أطباء يشاركون في إحدى التظاهرات في تونس (فرانس برس)

راضية عبد العاطي

كثيرون هم الأطباء الذي انخرطوا في العمل السياسي في تونس، بدءاً من عهد الاستعمار وحتى اليوم. وتوصف العلاقة بين الأطباء والسياسة بالتاريخية. هؤلاء أيضاً يحرصون على حل مشاكل البلاد الصحية والاجتماعية.

“من لا يزيد على الطب شيئاً فهو على الطب زائد”. هكذا وصف الطبيب التونسي صدّام حمزة دور الطبيب، وهو أول أستاذ درّس الطب التونسي في جامعات فرنسا، وصاحب المقاربة العلمية الحديثة لدراسة الهيكل العظمي. أما من يعتقد أن تونس دولة تصدّر إرهابيين، فليعلم أنها بلد اشتهرت بأطبائها الذين كانت لهم إسهامات في البحث عن علاجات لمحاربة الأمراض. هذا ما يقوله أحد الأطباء لـ “”.

كان لمختلف الأجيال من الأطباء التونسيين حضور بارز على المستويات الوطنية والدولية. وتألق كثيرون خلال المناظرات الدولية، منهم الطبيبة سناء المنصوري، المتخصصة في الأمراض الباطنية، والتي حازت على المرتبة الأولى في مناظرة دولية في أحد المستشفيات الجامعية في باريس، وشارك فيها نحو 800 طبيب من مختلف بلدان العالم.

ولطالما عرف أطباء تونس باجتهادهم في مجال العلوم والأبحاث الطبية والصيدلة والجراحة، بالإضافة إلى انخراطهم المبكر في النضال الاجتماعي والنقابي والوطني، ودعم العمل التطوعي.

بين الطب والسياسة علاقة وثيقة في تاريخ تونس الحديث. هناك من مارس الطب والسياسة في وقت واحد، فيما هجر آخرون الطب وتفرغوا للعمل السياسي. لكن ما الذي يدفع الطبيب إلى تخطي حدود المستشفى والعيادة والانشغال بالشأن العام؟ هل يحتاج إلى السلطة أم السلطة هي التي تحتاجه؟.

علاقة الأطباء بالسياسة قديمة. لعل أول رابط بينهما القول، إن الطبيب يعالج الأمراض البدنية والعقلية، في حين يعالج السياسي الأمراض الاجتماعية والسياسية. كلاهما يرغبان في الإصلاح. في هذا الإطار، يقول الرئيس السابق المنصف المرزوقي (حكم البلاد بين عامي 2011 و2014) إنه يشخص الأوضاع السياسية بعقلية الطبيب الذي يشخص حالة المريض.

ضدّ الاستعمار

برزت هذه العلاقة منذ عهد الاستعمار. ضمّت الحركة الوطنية مجموعة من الأطباء. وإلى جانب الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، برز اسم الطبيب الشهيد الحبيب ثامر في قيادة الحزب الحر الدستوري، وقد حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 20 عاماً، الأمر الذي لم يمنعه من مواصلة النضال. وأصدر كتاباً باللغة العربية عن كفاح تونس ضد الاستعمار.

أيضاً، برز اسم الطبيب محمود الماطري الذي عرف بخدماته الطبية المجانية للفقراء ونضاله السياسي الذي لم يمنعه عنه لا النفي أو الظلم الذي تعرض له. وبعد الاستقلال، عُيّن وزيراً للصحة العامة.

كذلك، عرف الطبيب أحمد بن ميلاد بنضاله السياسي والنقابي، وكان يعالج الفقراء مجاناً، وأهدى مكتبته التي تحوي مخطوطات نادرة إلى بيت الحكمة الذي تأسس بعد الاستقلال. أما الطبيب سليمان بن سليمان، فلم يعمل في مجاله بعد عودته من باريس، واختار الانخراط في النضال الوطني ضد الاستعمار والمساهمة في بناء الدولة بعد الاستقلال.

في آخر مواجهة ضد الاستعمار الفرنسي التي خاضها التونسيون عام 1952، شهدت البلاد عدداً من الاغتيالات السياسية من قبل منظمة “اليد الحمراء”، وكان من بين الذين تصدوا لها الطبيب الجراح سعيد المستيري، وهو من بين المساهمين في بعث كلية الطب في تونس عام 1964، وتولى منصب مدير مستشفى الحبيب ثامر. ومن أشهر مؤلفاته: “الزهراوي معلم الجراحة العربية”.

بعد الاستقلال، وفي أوّل محاولة لهيكلة القطاع الصحي وتطويره، اصطدم الرئيس، بورقيبة، بالنقابة المستقلة للأطباء، التي أسسها الطبيب الهاشمي العياري، وكان مناضلاً مقرباً من الحركة الحقوقية، ومن بين مؤسسي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. كان بورقيبة ضد مبدأ تأسيس نقابة مستقلة للأطباء لا تخضع لسلطته وهيمنة حزبه، ما جعل في داخله نقمة ضد الأطباء الذين انقلبوا عليه، أمثال سليمان بن سليمان، الذي كان دستورياً ثم اقترب من الحزب الشيوعي فطرد. وفي وقت لاحق، أسس هذا الطبيب صحيفة منعت بعد تجميد الحزب الشيوعي عام 1962.

وظلّت السلطة السياسية تتحكم بقطاع الأطباء، حتى سبعينيات القرن الماضي، وكان العمل النقابي المستقل في الوسط الطبي ممنوعاً إلى أن تكونت أولى النقابات التابعة للأطباء الأجراء تحت سقف الاتحاد العام التونسي للشغل عام 1978.

في هذا الإطار، يقول الطبيب خليل الزاوية، لـ “”، إنه كان للأطباء الجامعيين دور هام، وكان الطبيب مصطفى بن جعفر، كاتباً عاماً للنقابة، وقد تأسست في ما بعد نقابة أطباء المهن الحرة. أيضاً، أسس بن جعفر حزباً سياسياً خلال حكم الرئيس زين العابدين بن علي.

خلال سبعينيات القرن الماضي، حاول الوزير الأول السابق، الهادي نويرة، فرض نظام رقابة ضريبية على مداخيل الأطباء في القطاع الخاص، فهددوا بالإضراب ولعبت لوبيات الأطباء دوراً قوياً نظراً لوجودها داخل السلطة، ما أجبره على التراجع عن قراره.

استهوتهم السياسة

يغلب على علاقة الأطباء بالسياسة التجاذب وعدم الاستقرار. دائماً ما كان هناك مجموعة من الأطباء تستهويهم السياسة، فتراهم ينخرطون في السلطة أو ينحازون للمعارضة. على سبيل المثال، كان يرأس لجنة الدفاع عن فيتنام الطبيب، الهاشمي العياري، ولطالما تردّد على اجتماعات اللجنة عدد من الأطباء، من بينهم عميد كلية الطب آنذاك الجراح، زهير السافي، الذي اشتهر بأبحاثه العلمية. كان الأخير صديقاً لابن الرئيس بورقيبة. وفي جلسة خاصة، قال إن بورقيبة لن يشتريه “بزربية قدمها لي هدية”، ما أدى إلى اعتقاله.

في منتصف السبعينيات، تأسس المجلس الوطني للحريات بزعامة أطباء بارزين، ونتج عنه تكوين الرابطة التونسية لحقوق الإنسان برئاسة الطبيب، سعدون الزمرلي، الذي كانت تربطه علاقة جيدة بالسلطة. من جهة أخرى، فقد غضب بورقيبة كثيراً حين ترشح الطبيب سليم عمار للرئاسة، فاتهمه بالاختلال العقلي.

إلى ذلك، لم يكن الطبيب التونسي منحازاً دائماً لقضايا الحق والحرية، فقد وظف بعضهم للتغطية على ممارسات استبدادية. فالتعذيب الذي مورس في السجون الخاصة إثر أحداث 26 يناير/كانون الثاني عام 1978، حصل بحضور أطباء وقعوا على شهادات زوروا فيها الوقائع، مشيرين إلى أن بعض الموقوفين توفوا بشكل طبيعي.

من جهة أخرى، كان الجنرال زين العابدين بن علي في حاجة إلى تبرير انقلابه على الرئيس بورقيبة، ولم يجد أفضل من شهادة الأطباء السبعة الأشهر في تونس وخارجها، فوقعوا على شهادة طبية تؤكد أن بورقيبة لم يعد قادراً على مواصلة إدارة شؤون الحكم نظراً لحالته الصحية. وكانت تلك الشهادة بمثابة رخصة عبور لتبرير الانقلاب الذي أقدم عليه بن علي، والذي أصبح يعرف لدى التونسيين والعالم بـ “الانقلاب الطبي”.

اقرأ أيضاً: متعاطو المخدرات ضحايا القوانين التونسية

معركة بن علي ضد الأطباء

خلافاً لعهد بورقيبة الذي كان أطباؤه لا يتدخلون في الشأن السياسي، إلا أن طبيب بن علي، محمد قديش، كان المقرر للسياسة الصحية في تونس، ويتحكم في وزارة الصحة. كذلك، كان مكلفاً الوضعَ الصحي للرئيس وعائلته. في المقابل، فإن استبداد بن علي دفع جزءاً هاماً من الأطباء إلى صفوف المعارضة من كل التيارات. وقد رشحت حركة النهضة أحد أطبائها بعد الثورة لتسلم حقيبة وزارة الصحة، وهو عبد اللطيف المكي، بالإضافة إلى الطبيب خليل الزاوية، الذي كان مناضلاً حقوقياً وأحد مؤسسي حزب التكتل، وأصبح بعد الثورة وزيراً للشؤون الاجتماعية في حكومة الترويكا.

أما الطبيب مصطفى بن جعفر، فقد أُقيل من رئاسة المستشفى الجامعي عام 1996 بسبب مواقفه السياسية. وتعد تجربة الطبيب، محمد المنصف المرزوقي، ثرية ومثيرة، هو الذي طارده نظام بن علي الذي سعى إلى تدميره.

بالنسبة لبن علي، كان الولاء شرطاً أساسياً وليس الكفاءة. لذلك، وظف أطباء في غير تخصصاتهم، وشكل لجنة مراقبة الانتخابات وجلب أطباء عرفوا بولائهم للسلطة. ووظف نجاحات الأطباء في تلميع صورة النظام، حتى تحول قطاع الصحة في عهده إلى قطاع يبغي الربح، وكان للعائلات المتنفذة دورها في هذا المجال.

بعد الثورة

بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني عام 2011، تولى عدد من الأطباء وظائف سياسة هامة وحساسة. فلأول مرة في تاريخ تونس، تمنح رئاسة الجمهورية للطبيب والحقوقي، منصف المرزوقي، فيما أسندت رئاسة المجلس الوطني التأسيسي للطبيب مصطفى بن جعفر. كذلك، ضمت حكومة ما بعد الثورة خمسة أطباء، بالإضافة إلى بروز مجموعة من الأطباء ليتولوا رئاسة أحزاب، في وقت انخرط آخرون في صفوف المعارضة، وغيرها. في ذلك الوقت، قال أحد الأطباء: “ما دام الأطباء يهتمون بالسياسة، فذلك دليل على أن البلاد مريضة”.

يرى بعضهم أن الأطباء يشكلون قوة اجتماعية اليوم، ولا بد من التعامل معهم بحذر، وخصوصاً إذا ما اختارت الحكومة تطبيق سياسات قد تمسّ مصالحهم. في هذا السياق، يقول الطبيب إيهاب الغرياني، وعضو المكتب السياسي لحزب “التيار الديمقراطي”، رداً على سؤال حول إذا كان الطبيب يقدم خدمة للسياسي أم العكس؟ إن “الموضوع يتعلق بثقافة الفرد وطموحه”. يضيف: “في زمن الدكتاتورية، انشغلت بحياتي المهنية. لم أكن أتصور أن غمامة زين العابدين بن علي ستنجلي بسرعة”. مع بداية الثورة، استرجع هوسه القديم في العمل السياسي والرغبة المكبوتة في التغيير. يضيف أن الرابع عشر من يناير/كانون الثاني “شكل عودة الأمل واستفاقة الحلم. ما زلت أؤمن أن تداعيات الثورة التونسية ستكون أكبر من تلك الفرنسية”.

وعلى الرغم من وضعه الاقتصادي الصعب، يقول الغرباني، إنه لو خيّر بين السياسة والطب لاختارهما معاً، لافتاً إلى أن العلاقة بينهما تاريخية وليست صدامية، مذكراً بمن وصفهم بـ “أشهر الأطباء الذين مارسوا السياسة، على غرار تشي غيفارا، الثائر الأممي”. أما زميله الطبيب ذاكر ليهيذب، المتخصص في أمراض القلب، فيوضح لـ “” أن اهتمامه بالسياسة جاء نتيجة انبهاره بالتعددية الحزبية في الغرب. يضيف أنه “بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، بدأ الأمل يتبلور”، وصار يهتم بتوجهات كل حزب إلى أن عثر على مجموعة يتشارك وإياها الأفكار والمبادئ نفسها عام 2013. يرى أن “السياسة متنفس للطب، فقد دخلت عالم السياسة لخدمة المجال الصحي والاجتماعي، ولقناعتي بوجوب الحفاظ على القطاع العام في البلاد. ويمكن تحقيق هذه الأهداف من خلال العمل السياسي”. يضيف أنه “لابد من الدفاع عن ثلاثية التعليم والنقل والصحة أو يزيد الفقر في البلاد والتفاوت بين الطبقات”.