وضرب السيسي بذلك عرض الحائط بنصائح الدائرة الاستخباراتية الرقابية التي شكّلها من جهازي الاستخبارات العامة والرقابة الإدارية لمساعدته على إدارة الدولة، والتي كانت تدفع باتجاه إصدار قرار ثالث من السيسي بالعفو عن نحو 100 شاب من النشطاء الليبراليين و”الإخوان المسلمين” والصحافيين ومعارضي النظام بشكل عام، بعد القرارين السابقين اللذين صدرا في عيدي الفطر والأضحى الماضيين.

وانتصر السيسي بذلك لرأي الدائرة المحافظة في قلب النظام، والتي يمثلها وزير العدل أحمد الزند. وكان الأخير قد أوصى قبل أسابيع من حلول ذكرى الثورة المصرية بعدم إخراج الشباب النشطاء، ونشر “” ذلك مطلع الشهر الماضي.


العفو عن مزيد من الشباب يؤدي إلى مزيد من الانفلات الاجتماعي والسياسي، بحسب توصية الزند

وبرر الزند توصيته التي استجاب لها السيسي بأنّ “العفو عن مزيد من الشباب يؤدي إلى مزيد من الانفلات الاجتماعي والسياسي، خصوصاً أنّ جميع الشباب الذين شملهم العفوان السابقان خرجوا ينتقدون السلطة ويتزعمون فعاليات معارضة لها، لاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلاً من أن يكونوا جسراً للتقريب بين النظام والشباب”.

وأوهم الزند السيسي بأنّ أي قرار إضافي للعفو عن عقوبات لايزال أمامها شهور للانقضاء، يؤلب المجتمع القضائي على السيسي، لأنّ العفو، بحسبه، هو إهدار لحجة الأحكام القضائية، وتكرار قرارات العفو سيكون له أثر سلبي على النظام العام، وصورة الدولة الحاسمة تجاه أنشطة التظاهر ومعارضة النظام، ويعطي شعوراً للمعارضين بأن السيسي غير راض عن أحكام الإدانة المتكررة تلك.

وتعبر استجابة السيسي لتوصية الزند في هذا التوقيت تحديداً، عن ترسيخ قوة وزير العدل الذي يتعرض لضغوط اجتماعية وسياسية عديدة بسبب تصريحاته المناهضة للعدالة، وإشاعته لغة الانتقام الأهلي من جماعة “الإخوان”، وتزعمه الهجمة الشرسة على رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، وتقديمه بلاغات تخويفية ضدّ من ينتقده من الإعلاميين والشخصيات العامة، وممارسته ضغوطاً على القضاة، وتوجيهه لقضايا ودوائر بعينها، وإصراره على تمرير قوانين عقابية وإجرائية للانتقام من “الإخوان” بعيداً عن رضا مجلس القضاء الأعلى.

ووسط هذه المشاكل التي يتخبط الزند فيها، وضع السيسي ثقته فيه وأعلى كلمته مقابل الدائرة المخابراتية ـ الرقابية التي يديرها مدير مكتبه اللواء عباس كامل وتضم اثنين من أبنائه.

ولا يعبّر الزند عن نفسه في هذا التوجه، وإنما عن مجموعة متشدّدة من نسور القضاء الكارهين للمعارضة وثورة يناير، وعن مصالح دائرة جهاز أمن الدولة السابق المسمى حالياً “الأمن الوطني”؛ إذ إن العلاقة بين الطرفين معروفة وقوية منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. ويحاول الزند أن يساعد هذه الدائرة في معركة الرؤى والأفكار، خصوصاً أن السيسي همشها في الفترة الأخيرة اعتراضاً على أدائها، وكلف مستشاره الأمني أحمد جمال الدين بإعادة هيكلتها، وهي عملية لاتزال جارية بإشراف وزير الداخلية مجدي عبدالغفار الذي كان مسؤولاً في أمن الدولة بدوره.


يعبّر وزير العدل عن مجموعة متشدّدة من نسور القضاء الكارهين للمعارضة وثورة يناير

ويعتبر موضوع الشباب من أبرز نقاط الخلاف بين دوائر النظام. وترى الدائرة المخابراتية ـ الرقابية، أنّ الوقت قد حان لاستمالة شباب الثورة إلى النظام بعد حرقهم إعلامياً وإزاحتهم عن طريق تشكيل البرلمان وإقصائهم من المشهد السياسي الرسمي، بهدف توجيه ضربة استباقية لأي تحالف مرتقب بينهم وبين جماعة “الإخوان”.

في المقابل، يرى الزند والدائرة الأمنية، أن إعطاء أي مجال لتحرك الشباب يحمل خطراً على النظام، وفي القلب منه القضاة المؤيدون للسيسي والشرطة التي تعددت مشاكلها وعادت لسيرتها السابقة على ثورة يناير من فساد وتجبر واستعراض قوة وإهانة وتنكيل بالمواطنين.

مبادرة بفتح صفحة جديدة

وكشفت مصادر بالمجلس القومي لحقوق الإنسان لـ”” أن هناك محاولات أخرى تمارسها شخصيات عامة وحقوقية وتنتمي للتيار الناصري لإقناع السيسي بفتح صفحة جديدة مع الشباب، وإعلان مبادرة لإخلاء السجون من المتهمين في قضايا تظاهر وعنف ذات طابع سياسي، دون المنتمين “لجماعات تكفيرية”، وذلك خشية حدوث غضبة شبابية يتعذر تداركها، تقضي على النظام الحالي وتسقط الواقع الذي تشكل بعد أحداث 30 يونيو/ حزيران و3 يوليو/تموز 2013.

ووصفت المصادر هذه المبادرة بأنها “تأخذ شكل الخوف على النظام بهدف حمايته، وفي الوقت نفسه امتصاص غضب الشباب”، موضحة أن الشخصيات التي تدفع في هذا الاتجاه “تعتبر معارضة جزئياً لسياسات السيسي، لكن تؤيده، وترى فيه الشخصية الضرورية للمرحلة الراهنة”.

وبحسب المصادر نفسها، فإنه بناء على هذه المطالب التي لم يتم الإعلان عنها، كلف السيسي مصلحة الأمن العام بالتواصل الدائم مع شباب مسجونين، سواء احتياطياً أو المدانين بأحكام، لاستطلاع رأيهم في عرض مفاده الخروج مقابل الاندماج السياسي في النظام الجديد وعدم معارضته.


كلف السيسي مصلحة الأمن العام بالتواصل الدائم مع شباب مسجونين

وتلتقط الخيط هنا مصادر حقوقية مستقلة لاستكمال الصورة، إذ تؤكد لـ”” أن ضباطاً من مصلحة الأمن الوطني جلسوا بالفعل مع عدد من النشطاء والشبان غير “الإخوان” المحبوسين، لجسّ نبضهم واستطلاع مواقفهم السياسية المستقبلية إذا تم العفو عنهم.

وتضيف المصادر نفسها أن هذه المقابلات والفحوصات لاتزال جارية في الفترة الحالية، ويبرر الضباط ذلك بأن عليهم أن يكونوا جاهزين لقرار عفو قد تتطلب الأوضاع إصداره في أي لحظة.

وذكرت المصادر أن الضباط جلسوا كذلك مع عدد من الصحافيين المحبوسين احتياطياً والمدانين في قضايا انتماء لجماعة “الإخوان”، لنفس السبب.

وعلى ما يبدو، فإن الدائرة المخابراتية ـ الرقابية تريد أن تحول الشباب إلى عنصر محايد في مشهد المواجهة بين النظام ومعارضيه، خشية دخوله لحسم الأمور إذا ما اندلعت تظاهرات شعبية ضدّ الغلاء أو تخفيض الدعم أو انخفاض الأجور، وهي جميعاً سيناريوهات متوقعة في ظل الالتزامات التي فرضها البنك الدولي على مصر، مقابل منحها قرضاً طويل الأجل قدره 3 مليارات دوﻻر.

ويعقد الأمور أكثر تعثر تنفيذ خطة الإصلاح الهيكلية التي يراهن عليها السيسي لتوفير الأموال، نظراً لغموض مصير قانون الخدمة المدنية بعد رفضه من قبل البرلمان، وعدم تحديد ما إذا كان سيعاد إليه في صورة مشروع قانون جديد، أم ستدخل الحكومة عليه بعض التعديلات الصورية أو العميقة لينال رضا النواب.