“إيران” ثاني أكبر الاقتصادات حجمًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى، وهي منطقة جذب استثماري للشركات العالمية، فالسوق الإيراني البالغ قوامه 80 مليون نسمة ذو قيمة استثمارية كبيرة.

ورغم الخلافات السياسية بين إيران ودول الخليج، إلا أن المصلحة والقرب الجغرافي أدى إلى وجود علاقات اقتصادية واستثمارات خليجية في إيران، تلك البيئة المغرية للاستثمار الأجنبي، وبدت بعض دول الخليج كالإمارات وعمان والكويت من الدول الأكثر استفادة استثمارية من رفع العقوبات الدولية على إيران عقب الاتفاق النووي.

تقرير “ساسة بوست” يقف على قضية الاستثمار الخليجي في إيران.

الإمارات

رغم استمرار أزمة الجزر الإماراتية الثلاثة (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) منذ 30 عامًا، إلا أن الإمارات أقامت علاقات اقتصادية وتجارية مع إيران، وعدت من أبرز دول الخليج التي من الممكن أن تجني منافع استثمارية من رفع العقوبات عن إيران، كما أنها استقطبت رؤوس الأموال الإيرانية للاستثمار فيها.

بعد توقيع الاتفاق النووي أصبحت الرحلات الجوية بين دبي وطهران محجوزة بالكامل، يسافر رجال أعمال إماراتيون لتيسير مشاريع صناعية وتجارية في إيران، لقد كان حظ الشركات الإماراتية التي تعمل في قطاعات التمويل العقاري والنقل والخدمات المصرفية من هذا الاستثمار هو الأوفر، يقول المحلل في شركة “مباشر تريد”: “الإمارات ستكون المستفيد الأكبر في معدلات التبادل التجاري بعد رفع العقوبات عن إيران، ونحن نعتقد أن البنوك والمحطات البحرية والخدمات اللوجستية ستستفيد أكثر من باقي القطاعات”، مضيفًا: “نعتقد أن أسواق كلّ من الإمارات وتركيا ستكون أكثر المستفيدين من هذا الاتفاق، حيث ستكون محطات رئيسية للبضائع من وإلى إيران بعد عودتها إلى النظام العالمي”.

وسرعان ما أعلنت شركة موانئ دبي العالمية بعد شهر على توقيع الاتفاق النووي إنها تجري محادثات للاستثمار في إيران، وقال رئيس مجلس إدارة موانئ دبي سلطان أحمد بن سليم إن: “لدى إيران جسرًا بريًا جيدًا من السكك الحديدية سيرتبط بطريق الحرير بين الصين وأوروبا، والشركة تحتاج إلى دخول السوق الإيرانية في ظل وجود موانئها في الخليج”، كما أعلنت شركة “سيراميك رأس الخيمة” الإماراتية، المدرجة في بورصة أبوظبي أنها اشترت 20% من شركة “راك إيران”، لتستحوذ بذلك على جميع أسهم الشركة، وستوفر الشركة 3 خطوط للإنتاج في إيران، مع قدرة إنتاج سنوية تبلغ 9 ملايين متر مربع.

ويغري قطاع العقارات في إيران الإمارات، إذ بلغت نسبة نمو العقارات الإيرانية نحو 27 في المئة، يقول وزير الاقتصاد والمالية الإيراني داوود جعفري إنه: “يجري حاليًا التوسع في مجال العقارات من قبل الشركات الماليزية والأوروبية ودولة الإمارات العربية المتحدة”. وتشير مصادر اقتصادية أن حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات يتجاوز 15 مليار و451 مليون دولار، وإجمالي صادرات الإمارات إلى إيران بلغت 11.5 مليار دولار في العام الماضي، 95% منها مواد معاد تصديرها، في حين بلغت الواردات من إيران إلى أسواق الإمارات 1.2 مليار دولار.

وأكدت قبل أيام محطة «برس تي في» الإيرانية أن: “بنك الإمارات دبي الوطني عقد اجتماعات مع مؤسسات إيرانية وتناول الفرص الممكن الاستفادة منها”، كما اعتبرت الإمارات بمثابة الجسر الذي ستمر من خلاله الاستثمارات الأجنبية إلى إيران، وذلك لأنها تحرص على الاستفادة من علاقتها الاقتصادية مع إيران وتوظيفها بغض النظر عن الخلافات السياسية.

ويذكر تقرير صحيفة “فايننشال تايمز”: “أن دبي تحاول تقديم نفسها على أنها جسر للباحثين عن فرص في إيران”، ويوضح سايمون كير معد التقرير: “أن دبي لديها البنية التحتية وأسلوب الحياة المريح من أجل جذب الشركات المتعددة الجنسيات كي تدخل إيران، وبالإضافة إلى هذا فإن جالية إيرانية كبيرة تعيش في دبي، وهناك الكثير من العائلات الإماراتية التي تعود جذورها إلى أصول فارسية”.

الكويت

قبيل توقيع الاتفاق النووي الإيراني، شهدت العلاقات التجارية والاقتصادية بين الكويت وإيران نموًا ملحوظًا، إذ أسفرت الزيارة الرسمية التي قام بها الشيخ صباح الأحمد الجابر الأحمد في يناير (2015) عن توقيع ست اتفاقيات تعاون في المجال الاقتصادي بين البلدين، وسبق أن وقعت الكويت على اتفاقية بشأن التعاون في الشؤون الجمركية، لتسهيل إجراءات التبادل التجاري ودخول السلع والبضائع بين البلدين.

وتتركز الاستثمارات الكويتية في إيران في حقول النفط والصناعة والزراعة، وكان ذلك بالتنسيق مع جنوب إفريقيا ومقابل تسهيلات منحتها إيران للكويت في مجال الاستثمار، وقد أدى ذلك إلى احتجاج السعودية لدى الكويت على هذا الاستثمار، على اعتبار أنه سابق لأوانه، وقالت حينها السعودية إنه: “لا يجب إعطاء إيران أي دعم قبل أن تعطي إيران في المقابل تنازلات في اليمن وفي العراق وسوريا ولبنان، وأن الخطوة الكويتية هي مستعجلة وتفيد إيران ولا تفيد مجلس التعاون الخليجي في علاقاته الدولية”.

يقول المدير التنفيذي لشركة استثمار وتأمين النفط والغاز والبتروكيماويات (تابيكو) الإيرانية، محمود شيري، إن: “الكويت وجنوب إفريقيا أبدتا رغبة في الاستثمار في مصفاة سيراف ومشروع فناوران 2 للبتروكيماويات ومصفاة آناهيتا”، كما انضمت مصارف الكويت إلى مصارف الإمارات وعمان وقطر التي أكدت محطة «برس تي في» الإيرانية، إنها تعقد اجتماعات مع شركاء محتملين في إيران لكنها لم تشر المحطة بالاسم إلى بنوك كويتية، وتعكف هذه المصارف الكويتية على دراسة الاستشارات القانونية في غمرة مساعيها لإقامة علاقات شراكة مع مؤسسات مالية إيرانية لدخول النظام المالي الإيراني، حسب القناة.

في ديسمبر الماضي، قال رئيس غرفة التجارة والصناعة علي محمد ثنيان الغانم إن العديد من الاستثمارات الكويتية في إيران واجهت بعض المعوقات، وقال: “نأمل في تهيئة مناخ استثماري مناسب في ظل توافر فرص عديدة في طهران في مجالات الموارد الطبيعية، والسياحة، والصناعة وغيرها”، مؤكدًا على أن: “إيران ممكن أن تكون جسرًا تجاريًّا مهمًا للكويت، وعلى أن المستثمر الكويتي يمتلك خبرات هائلة وكبيرة في مختلف دول العالم يمكن توظيفها وتسخيرها في توطيد العلاقات الاقتصادية لما فيه مصلحة الكويت وإيران”.

سلطنة عُمان

لأن حجم التبادل التجاري بين عُمان وإيران لا يرقى إلى مستوى العلاقات السياسية، كان يجب العمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية والارتقاء بها إلى مستوى العلاقات السياسية، كما يقول مدير الاستثمار في الموارد والتصنيع في الصندوق العماني خالد الحمادي.

تمتلك البلدان العديد من مقومات التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية الذي يسهلها القرب الجغرافي والقواسم التاريخية المشتركة بينهما، فتلك العوامل حسب المسئولين الرسمين تدفع إلى تحقيق تبادل تجاري واستثمار بين البلدين، لذلك وبعد أن تجاوز عدد أعضاء مجلس الأعمال الإيراني العماني الـ100 عضو من المؤسسات والشركات، أنشأت في ديسمبر 2014 غرفة تجارية عمانية إيرانية مشتركة بهدف مناقشة موضوعات تجارية واستثمارية مشتركة، وتسهيل مهام الأعضاء.

وعُدت سلطنة عُمان من أبرز دول الخليج المستفيدة من رفع العقوبات عن إيران إثر توقع الاتفاق النووي، بل إن العمانيين استبقوا رفع الحظر عندما سارع مسؤولو غرفة تجارة وصناعة عمان لزيارة طهران ليعلن الطرفان الاتفاق على تأسيس شركة مشتركة للاستثمار، بالإضافة إلى تدشين خط ملاحي يربط بينهما.

ويقول وزير التجارة والصناعة العماني علي بن مسعود السنيدي إنه: “يبلغ حجم التبادل التجاري حاليًا بين البلدين نحو 337 مليون ريال عماني (877 مليون دولار)، ويوجد في عمان 259 شركة إيرانية مسجلة لدى وزارته تمارس نشاطًا تجاريًّا في البلاد”، ووفقًا لأرقام الكتاب الإحصائي العماني لعام 2014 فإن: “أنشطة إعادة التصدير والصادرات غير النفطية العمانية لإيران بلغت حتى نهاية عام 2013 نحو 124 ألف ريال عماني (نحو 322.5 ألف دولار) بزيادة 5.1% عن عام 2012، ووصلت الواردات السلعية لعمان من إيران في الفترة نفسها إلى قرابة 216 ألف ريال (نحو 562 ألف دولار) بزيادة 4.9% عن العام الذي سبقه”.

ويمكنا هنا الإشارة إلى مذكرة التفاهم التي وقعها صندوق سيادي عماني بقيمة 200 مليون دولار مع إيران لإنشاء مصنع لمجموعة “إيران خودرو” في منطقة الدقم التجارية الحرة العُمانية، وهي اتفاقية سجلت كأول صفقة بين شركة إيرانية كبرى وبلد عربي منذ رفع الحظر الدولي ضد إيران، ومن المقرر أن يتم تصنيع نحو 15 ألف سيارة سنويًّا في هذا المصنع، كما أن إيران أعلنت أنها ستضخ قرابة 4 مليارات دولار في مشاريع استثمارية بميناء الدقم الصناعي بعمان بهدف تحويل ميناء الدقم الصناعي إلى مكان تتوقف به جميع السفن العملاقة، حيث سيكون الميناء حلقة وصل بين إيران، ودول الخليج كما أعلن.

السعودية

بسبب التوتر السياسي المستمر بين إيران والسعودية، كانت العلاقات التجارية بين البلدين محدودة، إذ ترددت الشركات السعودية في الاستثمار في إيران خوفًا من عدم إمكانية تحقيق أرباح بسبب هذا العداء السياسي.

واحدة من أبرز الشركات السعودية التي تستثمر في إيران صناعيًّا هي شركة العوجان القابضة السعودية منذ عام 2005، وهي شركة تنتج مشروب رمضان الشهير “فيمتو” بترخيص من شركة نيكولز البريطانية، كما أن هناك مجموعة “صافولا” السعودية، وهي مجموعة لها أعمالها في مصر وإيران والسعودية وعدد من الدول، قدرت استثماراتها في إيران بـ 7.36% من إجمالي استثمارات الشركة، وهي تهيمن على سوق زيوت الطعام الإيرانية بحصة سوقية تقارب 40%، وقد شهدت أسهم الشركة خلال اليومين الماضيين تراجعًا قويًّا إثر إعلان المملكة عن قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع طهران.

وبعد تصاعد التوتر بين البلدين إثر إعدام السعودية نمر النمر، أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، أن الرياض ستقطع “جميع العلاقات التجارية مع إيران بجانب وقف الرحلات الجوية وقطع العلاقات الدبلوماسية“، لكن الاقتصاديين يقللون من تأثير قطع العلاقات مع إيران لأن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يتجاوز الـ500 مليون دولار، وهي الأزمة التي دفعت الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال، للإعلان عن إلغائه خططه الاستثمارية في إيران، وتوقف دراسة جميع المشروعات والاستثمارات في إيران، في ظل الخلاف الدبلوماسي بين الرياض وطهران، كما أوقف جميع الرحلات التي تسيرها شركة طيران “ناس” الاقتصادية من وإلى إيران، وتملك شركة المملكة القابضة، الذراع الاستثمارية للأمير السعودي، حصة نسبتها 34% من شركة الطيران المنخفض التكلفة.

البحرين

رغم أن البحرين تتهم إيران بالتدخل في شؤونها الداخلية، ودعم المعارضة الشيعية فيها ضد الحكومة، خاصة بعد اضطرابات البحرين عام 2011، إلا أن البحرين بحكم الجوار على الأقل انضمت إلى دول الخليج التي ربطتها مع إيران مصالح اقتصادية واستثمارية، وذلك أيضًا رغم تضررها بعد رفع العقوبات الدولية عن إيران وتضخم المشاريع الأجنبية، فحسب موقع “ميدل إيست أونلاين” أن دول الخليج لن تستطيع رفض الصفقات المليارية المربحة مع إيران، إلا أن السعودية والبحرين قد تتضرران قليلًا، بسبب الهبوط المتوقع لأسعار النفط، وكذلك بسبب مشاريع إيران السياسية المعادية للبحرين.

لكن بالتعريج على وضع البحرين الاستثماري مع إيران، يمكنا القول إنه بهدف فتح أسواقها أمام التجار الخليجيين للدخول برؤوس أموالهم في مشروعات سياحية وإسكانية في إيران، وقعت إيران والبحرين اتفاقًا يتعلق بمنع الازدواج الضريبي وتشجيع ودعم التبادل في مجال الاستثمار بين البلدين، وبهدف تسهيل الاستثمار البحريني في إيران، وأقرت إيران قانون يمنح تسهيلات للمستثمرين البحرينيين الراغبين؛ رغبة منها في تشجيع الاستثمار الأجنبي.

أما فيما يتعلق فالتعاون المصرفي بين البلدين يبرز ذلك من خلال نشاط بنك المستقبل الإيراني الذي يتخذ لنفسه مقرًا بالمنامة، فقد أسس هذا البنك عام 2004 كمشروع مشترك بين بنكين إيرانيين هما صادرات وملي، والبنك الأهلي المتحد البحريني، وذلك بهدف توسيع نطاق الأعمال التجارية بين اقتصادات دول الخليج العربية وإيران، وفعليًّا واجه البنك ضغوطًا سياسية متواصلة حتى أصبح الآن مهدد بالإغلاق إثر أزمة وتر العلاقات بين البلدين ومحاولة البحريين التضييق على إيران، خاصة أن البحرين أعلنت في وقت سابق قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد خطوة مماثلة اتخذتها المملكة العربية السعودية.

قطر

تغطي الاستثمارات القطرية معظم دول العالم، فقطر دولة رائدة في مجال الاستثمار الخارجي، وحل جهاز قطر للاستثمار في المرتبة الأولى عالميًّا في 2014، من حيث معدل النمو في حجم الأصول الذي ناهز 50 بالمئة منذ انطلاق عمله في عام 2005، مسجلًا 256 مليار دولار.

لذلك انتهجت قطر إستراتيجية تسهم في تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية بإيران، وبلغ حجم التبادل التجاري بين دولة قطر وإيران نحو300 مليون دولار عام 2013، أما التبادل التجاري غير النفطي بين إيران وقطر وصل إلى 114.3 مليون دولار.

وشهدت العلاقات الاقتصادية الإيرانية- القطرية تطورًا ينم عن حالة الانفتاح والتعاون التجاري والاقتصادي بين الجانبين، والدخول في مشاريع مشتركة مرورًا بتوقيع بعض الاتفاقيات التي كان من أهمها تأسيس مجلس اقتصادي مشترك بينهما، وفي ظل هذا التطور الإيجابي في العلاقات بين الدولتين جاءت اتفاقية إقامة منطقة اقتصادية حرة مع إيران عام 2014، هذه المنطقة المقامة في مدينة بوشهر جاءت لحرص البلدين على إقامة مشاريع صناعية واستثمارية مشتركة، وأنشأ البلدان في ذات العام شركتين لإدارة التبادل التجاري من “المنطقة الحرة”، إذ يحرص البلدان على صياغة وتطوير رؤية مشتركة لدور القطاع الخاص في الجانبين حول الاستثمار الأمثل للمنطقة الحرة، يقول العضو بمجلس غرفة طهران للتجارة والصناعات والمناجم والزارعة محمد حسين برخوردار: “تعزيز التعاون مع قطر يلعب دورًا محوريًّا في تحقيق نمو مستدام بالسوق الإيرانية”.

قد يعطي الاتفاق النووي ورفع العقوبات على طهران فرصة لمزيد من الاستفادة الاقتصادية المتبادلة بين إيران ودول الخليج العربية، في حين أن التصعيد السعودي الإيراني والخلاف حول قضايا المنطقة ربما يجعل حركة الاستثمارات أكثر صعوبة: ويبقى السؤال المطروح في الأشهر القادمة: أيهما يأتي أولًا.. الخلاف السياسي أم المصالح الاقتصادية؟