في بلاد يدين معظم سكانها بالإسلام (98%)، في طاجيكستان، تمنع الصلاة ويمنع ارتداء الحجاب، وتحلق لحى الرجال، كما يمنع الشباب من أداء الحج، ويعتقل ويعذب ويحظر قادة وأعضاء حزبها الإسلامي الوحيد.

فبعد انفراجة مؤقتة إثر استقلال البلاد عن الاتحاد السوفيتي، عادت الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمانوف الذي يحكم البلاد منذ 12 عامًا حتى قرر برلمانه أن يبقى مدى الحياة في هذا الحكم، إلى ذات الممارسات التمييزية، حيث تعمل الحكومة على محاربة المظهر الإسلامية لدى أهالي طاجيكستان البالغ عددهم8.5  ملايين شخص، ولا يلتفت هذا النظام إلى معاناة السكان من ضعف سيادة القانون، وغياب النشاط المجتمع المدني وتفشي الفساد. في هذا التقرير يحاول “ساسة بوست “عرض أحوال مسلمي طاجيكستان التي تسببت فيها الحكومة الاستبدادية القائمة.

(1) من الصحوة إلى العداء

يؤرخ تأسيس الصحوة الإسلامية في طاجكستان بمبادرة الشيخ عبد الله نوري عام  1978، فبناء على هذه المبادرة بدأ بناء المساجد والمدارس القرآنية، وساهم أغلبية السكان الذي كانوا يشكلون 96%  -انخفضت هذه النسبة إلى83%  بسبب هجرة الروس إليها -في الحفاظ على هذه الصحوة حتى عام 1992 إذ أعلن رحمن ناييف الرئيس الشيوعي السابق حالة الطوارئ، مما دفع المعارضة الإسلامية آنذاك لحشد أنصارها في اعتصام مفتوح استمر حتى وافق ناييف على مطالب المعارضة فتشكلت حكومة ائتلافية.

وعندما استقال ناييف، وحاول اللجوء إلى موسكو في سبتمبر  1992، تسلمت المعارضة الإسلامية الحكم برئاسة أكبر إسكندروف، وهنا سارعت روسيا إلى تعزيز قواتها في طاجيكستان بوحدة من  800جندي سيطروا على المطار، ثم أعلن رئيس الجمهورية المؤقت إسكندروف استقالة الحكومة الائتلافية، وعين رئيسًا شيوعيًا سابقًا، لذلك رفض الإسلاميون الحكومة الجديدة، لكن الشيوعيون دخلوا العاصمة، وتمكنت قواتهم عام 1993م من تصفية جيوب المقاومة ومقاتلي حزب النهضة الإسلامي، فاشتعلت الحرب الأهلية الدامية بين السلطات الشيوعية والإسلاميين بين عامي 1992، .1997

تغير الحال قبل  15 عامًا، عندما استلم أمام علي رحمانوف الحكم عام1992 ، إذ أخذت طاجكستان تشهد بأيدي حكومتها العلمانية قمعا ملحوظا للمظاهر الإسلامية. ووصل الأمر بالحكومة الطاجيكية إلى اعتقال محاميتين تركيتين زارتا طاجكستان رسميا قبل أيام، وجاءت هذه الزيارة بهدف الاطلاع على أوضاع المعتقلين السياسيين، الذين يتعرضون للتعذيب هناك، وعقبت  جمعية الحقوقيين الأتراك على هذا الحادث بالقول: “إن النظام الطاجيكي، زاد من ضغوطه تجاه المسلمين في أرجاء البلاد خلال السنوات الأخيرة، وهو يعتقل أعضاء حزب التنمية الإسلامي الطاجيكي، ويعرضهم للتعذيب، ومُنعت أسرهم من زيارتهم”.

ويمكننا استعرض أبرز إجراءات الحكومة في النقاط التالية :

منع الحجاب والملابس الإسلامية

499967286

منذ عام 2009، تمنع الحكومة الطاجيكية النساء من ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، وتحذر من ارتدائه داخل المؤسسات التعليمية، ووصل الأمر لحد منع السلطات الطاجيكية للتجار من استيراد وبيع الملابس السوداء التي ترتديها النساء المحجبات،  بحجة أنها  لا تتصل بالحضارة الطاجيكية، كما أغلقت هذه الحكومة العام الماضي 162 متجرا لبيع الحجاب، ولم يتردد رحمانوف في انتقاده العلني لمن استعاروا أزياء أجنبية -في إشارة منه إلى الحجاب الإسلامي التقليدي -وقال إنه يجب أن يرتدي مواطنوه الألبسة على غرار ما كان يلبسه “الشعب الطاجيكي القديم.”

منع الصلاة في الأماكن العامة

تمنع الحكومة الطاجيكية الصلاة في الأماكن العامة، وتشرف بشكل مباشر على صلاة الجمعة، وتعمل أيضًا على إغلاق الكثير من المساجد، خاصة في العاصمة “دوشنبه “وتتخذ حجةً عدم تسجيل هذه المساجد لدى الجهات الحكومية المختصة ذريعة لهذا الإغلاق، ويقضي القانون في طاجيكستان حظر الصلاة لمن هم دون سن الـ18  عاما في المساجد، تحت مبرر  حكومي هو “كبح التطرف الديني ومنع انتشار الأصولية الدينية في البلد”.

منع إعفاء اللحية لدى للرجال

تحت مبرر محاربة الثقافة “الدخيلة على ثقافة الطاجيك”، تطارد الحكومة الطاجكية أصحاب اللحى من السكان المسلمين، وتجبرهم على حلقها عنوة، حتى وصل مجموع من حلقت لحاهم الشرطة الطاجيكية العام الماضي  نحو13  ألف رجل.

إعادة الطلبة الذين يدرسون العلوم الدينية خارج طاجيكستان

اعتقدت الحكومة في طاجيكستان أن الطلبة المبتعثين لدراسة العلوم الدينية يعودون بفكر ديني معارض لها، وأيضًا يسهل انضمامهم إلى الجماعات المتطرفة، لذلك قررت منع الشباب ما دون الـ18 سنة من الدراسة في مدارس دينية خارج الدولة، ومنهم طلاب جامعة الأزهر في مصر، وبالفعل قامت قبل عدة سنوات بحملة لإعادة الطلاب الطاجيك من الخارج، وتمكنت من إعادة نحو 1500 طالب أي ثلث الطلاب الطاجيك في الخارج.

منع الشباب تحت سن 35 من أداء الحج

في أبريل الماضي، قررت لجنة الشؤون الدينية في طاجكستان منع الشباب تحت سن الخامسة والثلاثين  من أداء فريضة الحج، ونقل عن رئيس لجنة الحج في طاجيكستان تبريره لهذا القرار” : أنه اتَّخذ هذا القرار لإعطاء الفرصة لكبار السن في الذهاب لأداء الفريضة.”

مشروع قانون حظر الأسماء العربية أو ذات الطابع العربي في طاجيكستان

بطلب مباشر من الرئيس رحمانوف، قدَّمت الحكومة الطاجيكية اقتراحا بإجبار الوالدين على اختيار أسماء لمواليدهم إذ ما تم تسميتهم بأسماء ذات الطابع العربي.

ونقل عن المسؤول طاجيكي يدعي جلال الدين رحيموف قوله: “عقب إجازة مشروع القانون، فإن مكاتب السجلات لن تقوم بتسجيل الأسماء التي تُعد غير صحيحة أو غريبة على الثقافة المحلية، بما فيها الأسماء التي ترمز إلى الأشياء والنباتات والحيوانات، وتلك ذات الأصل العربي.”

(2) رحمانوف يعزز قبضته الحديدية

يمارس نظام رحمانوف حكمًا استبداديًا تتضح خطواته يومًا بعد يوم،  فهذا الرجل ذو الثلاثة والستين عاما يعزز قبضته الحديدية منذ ثلاثة وعشرين عامًا تواجد خلالها بالحكم، جرى خلالها طمس الهوية الإسلامية بحجة منع الأصولية كما يشير المراقبون، كما عمل على إزاحة منافسيه من المشهد السياسي، لذلك أصبحت طاجيكستان في المرتبة 151 في مؤشر الديمقراطية، حسب تقرير مجلة الإيكونوميست.

من أجل ذلك عمل رحمانوف على تعديل الدستور في طاجيكستان عام 2003 ، وجعله يسمح لفترتين رئاسيتين مدة الواحدة سبع سنوات ابتداء من عام 2006، ثم جعل التعديلات الدستورية تتيح له البقاء على مقعد الرئاسة أربع مرات، أحدثها عام 2013 ، حين أعيد انتخابه لفترة ولاية مدتها سبع سنوات، وبأصوات وصلت إلى 80%   حسبما أعلنت اللجنة الانتخابية، ومما يسجل أن رحمانوف نافس في هذه الانتخابات ستة مرشحين غير معروفين لدى الناخبين الطاجيك، أي كما يقول المحللون”كانوا واجهة للتدليل على تعددية الانتخابات”، كما أن حزب نهضة طاجيكستان الإسلامي لم يتمكن من الحصول على أي مقعد من مقاعد البرلمان في هذه الانتخابات، ثم بعدها حظر الحزب، ولفقت اتهامات لقادته وعناصره بالتدبير لقلب نظام الحكم.
ويدلل تعقيب بعثة المراقبة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على اتساع  ديكتاتورية رحمانوف، إذ قالت المنظمة :”إن العقبات في طريق تسجيل مرشحي المعارضة، والقيود التي فرضت على حرية التعبير، والامتيازات التي استفاد منها الرئيس المنتهية ولايته في وسائل الإعلام، أدت إلى غياب خيار حقيقي وتعددية فعلية “وأضافت البعثة في البيان الذي صدر بعد ساعات على إعلان فوز رحمانوف، أن هذه القيود تتناقض مع مبادئ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والمعايير الدولية الأخرى للانتخابات الديمقراطية.

ووصل الأمر إلى إقرار البرلمان في طاجيكستان قبل الأيام بالسماح لرحمانوف بالبقاء على مقعد الرئاسة لعدد غير محدد من الفترات، فحسب” رويترز” :”هناك بند يسقط قيد تولي الرئاسة بفترتين متعاقبتين، كما يخفض تعديل آخر، الحد الأدنى لعمر المرشح الرئاسي إلى 30 عامًا من 35 عامًا، ويبلغ عمر ابن رحمانوف الأكبر رستم،  28 عامًا، وستكون سنه 33 عامًا عندما تنتهي فترة ولاية أبيه الحالية عام .”2020

أما ما قد يعتبر أغرب التحركات الاستبدادية لرحمانوف، فهو صدور فتوى من مركز طاجيكستان الإسلامي تحرم انتقاد النظام في الجمهورية السوفياتية السابقة، إذ قال مفتي طاجيكستان سيد مكرم عبد القدير أن: “انتقاد النظام يعد إثمًا عظيمًا، ومن يدعون إلى تحريض الناس ضد السلطات الحالية ويشاركون في ذلك، سينزل بهم الله عقابه “، محذرًا المسلمين من الاتصال بالمنظمات أو الإعلام الدولي لأنها تهدد استقرار البلاد والعالم.”

(3) حزب النهضة الإسلامي

Mourning of people killed in clashes between government supporters and opposition dushanbe on may 5-7, 1992, tajikistan.

أكبر أحزاب المعارضة في طاجيكستان، وأول قوة سياسية معارضة حصلت على ترخيص عام 1997 تعود مبادرات تأسيسه إلى عام 1991 م، عندما انعقد المؤتمر التأسيسي له في إحدى قاعات مبنى الحزب الشيوعي المنحل.

يحسب الحزب على تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، فهو يتبنى أفكارا وأهدافا ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين، ويؤمن الحزب بالديمقراطية والتعددية وفقا لمبادئه المعلنة، ويعمل على تحقق السلم الاجتماعي في المجتمع، ويخوض غمار العمل السياسي المشروع.

شارك الحزب في حرب الاستقلال الطاجيكية التي وقعت ما بين عامي  1992 وعام 1997، ولم يهنأ إلا عندما وقع اتفاق المصالحة مع الحكومة عام  1997والذي حقق مطالبه، لكن اليوم وفي إطار حملتها المناهضة للمؤسسات ذات الطابع الإسلامي، ولأن الحزب يشكل المعارضة السياسية الوحيدة أمام رحمانوف، أدرجت المحكمة الدستورية الطاجيكية هذا الحزب في قائمة المنظمات الإرهابية (أكتوبر (2015، واعتبرت أن أعضاء الحزب إذ لم يغادروا الحزب طواعية معرضون للملاحقة القانونية، ووجهت النيابة العامة العسكرية تهمة الخيانة العظمى والإرهاب لعدة قادة وأعضاء في الحزب في إطار زيادة القمع ضده.

ومع كل القمع الذي يتعرض له الحزب من حكومة رحمانوف حافظ أنصاره على النهج السلمي، يقول زعيم حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان، محي الدين كبيري: “إن حكومة بلاده تقمع المتدينين، عبر فرض قيود على ممارسة الشعائر الإسلامية”، ويعتبر كبيري أن: “ممارسات حكومة بلاده، تدفع كثيرًا من المواطنين، خاصة الشباب إلى اليأس، ودفعهم للتفكير في أن الحل يكمن في التوجه إلى الجماعات المتطرفة، ما أدى إلى انضمام مئات من الشباب الطاجيكي إلى صفوف تنظيم داعش”، كما أشار إلى أن:  “سياسات الحكومة القمعية، أدت إلى الابتعاد عن تطبيق بنود اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة والمعارضة عام 1997، وأسفرت عن إنهاء الحرب الأهلية التي بدأت عام 1992، وأوقعت عشرات الآلاف من القتلى.”

(4) الدور الروسي

تعود سياسة طاجيكستان العدائية ضد المعارضة الإسلامية، لولاء حكومة رحمانوف العلمانية لموسكو، إذ تحرض روسيا هذه الحكومة على الإسلاميين بشتى الطرق الممكنة، وتؤيد روسيا  الحكم في طاجيكستان وتضفي الشرعية على سلوكيات النظام هناك، وقد دعمت هذه الحكومة من قبل روسيا  خلال حرب أهلية التي دامت خمس سنوات هزم فيها الإسلاميين.

وكما يقول المحللون، فإن طاجيكستان أحد اللاعبين الأساسيين في الساحة السياسية الإقليمية، لها أهميتها الإستراتيجية بالنسبة لروسيا؛ فهي تقع ضمن أراضي آسيا الوسطى التي تشكل منطقة عازلة ونطاق مصالح بالنسبة لموسكو، ومنذ عام 1991 وإعلان استقلال طاجيكستان عن الاتحاد السوفيتي، ما تزال هذه البلد بحكم موقعها  الجغرافي مقيدة بروسيا بشكل كبير، يتحكم الروس في اقتصادها الفقير، وتحتفظ روسيا بقاعدة عسكرية تضم ستة آلاف جندي في طاجكستان، وطاجيكستان كذلك عضو في عدد من التحالفات العسكرية والاقتصادية الإقليمية التي تهيمن عليها موسكو.

وتعد الاتفاقية التي وقعت مؤخرًا بين طاجيكستان وروسيا خير دليل على هذا الترابط، إذ ينص عقد الاتفاقية على السماح  للقاعدة العسكرية الروسية (201) بالبقاء في طاجيكستان على الأقل حتى عام .2042 ويشمل الاتفاق تزويد طاجيكستان بالمعدات العسكرية والفنية اللازمة، كما أنها وتحت مبرر محاربة داعش، أكدت روسيا في بداية العام الماضي على حرصها على تقديم مساعدة عسكرية وتقنية لطاجيكستان لمحاربة التنظيم قيمتها نحو  70بليون روبل، وأخذت من أجل ذلك ترتب الإجراءات على 1350 كيلومترًا من الحدود مع أفغانستان.

وتؤكد المصادر في طاجيستان أن 60 % من عمليات القتال تجري على الحدود الطاجيكة_الأفغانية، لذلك لا يستبعد المراقبين أن تستخدم القاعدة الروسية في طاجيكستان قريبًا لفتح جبهة ثالثة، بعد جبهات أوكرانيا وسورية.

(5) تنظيم الدولة الإسلامية

واحد من الأسباب التي دفعت الحكومة الطاجيكية لقمع الوجود الإسلامي وتبرير حملتها ضد المعارضين الإسلاميين، هو تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي تمكن من ضم مئات من الشباب من طاجيستان إليه، قدر عدد هؤلاء حسب الحكومة الطاجيكية بأكثر من 600 مواطن طاجيكستان، قتل منهم أكثر من 100 طاجكستاني.

واتهم رئيس طاجكستان إمام علي رحمانوف، مسلحين من مواطنيه بالوقوف وراء هجمات استهدفت الشرطة  الطاجيكية وانتهاجهم فكر تنظيم داعش نفسه، وقال إنهم يسعون إلى تقويض حكمه، كما اتهمت وزارة الداخلية في طاجيكستان حزب النهضة الإسلامي بشكل واضح بإقامة علاقات مع “داعش”، وقالت إنه ينوي “رفع الراية السوداء” لداعش على الأراضي الطاجيكية.

وتأتي هذه الاتهامات رغم أن أبرز من انضم إلى مقاتلي التنظيم هو قائد القوات الخاصة في الشرطة الطاجيكية، الكولونيل غول مراد خليموف، وهو في الأربعينات من العمر، وذكر بيان مكتب النائب العام في طاجيكستان أنّ: “خليموف مطلوب في جرائم من بينها الخيانة العظمى والمشاركة غير المشروعة في أعمال عسكرية في الخارج”. كما سبق وأن أشرنا إلى أن الحكومة الطاجيكية اعتبرت أن طلاب طاجكستان الذي خرجوا للدراسة في الخارج ينضمون إلى الجماعات المتطرفة أثناء الدراسة في الخارج، لذلك تقرر منعهم وأقر البرلمان الطاجيكستاني “مناقشة مشروع قانون يقضي بسحب الجنسية من كل مواطن تثبت مشاركته في القتال إلى جانب الجماعات المتطرفة في النزاعات عبر العالم”.