لعل زيارة وزير الخارجية الألماني فرانك-فالتر شتاينماير إلى السعودية – قبل أن يحط به الرحال في غريمتها إيران بعد أن توترت بينهما العلاقات إلى حد القطيعة مطلع العام الجاري – من أصعب الزيارات لديبلوماسي ألماني إلى منطقة على صفيح من نار.

الزيارة تأتي تزامنا مع افتتاح مهرجان الجنادرية الثقافي في دورته الثلاثين والذي تحل عليه ألمانيا ضيفة، لكنها لا تخل من أبعاد سياسية، كما يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط الدكتور خطار أبو دياب. ويقول في حوار مع DW عربية: "المناسبة هي ثقافية، لكنها زيارة سياسية بالنسبة لشتاينماير. ألمانيا – قبل أن تذهب إلى طهران في إطار سلسلة الهرولة الجديدة نحو الإلدورادو الإيراني بعد رفع العقوبات عنها – تحرص أيضا على الاهتمام بعلاقاتها مع الرياض وأخواتها من المنظومة العربية الخليجية في سعي إلى إقامة علاقات ألمانية متوازنة مع ضفتي الخليج."

زيارة صعبة، لكن لا مفر منها

ولكن هذه الزيارة - التي صاحبتها انتقادات لاذعة في ألمانيا من قبل المعارضة والعديد من المنظمات الحقوقية التي نددت بالإعدامات الجماعية، آخرها إعدام 47 شخصا وبينهم رجل الدين الشيعي المعارض نمر النمر، وتكميم الأفواه -أكبر من مجرد أن تكون زيارة ودية للرياض. وزير الخارجية الألماني فرانك-فالتر شتاينماير صرح قبيل زيارته إلى السعودية أنه سيتحدث "علنا وبصراحة عن كل المشاكل" مع القيادة في المملكة. وفي تصريح لصحيفة دي فيلت أم زونتاغ الألمانية مطلع هذا الأسبوع قال شتاينماير: "بالطبع من المريح القول: مع الدول التي لها تصورات مخالفة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير ودور المرأة لا نريد أن تكون لنا معها أي صلة ولا نريد أن نلطخ أيادينا"، مشددا في الوقت نفسه: "ولكن السياسة الخارجية لم تكن هكذا قط ولا يمكنها أن تعمل هكذا خاصة في عالم غير واضح مليء بأزمات خطيرة."

فهل يتحدث الوزير عن وضع حقوق الإنسان في المملكة والذي تنعيه المنظمات الحقوقية منذ زمن؟ وهل يتحدث عن القمع الذي يتعرض له كل من يفكر بطريقة مختلفة عما تمليه شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هذا ما تطالب به المعارضة والمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان. لكن الوزير أكد في الوقت نفسه بأن توتر العلاقات بين الرياض وطهران يتصدر أجندته، حيث قال لصحيفة دي فيلت الألمانية مطلع هذا الأسبوع: "من مصلحتنا أن نحاول كل ما بوسعنا للحيلولة دون تصاعد التوتر وأن نستغل إمكانياتنا من أجل الحصول على قنوات للتواصل والمساهمة في زرع الثقة."

شكل اقتحام المتظاهرين الإيرانيين للسفارة السعودية في طهران احتجاجا على إعدام الشيخ النمر قطيعة في العلاقات السعودية - الإيرانية...

هل ينجح الألمان فيما فشل فيه غيرهم؟

والوزير يدرك مدى صعوبة هذه المهمة خاصة عقب تصاعد التوتر بين السعودية وإيران إلى حد قطع العلاقات الديبلوماسية بعدما اقتحم محتجون إيرانيون على إعدام الشيخ نمر النمر، المعارض الشيعي السعودي، السفارة السعودية في طهران وما تلاها من تصريحات من الرئيس حسن روحاني الذي اشترط أن تبادر الرياض بالقيام بالخطوة الأولى لإعادة العلاقات بين البلدين. كما أنه يدرك أن كلا القوتين الإقليميتين المتنافستين تخوضان حروبا بالوكالة في سوريا واليمن وتحاولان بسط نفوذهما في عدة دول في المنطقة متخذتين من الانتماء الطائفي ذريعة لذلك: ففيما ترى السعودية نفسها الدولة السنية وحاضنة المقدسات الإسلامية، تعتبر إيران نفسها حامية الشيعة في المنطقة.

شتاينماير يدرك أن كل "تصعيد جديد بين طهران والرياض يزيد من صعوبة إيجاد حلول للعديد من الأزمات في الشرق الأوسط" وأن "كل النزاعات الدامية في كل مكان في الشرق الأوسط مرتبط ارتباطا وثيقا بالفجوة العميقة بين الشيعة والسنة"، على حد قوله.

المهمة لن تكون سهلة، لكن لا مفر منها على ما يرى الدكتور خطار أبو دياب، الذي يشير إلى أن لألمانيا مصلحة كبيرة في انفراج الأزمة بين الرياض وطهران. فإلى جانب المصالح الاقتصادية الألمانية في المنطقة، فإن "ألمانيا (...) معنية بكل ما يجري من توترات سنية شيعية، وخاصة الأزمة السورية من كل هذا الإقليم المضطرب، لأن ذلك من شأنه أن ينعكس على الأمن الأوروبي بشكل عام وعلى الأمن الألماني بشكل خاص"، على حد قوله في تصريح لـDW عربية.

وفي الواقع فإن ألمانيا، التي استقبلت العام الماضي أكثر من مليون لاجئ أغلبيتهم العظمى من السوريين، تخشى من قدوم أعداد مهولة أخرى في ظل الانتقادات الداخلية المتزايدة لسياسة الحكومة في اللجوء. فهل تنجح ألمانيا في ترطيب الأجواء بين الخصمين اللدودين؟

"لا يجوز لألمانيا أن تنحاز لطرف معين"

الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط غيدو شتاينبيرغ يستبعد أن تنجح ألمانيا لوحدها في ذلك، مؤكدا أن الولايات المتحدة هي التي بإمكانها أن تؤثر على السعودية، لافتا إلى وجود تحالف ضمني بين كلا البلدين: السعودية تؤمن تزويد الولايات المتحدة بالنفط في المقابل تضمن أمريكا بقاء المملكة في حال وقوع هجوم عليها. وفي سياق متصل، قال الخبير الألماني من معهد العلوم والسياسية في برلين في حوار مع إذاعة ألمانيا منتصف شهر يناير/كانون الثاني: "رغم كل الأزمات، فإن هذا التحالف لايزال قائما. وهذا التحالف هو الذي يجعل السعوديين يسمعون للأمريكيين فقط لا غير. جيمع الفاعلين الآخرين هم من المنظور السعودي غير مهمين. وهذا الأمر ينطبق على روسيا كما على الصين التي تشتري كميات ضحمة من النفط (السعودي). وبالطبع الأمر ينطبق أيضا على الأوروبيين."

رأي لا يشاطره فيه العديد من الخبراء بالنظر إلى قوة ألمانيا الاقتصادية وثقلها في المنطقة الأوروبية بالإضافة إلى أنها أحد مزودي السعودية المهمين بالسلاح. لكن الأكيد أن ألمانيا لا تريد أن تلعب هذه الورقة وإنما الوساطة بينها وبين إيران دعما لوساطات دولية أخرى. ففي سياق متصل، كتبت صحيفة دي فيلت أم زونتاغ معلقة: "السعودية وإيران فاعلان إقليميان في ضباب الحرب السورية. (...) إيران تدعم الأسد بالمقاتلين والسلاح، والسعودية تسلح المعارضة. وبما أن الجانبين لا يتحدثان مع بعضهما البعض، فإن وساطة خارجية ضرورية أكثر من أي وقت مضى، حتى من قبل الألمان الذين يتمتعون بسمعة في المنطقة فوق كل شبهة." ولكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة أن يتقيد شتاينماير خلال زيارته إلى الرياض وطهران بقواعد الديبلوماسية، حيث علقت بالقول: "لا يجوز للألمان أن يلعبوا دور الحكم لصالح جهة معينة (...) هم يذهبون كبعثة ألمانية بمصالح ألمانية. وهذه المصالح لا تتضمن فقط صادرات اقتصادية وإنما أيضا مبادئ تستند إلى احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي."