يضرب الاحتلال حصاره على رام الله (عباس المومني/فرانس برس)

رام الله ــ نائلة خليل

بجنازة عسكرية ودّع الأمن الفلسطيني الشهيد أمجد السكري، الذي نفّذ عملية إطلاق نار فدائية من مسافة صفر، ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدخل الشمالي لمدينة البيرة، على الحاجز أمام مستوطنة “بيت إيل”، أو حاجز الشخصيات المهمة، يوم الأحد. وأصبحت هذه العملية الأولى من نوعها في المكان، الذي يحرص الأمن الفلسطيني على منع الاشتباك فيه بين الشبان الغاضبين وقوات الاحتلال على مدار الشهرين الماضيين.

استقبل الشارع الفلسطيني العملية الفدائية بترحاب كبير، رغم فرض حالة الحصار وإغلاق الحواجز المحيطة بمحافظة رام الله والبيرة وعزلها عن محيطها في عقاب جماعي للأهالي من جهة، وتوجيه رسالة سياسية للسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، مفادها أن الحواجز حول عنق المحافظة موجودة وما زالت قادرة على خنق المدينة وساكنيها كرد على أي عملية فدائية. وبفعل ذلك، أمضى الآلاف من أبناء المحافظة ساعات طويلة مساء الأحد، يسلكون طرقاً وعرة للوصول إلى قراهم وبلداتهم، بعد أن تم إغلاق الحواجز المحيطة بالمحافظة بشكل كامل.


يُعتبر السكري الشهيد الثاني من أجهزة الأمن الفلسطينية، الذي ينفّذ عملية فدائية، بعد الشهيد مازن عريبة

أما على المستوى الرسمي فقد التزمت القيادة الفلسطينية الصمت التام حيال العملية الفدائية، لدرجة أن وكالة الأنباء الرسمية “وفا” امتنعت عن الذكر بأن الشهيد أمجد السكري، يعمل برتبة رقيب أول في الشرطة الفلسطينية واكتفت بتعريفه أنه مواطن فلسطيني.

وتأتي العملية بعد أيام قليلة على تصريحات رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية ماجد فرج، بأن الأمن الفلسطيني أحبط 200 عملية ضد الاحتلال واعتقل 100 مقاوم. ولاقت تصريحاته انتقادات واسعة من الشارع الفلسطيني، وتأكيدات من الرئيس محمود عباس، بأن الأجهزة الأمنية تأتمر بأمره، لتخفيف الانتقاد نحو فرج.

ويعتبر السكري الشهيد الثاني من أجهزة الأمن الفلسطينية، الذي ينفّذ عملية فدائية ضد قوات الاحتلال، بعد الضابط في جهاز الاستخبارات الفلسطينية الشهيد مازن عريبة، الذي أطلق النار على جنود الاحتلال المتواجدين على حاجز عسكري قرب القدس المحتلة، واستشهد في الثالث من ديسمبر/كانون الأول الماضي 2015. كما اعتُقل عدد من عناصر الأمن الفلسطينيين، بتهمة “الضلوع بتنفيذ عمليات إطلاق نار على قوات الاحتلال”، أو “التخطيط لعمليات منذ اندلاع هبة الغضب في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي”.

وفي حين تخشى أوساط أمنية من أن يُشكّل السكري وعريبة، نماذج جديدة للعمليات الفدائية في الأحداث الحالية، تُذكّر بضلوع ضباط أمن فلسطينيين في عمليات المقاومة، كما حدث في انتفاضة الأقصى عام 2000، إذ تحوّلوا إلى قادة ميدانيين أداروا الانتفاضة ودرّبوا المقاومين وخططوا لعمليات المقاومة ضد الاحتلال.

اقرأ أيضاً (صور):آخر ما كتبه منفذ عملية “بيت ايل” على “فيسبوك”

وتذكر المصادر التي اشترطت عدم ذكر اسمها، أنه “في ظلّ القتل اليومي الذي يقوم به الاحتلال، وتصريحات القيادة الفلسطينية وقادة أجهزتها الأمنية أن التنسيق الأمني باقٍ ولن يتم وقفه، فقد بات من المستحيل توقّع منفذ العملية المقبلة”.

وتتابع المصادر: “الأمر يختلف عن انتفاضة الأقصى، التي قادها فعلياً عناصر وضباط أمن، كان معظمهم أسرى سابقين، فبعد انتهاء انتفاضة الأقصى، تمّت غربلة الأجهزة الأمنية عبر نظام التقاعد لبعض العناصر من جهة، وتقاضي راتب دون العمل الفعلي لعناصر آخرين، ووضع أنظمة صارمة فيها، بتوجيهات مباشرة من الجنرال الأميركي كيث دايتون. وتمّ استثمار ملايين الدولارات في بنائها من جديد، لكن كل الجهود التي بذلت لن تمنع عنصر أمن فلسطينياً يشعر بالخذلان مما آلت إليه الأمور في ظل تعنّت الاحتلال، من أن يقوم بتنفيذ عملية فدائية”.


عملية حاجز بيت إيل على يد ضابط في الشرطة الفلسطينية تُشكّل نقلة في قوة الأحداث ونوعيتها

ويقول مدير “مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي” علاء الريماوي لـ””، إن “عملية حاجز بيت إيل على يد ضابط في الشرطة الفلسطينية تُشكّل نقلة في قوة الأحداث ونوعيتها”. ويرجّح “دخول الانتفاضة شهرها الخامس، مثقلة، لكنها مستمرة بزخمٍ تخشاه إسرائيل، بسبب محافظة العمليات الفردية على حضور أسبوعي يبلغ الـ14 عملية، مما رفع سقف العمليات إلى مستوى تاريخي، كما أنها ستواصل حضورها في الفترة المقبلة رغم كافة الإجراءات الأمنية”.

ويترجم الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد علان دراغمة، تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون، لصحيفة “هآرتس”، أمس الاثنين، تعليقاً على عملية السكري، والتي قال فيها إنه “أجرى مكالمات مع جهات أمنية فلسطينية الليلة الماضية (ليلة الأحد)، أعلنت فيها تنصّلها من العملية، ولكننا طلبنا منها زيادة الرقابة على عناصر الأجهزة الأمنية حاملي السلاح”.

من جهته، يشير الكاتب والخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد، في حديثٍ لـ””، إلى أن “المجتمع الإسرائيلي والشخصيات السياسية والفكرية تحديداً، أعطت اهتماماً كبيراً للعملية التي نفّذها الشهيد السكري. وقد حذّروا أكثر من مرة الحكومة الإسرائيلية من استمرار سياسة إسرائيل الممنهجة بإذلال الأجهزة الأمنية الفلسطينية أمام المواطن والرأي العام الفلسطيني”.

ويضيف أن “ذكر شيفرة (00) المتعلق بإلزام الأجهزة الأمنية الفلسطينية التزام مقرّاتها، عند اقتحام القوات الإسرائيلية المنازل الفلسطينية واعتقال وقتل وهدم البيوت، سيؤدي إلى انفجار وخلق حالة ليست عادية من قبل عناصر الأمن الفلسطيني، فعناصر الأمن تعاني ما يعانيه المواطن الفلسطيني عموماً من انتهاك وقتل واقتحامات”.

ووفقاً لشديد فإن “العناصر الأمنية الفلسطينية تتعرّض لأنواع مختلفة من الضغوط، تبدأ من السلوك الإسرائيلي المتعنّت لإظهار السلطة ضعيفة ومهانة أمام المجتمع الفلسطيني، فضلاً عن إهانة المجتمع أمام الأمن الفلسطيني من دون أن يفعل شيئاً. وهذا ما تناولته الأبحاث الإسرائيلية التي كتبت كثيراً في السنوات الخمس الأخيرة، عن أن السلوك الإسرائيلي، ولًد سقف توقّعات كبيراً للمجتمع الفلسطيني، بأن يكون دور الأجهزة الأمنية هو الحامي له”.

ويضيف: “في المقابل، فإن للنظام السياسي الفلسطيني خطابين، الأول خطاب السلطة في الضفة الغربية المحتلة، العاجزة عن حماية المواطن الفلسطيني بالحدّ الأدنى في المنطقة (أ)، الخاضعة لسيطرتها حسب اتفاقية أوسلو، وخطاب آخر تقوم به حركة حماس في قطاع غزة، ويعتمد على تشويه صورة الأمن الفلسطيني”.

يذكر أن “كتائب القسّام”، الذراع العسكري لحركة “حماس”، قلّدت قلادة الوفاء، للشهيد أمجد السكري، وأدّى له مقاومون تحيّة عسكرية، وذلك في مهرجان تأبين سبعة من شهداء القسام، الذين استشهدوا في الأنفاق الأسبوع الماضي.


توظيف القيادة للعملية بشكل صحيح سيؤدي إلى تخفيف الضغوط الدولية

ويرى شديد أن “القيادة الفلسطينية يجب أن ترى في عملية السكري الفدائية فرصة وليس أزمة”، مبدياً اعتقاده بأن “الذي حدث مفيد جداً، للقيادة الفلسطينية، وكان يجب أن تتوجه الدبلوماسية والقيادة الفلسطينية من اللحظة الأولى بعد العملية إلى العالم، وتوضح له أن ما جرى هو نتيجة السياسة الإسرائيلية، وأن عناصر الأمن الفلسطيني الذين استثمر العالم في بناء أجهزتهم، وصلوا إلى هذا الوضع بسبب انهيار العملية السلمية وسياسة نتنياهو المتعنتة”.

وحسب شديد، فإن “توظيف القيادة للعملية بشكل صحيح سيؤدي إلى تخفيف الضغوط الدولية، خصوصاً العربية والأميركية والأوروبية على الرئيس محمود عباس، التي تتهمه بالتحريض من جانب. فيما سيزيد الضغط على الاحتلال الإسرائيلي ليتراجع عن سياسة العنجهية من جانب آخر”.

ويُشدّد على أن “انخراط هذه الشريحة المدرّبة من عناصر الأمن والقادرة على حمل السلاح، أعاد الصورة الإيجابية المتوقعة من قبل الرأي العام لمكانة ودور الأمن الفلسطيني، وهذا عكس ما يريده الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لتكريس أن السلطة طبقة أوجدها الاحتلال للدفاع عنه، وأن المواطن الفلسطيني يجب أن يصل لحالة من اليأس والإحباط”.