وانضمّ رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مساء الأحد، خلال لقائه بسفراء (إسرائيل) في الخارج، إلى الأصوات التي تتوعّد حركة “حماس” من “مغبة محاولة تنفيذ عمليات أو اختراق العمق الإسرائيلي”، معلناً أن “إسرائيل تعمل وبشكل منهجي، لمواجهة التحديات، وأنها تملك وسائل دفاعية وهجومية”. كل ذلك في الوقت الذي أقرّت فيه مصادر مختلفة أن الاحتلال لم يتمكن بعد من تطوير أدوات ووسائل تكنولوجية، تُمكّنه من اكتشاف وتحديد مواقع الأنفاق التي تحفرها “حماس”.


الاحتلال لم يتمكن بعد من تطوير أدوات ووسائل تكنولوجية، تُمكّنه من اكتشاف وتحديد مواقع الأنفاق

في المقابل، أقرّ مصدر أمني إسرائيلي، حسبما نقلت الصحف الإسرائيلية، أن “الجيش الإسرائيلي، ورغم ادّعاءات سكان البلدات (المستعمرات) الإسرائيلية الحدودية عن سماعهم أصوات حفر تحت الأرض، لم يعثر لغاية الآن على أنفاق جديدة”.

مع ذلك، يُثير موضوع طرح مسألة الأنفاق الهجومية ومسألة استعادة “حماس” لقوّتها مجدداً، تساؤلات عدة حول ما إذا كان الأمر، بمثابة محاولة إسرائيلية مسبقة، لتهيئة الأرضية لعملية وعدوان جديد على غزة يتمّ التخطيط له، أم أنه مجرد نوع من التراشق الإعلامي ضد حكومة نتنياهو. وما يعزّز تعدّد الفرضيات، هو أن أول من تحدث عن “حماس” الشهر الماضي، كان من المعارضة الإسرائيلية، وهما النائبان في لجنة الأمن والخارجية التابعة للكنيست، عوفير شيلح، من حزب “ييش عتيد”، والعقيد احتياط عومر بار ليف، من “حزب المعسكر الصهيوني”، اللذان ادّعيا في دراسة نشراها في موقع أميركي، أن الحركة استعادت قوتها العسكرية.

كما حذّر قائد عسكري رفيع المستوى في القيادة الجنوبية، بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، قادة ورؤساء السلطات المحلية للبلدات (المستعمرات)الإسرائيلية الحدودية القريبة من غزة، من أن “حماس تستعد لدورة جديدة من المواجهة مع إسرائيل”.

وتعزز إسرائيل تقديراتها، أخيراً بشأن استئناف الحركة لنشاطها في حفر الأنفاق الهجومية، استناداً إلى اعتراف “حماس” نفسها باستشهاد عدد من عناصر القسام خلال عمليات لحفر أنفاق جديدة، وبتصريحات نائب رئيس المكتب السياسي لـ”حماس” اسماعيل هنية، التي أقرّ فيها بأن “الذراع العسكري لحركة حماس حفرت حول غزة سلسلة أنفاق، لحماية الشعب الفلسطيني ولتحرير مقدساته”، مدعياً بأن “طول الأنفاق الجديدة هو ضعف ما حفرته المقاومة قبل عدوان العصف المأكول (صيف 2014)”.

مع ذلك، ورغم هذه التصريحات، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تنقل عن مصادرها، قولهم إن “حماس غير معنية بصدام أو مواجهة عسكرية” مع الاحتلال. لكن هذه المصادر تُكرّر الادّعاء بأن ذلك لا يعني “توقف حماس عن سعيها لاستعادة قوتها وجهوزيتها القتالية”.

اقرأ أيضاًتوقعات بتحسن التيار الكهربائي في غزة بعد إصلاح الأعطال

وقد كثّفت الصحافة الإسرائيلية من نشر هذه التقارير، ومنها التحليل الذي نشره الأحد، المحلل العسكري في “هآرتس”، عاموس هرئيل، بشأن “السباق مع الزمن بين حماس وإسرائيل، تحت سطح الأرض”. ويسعى الإسرائيليون إعلامياً ودعائياً وبشكل متواصل إلى اتهام الحركة، بأنها تواصل مساعيها أيضاً لرفد الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، بعمليات استشهادية، وإقامة شبكة من الخلايا العسكرية لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، سواء كانت من جنود الاحتلال أم المستوطنين في الضفة الغربية، عبر مقر قيادة الحركة الذي أقامه صالح العاروري في أنقرة في تركيا، قبل مغادرته لها.


حركة حماس قد تكون تعلّمت واستفادت من العقيدة القتالية لدى حزب الله

وأضاف هرئيل بأن “حركة حماس قد تكون تعلّمت وأخذت من العقيدة القتالية لدى حزب الله، التي توصف دائماً ضمن سيناريوهات الرعب الإسرائيلية الجديدة، التي تتحدث عن إقدام الحزب على تغيير طرقه القتالية وعدم الاكتفاء بشنّ هجمات صاروخية أو عمليات تسلل محدودة وراء الحدود (وهو ما نفّذته حركة حماس نفسها خلال العدوان الإسرائيلي الأخير عليها قبل عام ونصف)، بل تجاوز ذلك إلى شنّ هجوم بري يهدف إلى السيطرة على بلدة أو مستوطنة إسرائيلية ولو لبعض الوقت، لما في ذلك من كسر لمعنويات الطرف الإسرائيلي، تحديداً في صفوف المدنيين”. كما اعتبر هرئيل أنه “على ضوء تمكن إسرائيل من خلال منظومة القبّة الحديدية من توفير ردّ للصواريخ الفلسطينية، فإن ذلك زاد من ارتباط وتعلق قوة حماس بحفر أنفاق تخترق العمق الإسرائيلي”.

في هذا السياق، اختار المراسل العسكري لـ”يديعوت أحرونوت”، سوسي يهوشواع، أمس، العودة إلى تصريحات قديمة لقائد المنطقة الجنوبية لجيش الاحتلال، الجنرال سامي ترجمان، بشأن وجوب تحرك جيش الاحتلال لضرب الأنفاق الفلسطينية، قبل اندلاع المواجهة العسكرية، ولتفادي الخسائر التي تكبّدها الطرف الإسرائيلي في عدوان غزة قبل بدء العمليات البرية.

ويعني هذا في الواقع وجود تفاهم أو قناعة وقرار في الطرف الإسرائيلي، بتوجيه ضربة استباقية لحركة “حماس” وفقاً لتصريحات ترجمان التي جاء فيها “في المرة القادمة، التي سنعرف فيها عن وجود أنفاق تجتاز العمق الإسرائيلي، سنوصي بمهاجمتها بمبادرتنا وبدون انتظار بدء المواجهة العسكرية”.

وبحسب يهوشواع، فإن “الإحباط الذي يعانيه سكان المستوطنات الحدودية، يتعاظم في كل مرة يتم فيها استدعاء قوات سلاح الهندسة للتحقق من وجود أنفاق جديدة، مع سماع أصوات الحفر ليلاً، إلا أن هؤلاء يعودون أدراجهم بعد فشلهم في اكتشاف أنفاق جديدة. فيما تماطل الحكومة الإسرائيلية، بحسب سكان المستوطنات الحدودية مع غزة، في بدء إقامة سياج حدودي إلكتروني”.

ويضيف بأنه “في ظلّ المعضلة التي تواجه المستوى السياسي الإسرائيلي، هل نشنّ هجوماً استباقياً أم ننتظر المواجهة القادمة؟ والسؤال المطروح هو هل سيرفع قائد المنطقة الجنوبية الجديد (الذي خلف ترجمان في منصبه) الجنرال أيال زمير، توصيات لرؤسائه ومنهم للكابينت (مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر) السياسي والأمني، بالتحرّك لضرب الأنفاق الجديدة بعد تحديد مواقعها ومسارها الجديد بدقّة، وما إذا كانت هذه التوصيات ستقبل أم لا”.


إسرائيل تدّعي أنها ستردّ بعنف يفوق عدوان صيف 2014

وإلى هذه المعضلة لا بد من إضافة الاعتبارات السياسية والحزبية لنتنياهو، فرسائل الوعيد التي وجّهها مساء الأحد لـ”حماس“، بأن إسرائيل ستردّ بقوة تفوق تلك التي ردّت بها خلال عدوان صيف 2014، قد توحي بوجود نية لدى نتنياهو، في نقل وتوجيه الأنظار إلى قطاع غزة، للخروج من أزمته في كل ما يتعلق بانهيار صورته أمام الإسرائيليين، كقادر على مواجهة الإرهاب، وفق ما بينته الاستطلاعات الأخيرة، بهذا الخصوص.

ومن غير المستبعد في ظل استمرار الانتفاضة الفلسطينية، وباعتراف كل من وزير الأمن موشيه يعالون، ورئيس أركان الجيش، الجنرال غادي أيزنكوت، أن يُصعّد نتنياهو من لهجة الوعيد والتهديد ضد قطاع غزة، واختيار التوقيت المناسب له، لتوجيه الضربة الاستباقية.

وذلك على وقع حالة من الديناميكية التي تشي باقتراب أجل الحكومة الحالية، سواء بفعل استمرار الانتفاضة وما يجرّه ذلك من تصعيد للتوتر بين نتنياهو وشريكه الأساسي في الحكومة (البيت اليهودي) الذي يطالب باستمرار بتعزيز الاستيطان ردّاً على عمليات الانتفاضة، أم بفعل خلافات مرتقبة مع شركاء آخرين في الحكومة، تحديداً أحزاب الحريديم، عند التوجّه لإقرار الميزانية الجديدة للعام المقبل، وإعادة طرح مسألة تجنيد الحريديم في الجيش الإسرائيلي. في مثل هذه الحالات فإن شن حرب عدوانية على غزة، يمنح نتنياهو ويوفر له حالة إجماع إسرائيلي يبعد المشاكل الائتلافية، ويخفف عنه الضغط الداخلي حتى من قبل أوساط في الوسط واليسار.