يخضع سكان المدن الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش لنظام قضائي استثنائي في إجراءاته ولوائح عقوباته، بعد شروع التنظيم في إغلاق المحاكم التابعة للأنظة الرسمية التي تراها “كافرة”، وتشريع عدد من اللوائح التشريعية التي منحوها صبغة فقهية وشرعية.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” التعرف على أبرز هذه اللوائح والإجراءات العقابية، وكيف تعمل محاكم الأحوال الشخصية التابعة للتنظيم، وهل يمر بالمراحل العادية وإجراءات النقض أم ينتفي فيه ذلك؟

 داعش تنتقم من أنظمة القضاء الرسمية: إغلاق للمحاكم واعتقال للقضاة

تُعتبر المحكمة الشرعية العليا هي أعلى درجات التقاضي، وأعضاؤها يكون عددهم فرديًا، والتصويت إجباري، وهي الجهة التي تشرف على إصدار جميع الأحكام، وتأكيد مطابقتها للشرع وفق رؤية التنظيم.

وبالتزامن مع سيطرة تنظيم داعش على بعض المناطق السورية، شرع تنظيم داعش في إغلاق محاكم النظام التي اتهمها بالكفر لأنها تحكم بغير ما أنزل الله، واعتقل عددًا من القضاة ومنهم رئيس النيابة في منبج لمدة شهر تقريبًا، وأقام محاكمه التي تستلهم الشرع الإسلامي.

كذلك امتدت حالة الانتقام من النظام القضائي المعمول به إلى العراق أيضًا، حيث هاجم مسلحو التنظيم قضاء الدبس القريب من مدينة كركوك شمالي العراق، واحتلوا المقر الحكومي الذي يضم مديرية شرطة قضاء الدبس والقائمقامية ومديرية مكافحة الإجرام. وتبعد الدبس عن مدينة أربيل بمسافة 50 كيلومترًا.

كذلك امتدت حالة الثأر حيال القضاة التابعين للأنظمة الحاكمة، إلى تنظيم عملية استهداف لعدد من القضاة المصريين، ممن خولوا بمراقبة الانتخابات البرلمانية بمنطقة سيناء، حيث ذكرت ولاية سيناء التي تدين بالولاء لداعش؛ مسؤوليتها عن قتل عدة قضاة كان يفترض بهم تولي مهمة الإشراف على الانتخابات في سيناء.

الأحكام القضائية الداعشية: السرعة في التنفيذ تنفي نقض الحكم

تتجاوز الأحكام القضائية الصادرة عن دواوين القضاء الداعشي التدرج المُعتاد في المحاكم من المراحل التي يمر بها الحكم (الابتدائية، الاستئناف، النقض) لحين تنفيذه، إذ تنتفي عملية المراجعة لأوراق القضية المُدرجة أمام قضاة التنظيم، ويصير الحكم الصادر واجب التنفيذ، ولا رجعة فيه.

تُظهر قضية الشاب “يوسف” الذي يبلغ من العمر 16 عامًا، والصادر بحقه حكم بالإعدام من جانب محكمة تابعة للتنظيم، على خلفية اتهامه باغتصاب سيدة بمنطقة منبج بمدينة حلب، حجم “التعسف” الذي يكتنف الأحكام القضائية الصادرة عن التنظيم، والتي لا يحق للمُتهم فيها مراجعة الحكم أو تفنيده، إذ تبين لأهالي المنطقة بعد تنفيذ الحكم خطأ هذه الواقعة، بعد ثبوت أن خلافًا ماديًا بين السيدة والمُتهم دفع المرأة لاتهامه بهذه التهمة لتخويفه ودفعه لرد مبلغ مالي معين .

كما تُظهر واقعة أخرى المشاكل في هذه الأحكام؛ إذ أصدر التنظيم حكمًا بالإعدام بحق الشاب عبد الخالق شيخ محمد (45 سنة)، في جب الخفي إحدى قرى جرابلس، والرجل من قرية البلدق بجرابلس، بتهمة السحر والشعوذة. ثم تبين أن هذا الشاب مريض عقلي، ويُعالج بمستشفى الأمراض العقلية والنفسية، وهي الشهادة التي ذكرها كذلك أحد عناصر التنظيم عبد الحفيظ أبو أحمد الشامي، وهو والد أبو حفص المعروف في المنطقة، والتي ذكر فيها أن الدولة أخطأت بإعدامه، وأن الشاب مريض.

كذلك أعدم التنظيم ابن أحد أغنياء الباب في جرابلس بتهمة التعاون مع الجيش الحر، ورفض تسليم الجثة لوالده إلا بعد وساطات، واشترط ألا يدفن في مقابر المسلمين وألا يصلى عليه، مبررًا التنظيم ذلك بالتخابر مع الجيش الحر، رغم ثبوت أن ما حدث تلخص في طلب من عناصر لهذا الشاب تحويل محطة الوقود التي يملكها إلى مركز اعتقال سري لعناصر داعش، فأجابهم بأن هذا المكان لا يصلح لمناقشة هذه الأمور.

إحدى الخطايا التي تكتنف الأحكام هي المُنافسة بين القضاء على استصدار أقصى الأحكام في سبيل إثبات الولاء للتنظيم، وكونهم كذلك غرباء عن سوريا أو العراق المناطق التي يحتلها التنظيم، وعدم شمول معرفتهم بالعادات والتقاليد.

محاكم الأحوال الشخصية الداعشية: غرامات مالية وعقوبات جسدية

 

أعد الديوان القضائي لتنظيم داعش سلسلة من الأحكام القضائية للعديد من القضايا التي تندرج تحت تخصص محاكم الأحوال الشخصية، حيث أبقت على عدد من الأحكام المعمول بها في الأنظمة القضائية خصوصًا المتعلقة بالمواريث، فيما استحدثت العديد من الأحكام .

تبرز العديد من العقوبات والعديد من الحوادث المتنوعة والغريبة التي يطبّقها داعش على السوريين ضمن أحكام الأحوال الشخصية.

ففي أغسطس 2015، اعتقل داعش الشاب “أحمد” بسبب محادثة بواسطة أحد تطبيقات جهازه التليفوني بينه وبين خطيبته المقيمة في تركيا، ما دفع التنظيم الذي لم يصدق رواية أنها خطيبته إلى اعتباره يقوم بالتواصل مع فتاة “أجنبية”، وكانت العقوبة جلد الشاب باعتبار أنه ليس متزوجًا بحسب الشريعة.

في سبتمبر 2015، اعتقلت دورية تابعة لداعش فتاة في ريف دير الزور عمرها 22 سنة، وذلك على خلفية محادثة بينها وبين شقيقها الذي يقاتل في صفوف فصائل معارضة مسلحة غير داعش في ريف دمشق، وذلك أن هذا التواصل هو تواصل مع مرتد، وبعد شهرين من اعتقالها أُعدمت رميًا بالرصاص وأُخبر أهلها بتنفيذ الحكم دون تسليم الجثة إليهم، على اعتبار أنها باتت في حكم المرتدين لتواصلها مع شقيقها الذي يعتبر مرتدًا.

وفي أغسطس 2015، اعتقلت دورية تابعة لداعش مجموعات من شباب مراهقين يقفون أمام نهر في ريف دير الزور، ويرتدون قمصانًا داخلية، بتهمة إطالة شعر الإبط والأظفار، وتمت معاقبتهم بإجبارهم على  حفر الخنادق التي يجهزها داعش لإعداد كمائن لجيش النظام السوري.

وفي يونيو 2015، أقدمت دورية الحسبة النسائية على دهم حفل زفاف في بلدة “الخشام” في ريف دير الزور، وفرضت على أهل العريس غرامة قدرها عشرة آلاف ليرة سورية (25 دولارًا)، بتهمة ارتداء والدة العريس حذاءً بكعب عالٍ.

الجلد والإعدام.. أبرز عقوبات نظام داعش القضائي

 

يندرج تحت منظومة القضاء “الداعشي” العديد من الأحكام القضائية، التي يربطونها بنصوص الشريعة الإسلامية، ويتصدر المرتبة الأولى ضمن لائحة العقوبات الجلد والإعدام .

كذلك تنص لائحة العقوبات على إرغام داعش على عدم تسلّيم جثث مَن يعتبرهم مرتدين إلى أهلهم ويمنع دفنهم في مقابر المسلمين، بجانب عرف داخل إجراءات التحقيق بأخذ الاعترافات تحت التعذيب ولا سيما في ما يتعلق بالقضايا الأمنية والجنائية.

يقول السجين السابق محمد ح “قسم من القضاة يستند إلى الاعترافات المأخوذة تحت الضغط (التعذيب) وإذا لم يأخذ القاضي بها، يعاد التحقيق مرة ثانية لكن بأساليب أشد قسوة”.

ويتضمن النظام القضائي لداعش عقوبة من ينشغل عن تأدية الصلوات، كما وقع لسبعين فردًا في قرية “الإبريهة” الواقعة في ريف محافظة دير الزور السورية، في شهر أغسطس 2015، إذ كانت عقوبتهم اقتيادهم إلى محيط مطار دير الزور العسكري حيث تدور معارك بين داعش وقوات النظام السوري، وإجبارهم على حفر الخنادق والممرات التي توصل إلى المطار، لمدة شهرين.

كذلك يفرض النظام القضائي توصيفًا شرعيًا لما يسميه “اللباس الشرعي” عبارة عن عباءة فضفاضة ودرع فضفاض يغطي الرأس ويصل حتى أسفل الصدر مع تغطية الوجه. وقد تم الاكتفاء بإجبار النساء على شراء اللباس الشرعي وثمنه 2500 ليرة سورية (7 دولارات)، وتصل عقوبة المخالف لهذا اللباس إلى 500 جلدة، وفقا لبعض المصادر.