وصلت هبة عبدالبصير وزوجها خالد من سوريا إلى ألمانيا قبل عامين ولم يكن معهما سوى ما كانا يحملانه من حقائب، لكن ذلك لم يمنعهما من إنشاء شركة خاصة.

ورغم أن روح ريادة الأعمال تنقص كثيراً من الألمان، فقد كان من الطبيعي لهبة وخالد إعادة بناء الشركة التي تركاها خلفهما في سوريا.

الجلوس دون عمل أكثر صعوبة

قالت هبة (48 عاماً) التي تبيع شركتها واسمها "خشبنا" قطع أثاث خشبية مصنوعة يدوياً للحدائق مستوردة من دمشق "البدء بلا شيء ليس سهلاً لكن الجلوس دون عمل شيء أصعب كثيراً".

ومن أكبر التحديات التي صادفت هبة التي تتحدث الألمانية بطلاقة لأنها أمضت فترة في الدراسة بألمانيا العثور على متجر في برلين؛ لأن أصحاب العقارات يريدون رؤية تقارير مصرفية وبرهاناً على ما تحققه من دخل.

وتدرك هبة أن إقامة نشاط راسخ لها في ألمانيا سيستغرق عدة سنوات، وإلى أن يتحقق ذلك تأمل أن تشجع تجربتها الآخرين على الاقتداء بها، وقالت: "أعتقد أن كثيرين من السوريين لن يحتاجوا إلهاماً مني. سيفعلون ذلك لأنه نابع من داخلهم. فالسوريون لا يمكنهم الاستكانة دون عمل شيء".

وقد استنفد كثيرون من الوافدين الجدد مدخراتهم فيما دفعوه للمهربين لعبور البحر المتوسط وسيواجهون صعوبات في تدبير التمويل. وربما ينشغل آخرون بالسعي لتدبير بيت للإقامة وتعلم اللغة الألمانية.

وهذا هو حال أكرم الفواخيري السوري المولد الذي وصل إلى ألمانيا في يونيو/حزيران الماضي بعد رحلة برية عن طريق اليونان.

وكان الفواخيري (25 عاماً) قد بدأ في السابق مشروعاً خاصاً في إسطنبول ويحرص على تكرار المحاولة في برلين، لكنه يريد تعلم الألمانية أولاً وتحسين قدراته في تكنولوجيا المعلومات.

وقال الفواخيري في ورشة عمل في برلين تهدف لتعريف اللاجئين بكيفية تأسيس الشركات إنه يحب هذا النهج. وأضاف: "فشلت مرة وأنا مستعد للفشل من جديد حتى أتمكن من النجاح".

وبخلاف حاجز اللغة وصعوبة تدبير التمويل ربما يواجه الراغبون من اللاجئين في تأسيس شركات عقبات أخرى.

شركات جديدة في ألمانيا

طوفان اللاجئين الأخير في ألمانيا يعتبر فرصة سانحة لدفع حركة إنشاء الشركات الجديدة في ألمانيا، إذ إن كثيرين من اللاجئين مثل هبة كان لهم نشاط يديرونه في بلادهم.

ويقول بنك كي.إف.دبليو، وهو بنك للتنمية مملوك للحكومة الألمانية، إن المهاجرين يقفون بالفعل وراء شركة من بين كل 5 شركات جديدة أنشئت في السنوات الأخيرة. ويمثل ذلك نسبة أعلى من نسبتهم إلى عدد السكان.

ويمثل الوافدون من سوريا، حيث ينتشر الإقبال على إنشاء الأعمال الخاصة، نحو ثلث عدد مَنْ تقدموا بطلبات للجوء في العام الماضي. وقد هاجر والد ستيف جوبز الذي شارك في تأسيس شركة آبل إلى الولايات المتحدة من سوريا.

وقال المحامي السوري أسامة العجي الذي يعمل في كولونيا ويقدم المشورة لرجال الأعمال العرب الراغبين في تأسيس شركات في ألمانيا: "تأسيس مشروعات خاصة أمر شائع في العالم العربي. فالعرب تجار مهرة".

ويقول المرصد العالمي لريادة الأعمال إنه على الرغم من طفرة شهدتها الآونة الأخيرة في إنشاء شركات جديدة في مناطق معينة مثل برلين فمازال مستوى الإقبال على تأسيس الشركات في ألمانيا منخفضاً نسبياً بالمقارنة مع دول صناعية أخرى.

وتبين الإحصاءات أن العدد الإجمالي للشركات التي تؤسس كل عام انخفض بأكثر من 40% خلال العقد الأخير، وأن إقبال الشباب على بدء المشروعات تراجع.

وقال رولف شتيرنبرغ، أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في جامعة هانوفر، إن كثيرين من الخريجين المولودين في ألمانيا يفضلون الاحتماء بالأمان الذي يوفره العمل لحساب شركة قائمة بدلاً من المجازفة بتأسيس شركة خاصة وذلك لوفرة الوظائف الجيدة نسبياً.

وأضاف شتيرنبرغ: "في ألمانيا تسود القناعة بأنك إذا فشلت فليس من السهل أن تمحو وصمة الفشل".

ويحذر مايكل هيوتر، رئيس معهد آي.دبليو في ألمانيا، من احتمال أن يضر نقص الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المتقدمة والميل للعزوف عن المجازفة بالنمو الاقتصادي في الأجل المتوسط.

ويضيف هيوتر أن الابتكارات التي تحقق طفرات في التقدم تتم دائماً تقريباً من خلال الشركات الناشئة سريعة النمو، أما الشركات القديمة الراسخة فيكون اهتمامها بالابتكار قليلاً في أغلب الأحيان حتى لا تقلل من قيمة ما أنفقته من استثمارات في التكنولوجيا الحالية.
آمال وعوائق

ويزداد نشاط ريادة الأعمال في الدول التي يوجد بها عدد كبير من المهاجرين مثل أستراليا وإسرائيل والولايات المتحدة.

وخلال الستينات والسبعينات استعان قطاع الصناعة في ألمانيا بأعداد كبيرة من "العمال الضيوف" من تركيا وشمال إفريقيا ومن يوغوسلافيا السابقة. غير أن هؤلاء العمال جاءوا بغرض الإقامة المؤقتة للعمل في وظائف لا تحتاج إلى مهارات كبيرة بالشركات الألمانية لا لإقامة شركات جديدة.

وقد لا يكون أمام كثير من المهاجرين خيار يذكر.

وتوضح تجربة المهاجرين من أوروبا الشرقية أنهم واجهوا صعوبات في كثير من الأحيان للحصول على وظائف تتطابق مع ما لديهم من مهارات لأن أصحاب الأعمال لا يعترفون بما حصلوا عليه من مؤهلات دراسية. وبدلا من قبول وظائف بأجور هزيلة كانوا يختارون العمل لحسابهم الخاص.

ومع ذلك يقلل الخبراء من شأن ما يتردد من أن الموجة الأخيرة من الوافدين الجدد قد تؤدي إلى موجة تأسيس شركات ناشئة في الأجل القريب.

ويقدر رالف زاينجر، خبير المشروعات الخاصة في معهد الأبحاث الاجتماعية في ماينز، إن ما بين 25 إلى 50 ألفاً قد ينشئون شركاتهم من بين الوافدين الذي دخلوا ألمانيا العام الماضي ويبلغ عددهم 1.1 مليون مهاجر.

وتوصلت دراسة أجراها معهد سوق العمل والتوظيف إلى أن أقل من 10% من اللاجئين عملوا في وظائف في السنة التي وصلوا فيها. وبعد 5 سنوات ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 50%.