خلال أسابيع من العمل الدبلوماسي بين طرفي الصراع في ليبيا برعاية المجتمع الدولي وصولًا لاتفاق “الصخيرات”، تصاعدت أنشطة تنظيم الدولة في ليبيا، وهو أمر شغل انتباه المجتمع الدولي وتصدر أجندة أولوياته كما يبدو أكثر من فرص نجاح الوصول لنتائج ملموسة سياسيًّا، ليطفو على السطح الحديث عن التدخل العسكري في البلاد من الجديد.

(1) من هم أطراف المشهد الليبي حاليًا؟

الطرف الأول هو حكومة طرابلس برئاسة خليفة محمد الغويل، وبرلمانها المتمثل في المؤتمر الوطني العام والذي يسيطر عليه أعضاء حزب العدالة والبناء، وهو منبثق من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، ويدعمه عدد من الفصائل الليبية المسلحة مثل جماعة فجر ليبيا المسلحة التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس ولها صلة قوية بمدينة مصراتة، وهي من أبرز وأقوى الفصائل الليبية المسلحة التي ارتبط اسمها بالثورة التي قامت ضد الرئيس السابق معمر القذافي في 2011، بالإضافة إلى عدد من الجماعات والكتائب المسلحة الأخرى: مثل كتيبة 17 فبراير، وكتيبة أنصار الشريعة، وكتيبة راف الله السحاتي، وغيرها.

الطرف الثاني هو برلمان طبرق المعترف به، والذي تم حله بعدما أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكمًا ينزع الشرعية منه، ويدعم هذا الطرف عسكريًّا اللواء خليفة حفتر، الذي عينه برلمان طبرق وزيرًا للدفاع، و الذي قاد ما يسمى بعمليات الكرامة في مايو 2014، ووصفها البعض بأنها تمثل انقلابًا عسكريًّا ضد الثورة الليبية.

الطرف الثالث هو المجلس الرئاسي الذي تشكل مؤخرًا ويمارس أعماله من تونس، ويستهدف توحيد طرفي الصراع الرئيسين على حكومة وحدة وطنية لفض النزاع بين السلطتين، ذلك النزاع الذي بدأ منذ حوالي عام ونصف ببدء “حفتر” في “عمليات الكرامة”.

والطرف الرابع هو أنصار تنظيم الدولة الإسلامية التي تقاتل طرفي الصراع فتهاجم قوات “حفتر” تارة، وتستهدف ثوار فجر ليبيا تارة أخرى، وهو دور مماثل لما تقوم به في سوريا واليمن.

(2) مستجدات الحوار.. فراغ سياسي!


في 24 ديسمبر، أيد مجلس الأمن الدولي بالإجماع اتفاق تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا، بعد أسبوع من اتفاق مدينة الصخيرات الذي نص على تشكيل حكومة الوفاق الوطني، ودعا مجلس الأمن الدولي بأعضائه الـ15 إلى دعم الحكومة الجديدة التي سيشكلها المجلس الرئاسي الليبي، وينص الاتفاق على أن حكومة الوفاق الوطني ستوحد السلطتين المتنازعتين، وتحكم في فترة انتقالية مدتها عامين يعقبها انتخابات تشريعية.

وبالفعل شكل المجلس الرئاسي الليبي حكومة وطنية برئاسة رجل الأعمال الليبي فايز السراج، ضمت 32 حقيبة وزارية تُمثل بشكل كبير المناطق والتوجهات المختلفة، ولكن برلمان “طبرق” رفض التشكيل الجديد للحكومة بواقع 89 صوتًا من أصل 104 أعضاء حضروا الجلسة، وطالبوا بتشكيل حكومة مصغرة تضم 17 حقيبة وزارية فقط، وبحسب عضو برلمان طبرق فهمي التواتي فإن الأعضاء أقروا الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر الماضي، إلا أنهم رفضوا المادة الثامنة المتعلقة بنقل صلاحيات المناصب العسكرية والمدينة والأمنية إلى مجلس رئاسة الحكومة، والتي بموجبها أضحى منصب اللواء المتقاعد خليفة حفتر شاغرًا.

(3) تصاعد نشاط تنظيم الدولة

نقلًا عن البي بي سي


في وسط الجهود الدبلوماسية المبذولة دوليًّا ومحليًّا للوصول لحل للخلاف السياسي، وعدم الوصول حتى الآن لحل سياسي حاسم، تصاعد نشاط تنظيم الدولة العسكري في الفترة الأخيرة، وأحكم سيطرته على مدينة “سرت” القريبة من حقول نفطية في ليبيا، والتي أصبحت قاعدة للتنظيم لشن هجماته على أهداف عسكرية ونفطية ازدهرت خلال الشهر الجاري بوضوح، ومن أبرزها:

هجوم تبناه التنظيم على مركز للشرطة الليبية أدى لمقتل 74 شخصًا، كما استمر التنظيم في استهداف مناطق قرب ميناء السدرة النفطي، والذي يُعد مصفاة رئيسية للنفط في ليبيا يقع بين مدينة سرت، وبلدة رأس لانوف، وبحسب المتحدث باسم حرس المنشآت النفطية فإن مسلحي التنظيم أصبحوا على بعد من 30 إلى 40 كيلومترًا من الميناء.

وتأتي تلك الهجمات بعد سيطرة من التنظيم على النظام التعليمي والقضائي والمؤسسات الإعلامية في مدينة سرت، التي يسيطر التنظيم على 420 كم من شريطها الساحلي!

(4) نشاط التنظيم ليس بمنأى عن الرصد الغربي

بالرغم من عدم حل الخلاف السياسي بشكل حاسم، فإن ذلك لم يشغل المجتمع الدولي كثيرًا بعكس نشاط التنظيم المتصاعد، وبالأخص في سرت لتعلن كلّ من إيطاليا وفرنسا استعدادها للتدخل “العسكري” لمواجهة تنظيم الدولة، خاصة في حال أخفق الليبيون في تشكيل حكومة موحدة قريبًا على حد وصف وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي التي قالت مُنذ أيام قليلة: “إن الدول الغربية مستعدة لمواجهة تنظيم الدولة في ليبيا”.

وهو نفس المعنى الذي أكدت عليه فرنسا بحسب صحيفة لو فيجارو الفرنسية وموقع روسيا اليوم فإن “باريس تؤكد أن الدعم الفرنسي للمبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا مارتن كوبلر يأتي بدافع الحرص على إعداد سيناريو بديل يسبق التدخل، ويتمثل في الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، توكل إليها مهمة الحرب على داعش، معتمدة في ذلك على تحالف دولي مستعد لمدها بالقوات والسلاح، وفي حال فشل هذا السيناريو، فإن ذلك لن يكون ذريعة لإثناء باريس عن “إنجاز المهمة” وتشكيل تحالف عسكري تتولى قيادته للتدخل في ليبيا”.

وهذا يعكس السعي الغربي لدعم الحكومة الجديدة حتى تواجه تلك الحكومة تنظيم الدولة في ليبيا وإمكانية الدعم الغربي لتلك المواجهة جويًّا، أما إذا فشل في التوافق على حكومة فهذا لا يمنع الغرب من مواجهة التنظيم في ليبيا بشكل مباشر!

وأكدت صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية أن فرنسا “انتهت إلى الاقتناع بأنه لا مفر من التدخل لضرب سرطان داعش وأورامه التي بدأت بالانتشار في ليبيا، وهذه القناعة أصبحت أكثر من راسخة في أذهان المخططين العسكريين الفرنسيين، على أن يكون التدخل في ظرف لا يتجاوز 6 أشهر “.

واعتمدت الصحيفة على ذلك نظرًا لكثرة الطلعات الجوية الفرنسية فوق السماء الليبية، وبالفعل شنت طائرات “مجهولة الهوية” غارات جوية على مواقع للتنظيم في “سرت” -منتصف الشهر الجاري- ولكن تقارير صحفية أفادت بأنها “طائرات فرنسية”.

وفي سياق متصل، ازدادت المخاوف البريطانية من تنظيم الدولة في ليبيا، والتي ظهرت بشكل جلي على لسان
الأدميرال البريطاني كلايف جونستون -الذي يشغل أعلى رتبة بحرية في المملكة المتحدة بحلف شمال الأطلسي “الناتو”- عندما قال في تصريحات نقلتها صحيفة “ديلي ميل” البريطانية إن مسلحي “داعش” في ليبيا يخططون لتنفيذ أعمال إرهابية في المياه الإقليمية الليبية.

 لافتًا إلى “أن تنظيم الدولة الإرهابي يحاول بناء أسطول كي يستخدمه لشن حرب بحرية على الغرب… وهناك فرصة خطيرة أمام داعش لاستخدام ” نظام أسلحة متطور جدًّا” في ضرب السفن التي تعبر البحر المتوسط، مما سيكون له تداعيات غير عادية على العالم الغربي”.

وأضاف جونستون أنه على الغرب “ألا يعتقد أن البحر المتوسط يتعلق فقط بالهجرة. ولكنه يمتد بطول الشمال الإفريقي، كما أنه الطريق الذي يدخل منه داعش إلى ليبيا، ويسيطر التنظيم من خلاله على مدينة سرت وأماكن أخرى، مما سيكون له عواقب وخيمة على طرق التجارة البحرية”.


“نبحث خيارات عسكرية”

هكذا أكد بيتر كوك -المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)- وقال كوك: “إن الولايات المتحدة أرسلت بالفعل عددًا صغيرًا من العسكريين إلى ليبيا لمحاولة “إجراء محادثات مع قوات محلية للحصول على صورة أوضح لما يحدث هناك على وجه التحديد”.

و قال البيت الأبيض إن “الرئيس الأمريكي باراك أوباما أصدر توجيهات لمستشاريه في مجال الأمن القومي يوم الخميس للتصدي لمحاولات تنظيم الدولة الإسلامية للتوسع في ليبيا ودول أخرى”.

كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية “أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش سيعقد اجتماعًا الثلاثاء المقبل في روما”. ويأتي هذا الاجتماع لدراسة محاربة تنظيم الدولة في ليبيا، ويبدو أنه جاء تكليلًا لجهود إيطاليا في إقناع حلفائها الغربيين، والذي عبرت عنه وزيرة الدفاع الإيطالية عندما قالت: “في الشهر الماضي عملنا بدأب أكبر مع الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين” في سياق حديثها عن عمل منسق في مواجهة تنظيم الدولة في ليبيا.

وتزداد مخاوف الدول الغربية من التنظيم في ليبيا، نظرًا لشعورهم بأن التنظيم يحاول أن يصنع عاصمة جديدة له في ليبيا وبعدها في شمال إفريقيا، بعد انحسار نشاط التنظيم مؤخرًا في العراق والشام بعد ضربات التحالفات الدولية التي وجهت ضده واستهدفت أيضًا حقول البترول التي يسيطر عليها هناك.

كما يخشى الغرب من أن يكون التنظيم قاعدة لاستقبال وتدريب مجندين جدد من أوروبا وغيرها، وبعد ذلك قد يتوجه أعضاء التنظيم مستقبلًا إلى أوروبا عن طريق الهجرة “غير الشرعية” المنتشرة على السواحل الشمالية لإفريقيا، مما قد يُهدد أمن الدول الأوروبية.

ومن ناحية أخرى يخشى البعض من أن التدخل العسكري المحتمل قد لا يكون مرتبطًا فقط بمواجهة تنظيم الدولة، وأنه يمكن أن يستهدف جماعات مسلحة ارتبطت بالثورة الليبية على أنها جماعات “إرهابية” أسوة بما تفعله روسيا في سوريا، ومما يعزز ذلك اهتمام روسيا بتصاعد تنظيم الدولة في ليبيا وإعرابها عن قلقها من ذلك؛ مما قد يؤدي إلى تدخلها لمحاربة الجماعات “الإسلامية” المسلحة، وتكرار سيناريو سوريا في استهداف معارضي “بشار الأسد” تحت مسوغ محاربة “تنظيم الدولة والجماعات الإرهابية الأخرى”، خاصة في ظل وجود دول عربية كمصر والإمارات قد أبدت قلقًا حول الوضع الليبي، وسبق لها أن تدخلت بشكل منفرد كما تشير التقارير، ويمكن أن تبدي اهتمامًا بمثل هذا السيناريو المحتمل.

اقرأ أيضًا: ما الذي تفعله الإمارات في ليبيا؟