أسدل الستار على البقرة المباركة بمحافظة البحيرة، التي زعم صاحبها محمد فودة أن لبنها يشفي الأمراض المزمنة، بعد إعلانه بيعها فى سوق المواشي بـ10 آلاف جنيه بعد قرار الطب البيطري تشكيل لجنة لذبحها بناءً على قرار من لجنة تابعة للمديرية للتصدي لتلك الخرافات.

وأنهى تفاصيل الخبر السابق أسطورة البقرة المباركة – كما أطلق عليها الأهالي - ليتوقف سيل الزوار الذين سارعوا للذهاب للقرية التي تواجدت بها البقرة، بمجرد إشاعة خبر أن لبنها يشفي.

ولكن هل يتوقف المصريين عن تصديق مثل هذه الخرافات التي يهرولون لها ويقطعون أحياناً آلاف الكيلومترات فقط للتبرك من شيخ أو لشرب ماء أو لبن مبارك؟ حتى أصبح كل ما تحتاجه لتجمع مليارات الجنيهات من شعب نسبة مَنْ هم تحت خط الفقر به وصلت إلى 40% في بداية العام الماضي، وفقاً لتقرير صادر من مركز المعلومات بمجلس الوزراء، في حين أكدت تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن نسبة الفقر تجاوزت في الفترة الأخيرة 50%.

وكل ما تحتاجه هو إشاعة كونك شخص "مبارك" تحت مسمّى "شيخ أو راجل مبروك أو معالج روحاني"، وغيرها من الأسماء التي تؤكد أنك رجل صالح قريب من الله، أو إشاعة امتلاكك حيواناً أو شجرة "مباركة" أيضاً ليهرول لك الناس للتبرك بما حباك الله به من نعمة، لكي ينالوا "البركة والشفاء".

10 مليارات جنيه سنوياً

في دراسة أعدها الدكتور محمد عبدالعظيم، الباحث بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية، أوضح فيها أن إنفاق المصريين على الدجل والشعوذة يتجاوز 10 مليارات جنيه سنوياً، مشيراً إلى أنه يوجد في مصر فقط ما يعادل دجالاً لكل 120 مصرياً، بالإضافة إلى أن هناك 300 ألف شخص في مصر يدعون علاج المرضى بتحضير الأرواح، أوضحت أيضاً أن 50% من النساء في مصر يعتقدن في الدجل والشعوذة، وأنهن أكثر إقبالاً من الرجال على الدجالين.

"هافينغتون بوست عربي" رصدت في هذا التقرير أغرب معتقدات المصريين فى الدجل والجن والعفريت والتي ينفقون من أجلها أموالاً قدرت بمليارات الجنيهات سنوياً رغم حالة الفقر التي يعانيها المجتمع.

حكاية البقرة المباركة

في إحدى قرى محافظة البحيرة، ادعى محمد فودة (58 عاماً)، أن بقرته حليبها يشفي من بعض الأمراض المزمنة؛ مبرراً ذلك بأنه فوجئ بتواجد لبن بثديها رغم أنها "بكر"، ولم يسبق لها الولادة، لصغر سنها، فتوافد عليه الأهالي لمشاهدة البقرة والحصول على لبنها، وما هي إلا أيام قليلة حتى انتشر الخبر في قرى المحافظة حتى وصل للإعلام، وبدأت الأعداد تتوافد على القرية طلباً للبن المعجزة الذي سيحقق لهم الشفاء.

وعلى الرغم من نفي مديرية الطب البيطري بالمحافظة تلك الادعاءات التي بررت ما حدث مع البقرة بأنه ظاهرة علمية ومتكررة بسبب تواجد خلل هرموني في الغدد النخامية بالبقرة يؤدي إلى زيادة البروكلاتين، وكبر حلمة الثدي لدى البقرة، ويحدث نفس الأمر مع المرأة التي لم تتزوج وتفرز إفرازات بسبب اضطرابات هرمونية، إلا أن هذا لم يمنع الناس من تكذيب الكلام العلمي والسعي وراء الخرافات.

لتنتهي قصة البقرة بإعلان مديرية الطب البيطري تشكيل لجنة موسّعة من الطب البيطري ومديرية الصحة والوحدة المحلية لمدينة الرحمانية لذبح تلك البقرة والتصدي للخرافات، فما كان من صاحبها إلا أن أسرع ببيع البقرة في سوق المواشي بـ10 آلاف جنيه، مدعياً أنه بذلك تخلص من زحام المواطنين ومطاردتهم له.


جن الشرقية

في الأسابيع الماضية تصدرت وسائل الإعلام المصرية أخباراً عن حريق المنازل بقرى محافظة الشرقية، واتهام الأهالي للجن بذلك، وفقاً لما أخبرهم به معالج قرآني؛ لأنه وفقاً لروايتهم نشبت الحرائق في عدد من المنازل دون سبب والتهمت كافة محتوياتها فيما عدا الآيات القرانية، ورغم نفي وزارة الأوقاف المصرية هذا الادعاء إلا أن الأهالي تعاملوا معه كأمر مسلم به.

وقال الدكتور عبدالباقي تركيا، عضو مجلس النواب عن دائرة ديرب نجم بالشرقية، إنه أجرى اتصالاً تليفونياً بالشيخ علاء حسانين "معالج روحاني" – عضو مجلس شعب سابق - لمحاولة التعامل مع ظاهرة اشتعال منازل الأهالي بقرية مناصافور دون سبب، وأنه وعده بزيارة القرية.

وأوضح عضو مجلس النواب المصري في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن حسانين سبق له زيارة القرية قبل أيام، وأكد أن قبيلة من الجن سكنت القرية، وأنها "تحتاج شغل كتير"، على حد وصفه.


حلال العقد

ولا يتوقف سعي المصريين وإيمانهم بالدجل والجن على الشفاء من الأمراض المزمنة أو أن الجن السبب في كل الكوارث المحيطة بهم، فهم يؤمنوا بأن الدجالين يمكن أن يخلصوهم من " الأعمال والحسد" التي تمنع عنهم الرزق سواء "عمل - مال - زواج – إنجاب"، وهو ما فسرته الدكتورة إنشاد عز الدين، أستاذة علم الاجتماع بجامعة المنوفية، لانتشار الفقر والجهل داخل المجتمع المصري، موضحة في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي" أنه حينما تغيب الحقائق ويعجز الطب تظهر الخرافات ويتجه الناس إلى الغيبيات لعلاج مرض مستعصٍ أو لاعتقاده بأن هناك قوى خارجية "الجن" تمنعه من الإنجاب، أو لفك الأعمال.

وأشارت إلى أن تلك الظواهر تنتشر أكثر بين المستويات التعليمية والاجتماعية، مؤكدة أنها لن تنتهي أو تختفي من المجتمع طالما لم نوفر الحياة الكريمة للمواطنين بتوفير مسكن ومصدر دخل مناسب وعلاج جيد، مع رفع مستوى التعليم والوعي لدى المواطنين، أما الظروف التي تعيشها مصر الآن فهي بيئة خصبة لانتشار تلك المزاعم التي لن تنتهي على المدى القريب.

ريهام والجن

ولشغف الناس بالغيبيات، فمن الطبيعي أن يهتم الإعلام المصري بما يتعلق بأخبار الدجالين والساحرة، ومع تعامل أغلب وسائل الإعلام بحذر في تلك الملف، إلا أن المذيعة الموقوفة ريهام سعيد في برنامجها "صبايا الخير" أعطت اهتماماً بالغاً لهذا الملف، وأذاعت عدة حلقات عن طرد الجن، وفتيات ادعوا أنهم ممسوسات وأن الجن يأخذهم تحت الأرض.

ولم تكتفِ المذيعة بالترويج للفكرة بل خرجت في إحدى حلقات برنامجها لتقول: "بعد حلقات الفتيات الممسوسات قررنا نبعد عن الجن، لأن من ساعتها وإحنا كفريق صبايا الخير مأذيين".

الدكتورة ليلي عبدالمجيد، عميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة السابقة، حمّلت الإعلام مسؤولية الترويج لتلك الخرافات والخزعبلات، موضحة في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي" أن هؤلاء الأشخاص أو تلك الأحداث تكون منتشرة في مكان محدد مثل "قرية البقرة"، ولكن الإعلام حينما يتعرض لها يساهم في اتساع رقعة انتشارها بين الناس خاصة البسطاء منهم.

وأوضحت أن الإعلام يبحث عن الإثارة بتقديم مثل تلك الحالات التي تعتبر مادة ثرية لأنها تتعلق بالغيبيات، ورغم محاولاتهم لتقديم الرأي والرأي الآخر إلى أن المواطنين خاصة البسطاء لن يعتقدوا إلا في الجزء المتعلق بالخرافة، وذلك لانتشار الجهل وعدم الوعي الذي يجب أن يقوم الإعلام به بأن نعود الناس على التفكير العلمي وأن لك شيء سبب وتقديم ذلك بطريقة سهلة ومبسطة.

واعترضت أستاذة الإعلام على الحديث داخل الإعلام عن هذه الأمور لأنه مازال ينقصنا كمجتمع خاصة الطبقات البسيطة الوعي لإدراك حقيقة تلك الأمور، محذرة من نتائج هذه الحلقات التي تكون سلبية بانتشار الخرافات داخل المجتمع، مستشهدة بحلقة تحضير روح الرئيس أنور السادات والتي حدثت داخل أحد البرامج منذ أيام.