عاد رئيس الوزراء الجزائري الأسبق، عبدالحميد الإبراهيمي، إلى الجزائر، أول من أمس الأحد، بعد 26 سنة من هروبه إلى لندن عقب تفجيره يومها فضيحة اختلاس 26 مليار دولار أميركي من عائدات النفط من مسؤولين في السلطة في الثمانينيات، أعقبها اتهامه أطرفاً بالسعي لاغتياله، ما دفعه الى مغادرة البلاد.

وسمح الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة، لرئيس الوزراء الأسبق بالعودة إلى البلاد، بعدما تسلم الأخير جواز سفره من السفارة الجزائرية في لندن، بعد سنوات من رفض تجديده. وكان الإبراهيمي، منذ سفره الى لندن هارباً من المضايقة والملاحقة، قد منع من الحصول عل جواز سفر يسمح له بالتنقل خارج بريطانيا، إذ كان جهاز الاستخبارات يعترض في كل مرة على محاولات رئيس الوزراء الأسبق تجديد جواز سفره. 

وجاءت عودة الإبراهيمي على متن رحلة تابعة للخطوط المغربية من لندن إلى الدار البيضاء ومنها إلى الجزائر، فيما لقي ترحاباً في مطار الجزائر ولم يتعرض لأي مضايقات تذكر بعد رفع اسمه من قائمة المطلوبين للعدالة، منذ مغادرته الجزائر، بعد كشفه لما وصف حينها بـ”فضيحة الاختلاس” التي لم يعثر لها على أثر، في حين لم يقدم الإبراهيمي أدلة عليها.

اقرأ أيضاً الجزائر: سجال العشرية السوداء يؤجج التراشق السياسي


كان جهاز الاستخبارات يعترض في كل مرة على محاولات الإبراهيمي تجديد جواز سفره

ويعتقد مراقبون أن عودة الإبراهيمي إلى الجزائر لها علاقة بنهاية جهاز الاستخبارات الجزائري السابق “دياراس”، واستبداله بثلاثة أجهزة فرعية تتبع سلطة رئيس الجمهورية، واسترجاع بوتفليقة لكثير من الصلاحيات في الفترة الأخيرة. وكان جهاز الاستخبارات الذي يمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً كبيراً، صاحب قرارات من هذا النوع. وإلى وقت قريب كان الإبراهيمي يعتقد أن جهاز الاستخبارات وقادة الجيش هم من يقفون خلف رفض السماح له بالعودة الى الجزائر. وهو ما أشار إليه، في وقت سابق، بقوله إن “بوتفليقة مقيّد. الجيش ووزارة الدفاع هما اللذان يستعملان الفيتو (حق النقض)”.

وكان الإبراهيمي قد شغل منصب رئيس الوزراء في الجزائر من يناير/كانون الثاني 1984 الى نوفمبر/تشرين الثاني 1988، حيث أقيل عقب انتفاضة الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988. بعد إقالته بفترة أدلى الإبراهيمي بتصريحات اتهم فيها أطرافاً في الجيش والسلطة بالتورط في اختلاس 26 مليار دولار من عائدات النفط، قال إنها لم تدخل خزينة الدولة وتم تحويلها إلى حسابات في الخارج. الصحافية، حدة حزام، تلقفت يومها هذه التصريحات ونشرتها في صحيفة “المساء” الحكومية. لم تكن الصحيفة الحكومية تسمح بنشر هكذا تصريحات لولا أن الفترة كانت فترة منفلتة سياسياً وإعلامياً وسط صراع بين السلطة والإسلاميين والديمقراطيين، وفي ظل فوضى من القيم والمفاهيم والتعابير السياسية الجديدة التي غزت الجزائر بعد سقوط حكم الحزب الواحد ودخول البلاد مرحلة التعددية السياسية.

لكن لم تمر تصريحات الإبراهيمي بصمت، إذ خلفت ضجة كبيرة ظل الإعلام الجزائري يتناولها لفترة ليست بالقصيرة، ووجدت فيها قوى سياسية حطباً لخطابها الناري ضد السلطة، لكن الضرر الأكبر من نار هذه التصريحات طاول الإبراهيمي نفسه. رئيس الوزراء الأسبق وجد نفسه رهينة مأزق كاد يوصله إلى لحظة تصفية. 

وسبق أن قال الإبراهيمي، في حوار سابق نشرته صحيفة “الشروق” الجزائرية في العام 2011، إنه اضطر إلى الخروج من الجزائر بعد محاولة تصفيته من أطراف أزعجتها تصريحاته حول اختلاس 26 مليار دولار من عائدات النفط. ومما قاله يومها إنه “في شهر مارس/آذار من العام 1990 تحديداً، وبعد تصريحاتي المشهورة التي أطلقتها حول اختلاس 26 مليار دولار، أرسلت إليّ جهات عدة، طلبت مني الخروج من البلاد وإلا كان مصيري غير مرضٍ”، وأضاف “توالت عليّ الضغوط الشديدة والمراقبة البوليسية التي تابعت تحركاتي حيثما توجهت. وعلى الرغم من ذلك صبرت على الأذى إلى أن بلغ الأمر حد الخطورة عندما حاولت تلك الجهات تصفيتي عن طريق تدبير محاولة اغتيال دُبرت في حي حيدرة حيث أسكن، إذ كُنت خارجاً من المسجد ساعتها وإذا ببعض الأشخاص يُنبّهونني إلى شخص مسلح بعدما راقبوه عن قرب عرفوا أنه يترصد لقتلي. وبالإضافة إلى هذه الوقائع تلقيت نصيحة من صديق هو ضابط سام في الجيش طلب مني الخروج من البلاد وأنّ حياتي في خطر، وأنّ هناك مخططاً جاداً لتصفيتي. وهكذا وجدت نفسي مغادراً البلاد”.

وزادت مواقفه السياسية المعارضة لانقلاب 11 يناير/كانون الثاني 1992، والذي نفّذته قيادات الجيش عقب فوز الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991 واتهامه قيادات الجيش بالعمالة لفرنسا والتآمر على الإسلاميين، من تأزيم علاقته بالسلطة الجزائرية وزيادة حقدها السياسي عليه.


منذ أيام أثار كتاب وناشطون جزائريون المأزق الإنساني الذي يعيشه الإبراهيمي

ومنذ أيام أثار كتاب وناشطون جزائريون المأزق الإنساني الذي يمر به الإبراهيمي، الذي كان يعيش في بريطانيا من مهنة التعليم، كونه حاصلاً على دكتوراه في الاقتصاد، وكان يعدّ لإصدار موسوعة عن الاقتصاد الإسلامي. وهو ما دفع الرئاسة الجزائرية إلى التدخل لإعطاء أوامر بتسليمه جواز سفره، أبرزها ما كتبه عميد الصحافيين الجزائريين، سعد بوعقبة، في صحيفة “الخبر” الجزائرية قبل أسبوع. ومما كتبه “الوزير الأول الجزائري الأسبق، عبدالحميد الإبراهيمي يشتكي من حرمانه من جواز السفر، ويتنقل بوثائق سفر تمنحها له مصالح الشرطة البريطانية كلاجئ سياسي متابع من طرف شرطة بلاده. الإبراهيمي لا يتألم من حكاية حرمانه من حقوقه المدنية في الحصول على وثائق سفر من سفارة بلاده، قدر تألمه من الصورة التي يظهر بها وزير أول جزائري أمام السلطات البريطانية، وهو يمنع حتى من أبسط حقوقه المدنية!.. فكيف يطلب من الدول أن تحترم الدولة الجزائرية، وهي تمارس ضد مسؤوليها السابقين مثل هذه الممارسات”.

وعقب عودته، حين سأله الصحافيون قرب منزله في منطقة حيدرة في أعالي العاصمة الجزائرية عن شعوره بعد هذه العودة، غلبته دموعه ولم يقاوم، لكنه عبر عن سعادته لتواجده في بلاده وللترحاب الذي لقيه في المطار من دون أي مضايقات، كان يعتقد أنه سيتعرض لها حال عودته.

اقرأ أيضاً: الخبز اليابس يُنقذ فقراء الجزائر