تجدي نفعا"

الناشطة الشبابية في حركة 6 أبريل اسراء عبد الفتاح أكدت في لقاء مع DWعربية أن "الخطاب الأبوي" الذي قدمه الرئيس المصري، "لن يجدي نفعا في تهدئة الشعب المصري، ولا ينفع في حل مشاكله". وقالت عبد الفتاح: "بدون أية إجراءات حقيقية على أرض الواقع، لن يأتي الخطاب الأبوي الذي ينهجه السيسي بأية نتائج".

وانتقدت الناشطة الشبابية المصرية تذمر الرئيس السيسي من سلطات بلاده في موضوع الفنان جاويش وقالت: "من الطبيعي أن ينتقد أي إنسان مصري الحكومة وتصرفاتها، أما أن ينتقد الرئيس عمل حكومته، فهو "أمر غير مفهوم" فالرئيس هو المسؤول عن تصرفات الحكومة، ومن الطبيعي أن يتخذ إجراءات بحق من يثبت تقاعسه أو فشله. ولاحظت أن الرئيس لم يتخذ أي إجراء وانتقد الحكومة على شاشة التلفزيون، وتساءلت المتحدثة: " هذا الانتقاد موجه لمن بالواقع؟". واعتبرت الناشطة الشبابية أن مؤشر حقوق الإنسان في مصر تراجع إلى الأسوأ منذ تولي عبد الفتاح السيسي الحكم.

العديد من المنظمات الحقوقية المصرية والدولية تشكو من التضييق المتزايد في حرية التعبير في مصر منذ عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي في الثالث من يوليو عام 2013 من قبل الجيش بقيادة السيسي آنذاك بعد احتجاجات شعبية. واعتبرت أحزاب سياسية ونشطاء حقوقيون اعتقال جاويش اعتداء على حرية التعبير والرأي في مصر.

من جهته أجاب الرئيس السيسي في مكالمته الهاتفية على الانتقادات بشأن اعتقال الفنان المصري إسلام جاويش أن مصر ألآن "تشهد مرحلة جديدة في إعادة البناء وذلك بعد 50 عاما من التردي بحسب قوله" وأضاف السيسي: "50 سنة من التردي تحتاج عادة إلى 50 سنة أخرى لإعادة البناء... ولكن إعادة البناء سوف تستغرق أقل من ذلك".