جلال سلمي - خاص ترك برس

باتت تُشكل الطاقة ومصادرها نقطة مفتاحية لتشكيل نوعية العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول حول العالم، لا سيما في الفترة الحالية التي تشهد تغير جذري في تفوق بعض دول مصادر الطاقة، حيث يُتوقع كسر الاحتكار الخليجي بعد ضخ إيران والولايات المُتحدة الأمريكية لمصادرها نحو السوق العالمية، ولا سيما أيضًا بعد التطور الصناعي الملموس الذي تشهده الدول المتطورة والذي يدفعها إلى توفير العديد من مصادر الطاقة لدفع عجلته.

وتعمل الدول المنتجة والمُصدرة للطاقة على تشكيل علاقاتها السياسية والاقتصادية على أسين أساسيين؛ الأول: توفير أسواق لعرض مصادرها وبيعها، أما الثاني: التعاون مع بعض الدول لتوفير الطرق والممرات الآمنة لنقل مصادرها إلى الأسواق التي تريد، ويُطلق على الدول التي توفر الطرق الآمنة والحماية لها "البلدان شبه المحيطية"، لإطلالها على العديد من الطرق الاستراتيجية.

أما الدول المستوردة فتسعى لتشكيل علاقاتها السياسية والاقتصادية على أساس الحصول على مصادر الطاقة دون انقطاع وبطرق آمنة وبأقل الأسعار الممكنة، ودائمًا ما تحرص هذه الدول على تأسيس العديد من العلاقات المتنوع مع معظم الدول المصدرة للطاقة للاستفادة من عنصر التنافس الموجود بين الدول المُصدرة والذي يعمل على خفض أسعار النفط.

وفي سياق متصل، يُشير الخبير الاقتصادي "أردال تاناس كاراغول"، في مقاله "تركيا وآمال الاتحاد الأوروبي"، نُشرت في صحيفة "يني شفق"، بتاريخ 1 شباط/ فبراير 2016، إلى أنه ليس العلاقات السياسية والاقتصادية فقط التي أصبحت تتمحور على أساس مصادر الطاقة وطرق نقلها، بل إن التحركات الدبلوماسية والتحالفات العسكرية أيضا ً باتت تتشكل وتتم بناء ً على مصادر الطاقة، ومن الأمثلة النموذجية على ذلك، فرض الاتحاد الأوربي عقوبات اقتصادية على مصادر الطاقة الروسية، لإجبارها على التراجع عن احتلال القرم، أيضًا قيام روسيا بالتدخل في سوريا والتحالف مع نظامها، من أجل استخراج الغاز الطبيعي الموجودة داخل حدود السواحل الإقليمية لسوريا، واستخدام سوريا وساحلها المطل على البحر الأبيض المتوسط لنقل غازها ونفطها من سوريا إلى دول شرق أوروبا.

ويوضح كاراغول أن مقاطعة الاتحاد الأوروبي لمصادر الطاقة الروسية، أضر بالاتحاد الأوروبي بقدر ما أضر بروسيا، لذا بعد فرض الحصار الاقتصادي على روسيا، أصبح الاتحاد الأوروبي في حالة بحث مستمرة عن مصادر الطاقة وطرق الحصول عليها بشكل آمن.

ويضيف كاراغول مبينًا أن تركيا اليوم أصبحت بمثابة الأمل الوحيد لدول الاتحاد الأوروبي لتوفير مصادر الطاقة المناسبة، لا سيما في ظل تنويع تركيا لمصادر الطاقة الخاصة بها، بعد اندلاع أزمة حادة بينها وبين روسيا نجمت عن إسقاط تركيا للطائرة الروسية المُخترقة للأجواء السيادية لتركيا، في ظل هذه التحركات أضحت تركيا دولة شبه محيطية مهمة بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، إذ من خلال تنويع مصادرها ومن خلال توفير ممر تصدير إلى أوروبا لصالح الدول المصدرة للنفط وعلى رأسها أذربيجان، نيجيريا، شمال العراق، قطر، وكما أن الموقع الجغرافي السياسي المُميز لتركيا، يجعل منها معقد أمل لدول الاتحاد الأوروبي، لاستخدامه كممر نقل في حين قام الاتحاد بإبرام اتفاقيات مع الدول المذكورة أعلاه.

يبدو أن تركيا اليوم عازمة على جعل نفسها "مركز لنقل الطاقة"، لا سيما بعد نبوع حاجة ماسة للاتحاد الأوروبي وشمال العراق وأذربيجان وبعض دول الخليج، لاستخدامها كممر إما لاستيراد النفط أو لتصديره، وفرصة ذهبية مثل هذه، لن تضيع من أيدي الحكومة التركية التي تسعى بالفعل من خلال العديد من الخطط الاستراتيجية إلى جعل تركيا نقطة مركزية في كافة مجالات النقل "الجوية، البحرية، البرية".

ومن جانبه، أكد مفوض الاتحاد الأوروبي للمناخ والطاقة "ميغول أرياس كانيتي"، في لقاء صحفي أجراه مع وكالة الأناضول، على هامش مشاركته في اجتماع حوار الطاقة التركي الأوروبي رفيع المستوى، الذي عُقد في إسطنبول، بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير 2016، على أن قطاع الطاقة سيشهد العديد من التغيرات خلال الفترة القادمة، وتركيا مُرشحة للعب دور محوري مهم في تلك التغيرات، خاصة في توفير تلك المصادر للاتحاد الأوروبي الذي أصبح وبكل صراحة يعقد كل الأمل على تركيا، لتوفير بيئة آمنة لنقل مصادر الطاقة من الدول المُصدرة إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وأعزى كانيتي الدور المحوري المهم لتركيا إلى المقومات الجغرافية السياسية والتي تجعلها من أهم مراكز نقل وإمدادات الطاقة في المنطقة.