لم تكن وزيرة الخارجية السويدية “مارغوت فالستروم” سياسية عادية في أي منصب تولته خلالها مسيرتها، فعلى الصعيد الدبلوماسي والسياسي عادت الاشتراكية الديمقراطية لتقف وراء العديد من القضايا بدافع “العمل الصالح” كما تقول.

أحد أبرز وزراء حكومة اليسار السويدية الحالية، أثارت مؤخرًا الكثير من الجدل بسبب مواقفها الجريئة، انتقدت بصوت مرتفع النظام القضائي في المملكة العربية السعودية كما طالبت بمعاقبة دولة الاحتلال الإسرائيلي على ممارساتها ضد الفلسطينيين، وبينما هي في نزاعات مستمرة مع كل من تسميهم بـ”منتهكي حقوق الإنسان”، دخلت قبل أيام معتركًا جديدًا كانت فيه هذه المرة هي المتهمة بقضية فساد.

من هي فالستروم

تبلغ مارغوت فالستروم من العمر واحدًا وستين عامًا، ولدت في بلدة سكيليفتيا السويدية. تتمتع الاشتراكية الديمقراطية “فالستروم” بمسيرة حافلة بالعمل في المجالين الدبلوماسي والسياسي، فقد قضت 10 سنوات كمفوضة للعلاقات المؤسساتية وإستراتيجية الاتصال بالاتحاد الأوروبي، كما شغلت منصب نائبة رئيس اللجنة الأوروبية والمسؤولة الأوروبية عن البيئة، وهي من أبرز أعضاء حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي السويدي، وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية في فترة رئاسية للحزب، وبعد أن جمدت نشاطها السياسي ضمن الحزب الاشتراكي الديمقراطي عادت لتشغل منصب وزيرة خارجية السويد إذ أعلنت إمكانية عودتها إلى النشاط السياسي لوجود بوادر تغيير حكومي محتمل، تعلن فالستروم أنها حريصة على “مناصرة المرأة”، إذ قالت أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف “إن الحكومة السويدية تريد تعزيز المساواة بين الجنسين وتحسين وصول المرأة إلى الموارد وزيادة تمثيل النساء. ندعو ذلك سياسة خارجية مناصرة للمرأة”.

وعقب عودتها للعمل السياسي قال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي ستيفان لوفين: “مارغوت فالستروم لديها الكفاءة والخبرة السياسية، وفي طبيعة الحال، ستكون عودتها مكسبًا كبيرًا للحزب الاشتراكي الديمقراطي، لأنها تحظى بشعبية واحترام كبيرين داخل الحزب وخارجه”.

فالستروم تنتقد السعودية

في مارس (2015)، انتقدت فالستروم بشدة سجل حقوق الإنسان في السعودية، وكررت انتقادها عندما وصفت السعودية بأنها “بلد ديكتاتوري”، تستخدم في نظامها القضائي أساليب القرون الوسطى، وأدانت معاملة السعودية للمرأة والحكم الذي أصدره القضاء السعودي بحق المدون رائف بدوي.

بالطبع لم ترق مواقف الوزيرة للحكومة السعودية، فقررت استدعاء سفيرها السعودي لدى ستوكهولم، كما عجلت الإمارات باستدعاء سفيرها لدى السويد بعد مرور أسبوع فقط من قرار السعودية، وذكر في مذكرة الاحتجاج الإماراتية أن “تصريحات فالسيتروم المسيئة ضد المملكة العربية السعودية مُدانة بشدة”. واستكملت السعودية ردها المضاد بقرار منع الوزيرة السويدية من إلقاء كلمة أمام جامعة الدول العربية، وأيقنت فالستروم حينها أن المندوبين السعوديين هم الذين لا يرغبون في إلقاء كلمتها أمام جامعة الدول العربية بمصر، وقالت حينها “أن التفسير الذي تلقيناه هو أن السويد سلطت الضوء على وضع الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، ولهذا السبب لا يريدونني أن أتكلم. آسفة لذلك”، وقد قامت الحكومة السويدية بنشر نص خطابها، الذي اكتفى بالإشارة بعبارات عامة كضرورة إرساء الديمقراطية والتنمية الاقتصادية ومحاربة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان.

وبسب هذا التجاذب السويدي السعودي، قامت حكومة السويد بإلغاء اتفاقية للتعاون الدفاعي مع السعودية، كما واصلت السعودية احتجاجها بمنع إصدار أي تأشيرات لرجال الأعمال السويديين، وهو أمر كلف ستوكهولم آلاف الوظائف، وقد دفعت هذه الأزمة الملك السويدي «كارل السادس عشر جوستاف» لمطالبة فالستروم بإنهاء الأزمة.

فالستروم و«إسرائيل»

تشتهر فالستروم بانتقاداتها المتتالية لدولة الاحتلال، وقد بدأ حزبها “الديمقراطيون الاجتماعيون” بعد توليه الحكم في السويد التنغيص باستمرار على دولة الاحتلال الإسرائيلي، فبعد توليها لمنصبها في تشرين الأول عام 2014 أعلنت السويد اعترافها بفلسطين، وتصاعدت أيضًا تنديد السويد بالاستيطان الإسرائيلي.

تقول فالستروم منتقدة الاستيطان الإسرائيلي: “إنهم ماضون في سياسات الاستيطان وماضون في الهدم، وماضون في سياسات الاحتلال التي تنطوي على إذلال للفلسطينيين، مما يجعل عملية السلام صعبة”، وبعد هجمات باريس اعتبرت فالستروم أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، أحد العوامل التي تدفع إلى “التطرف” مما أثار حفيظة دولة الاحتلال الإسرائيلي، وقررت على إثره استدعاء سفير السويد في تل أبيب للاحتجاج على قيام الوزيرة السويدية بربط اعتداءات باريس الإرهابية بالصعوبات التي تمر بها عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكن القشة الأخيرة التي “قضمت ظهر البعير” وجعلت فالستروم ودولتها في مرمى النيران السياسية والإعلامية الإسرائيلية هو دعوتها إلى التحقيق في مقتل الفلسطينيين خلال انتفاضة القدس الحالية، إذ قالت: “لابد من التحقيق المعمق والموثوق في مقتل الفلسطينيين وإلقاء الضوء عليه، ووضع الكلّ أمام مسؤولياتهم”.

لذلك كان من الطبيعي أن تتهم فالستروم بـ”معاداة السامية”، و”التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية”، وأن توصف تصريحاتها بـ”المعادية والصادمة والوقحة”. وأنها “تظهر باستمرار انحيازًا ضد إسرائيل”، حتى زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان قال ساخرًا: “إن العمل الوحيد الذي لم تفعله وزيرة خارجية السويد لإسرائيل، هو الانضمام للفلسطينيين والقيام بعملية طعن”، كما عيرت فالستروم من قبل وزير الإسرائيلي بأن “أكبر عدد من الأوروبيين الذين يلتحقون بداعش الإرهابي يأتي من السويد”، ومنعتها دولة الاحتلال من زيارة الأراضي الفلسطينية دون المسؤولين السويديين، لأنها “غير مرحب بها في إسرائيل”.

ومن داخل السويد تتعرض فالستروم للضغوطات من قبل ما يسمى “لجنة مكافحة معاداة السامية” التي يقف وراءها اليمين السويدي المتطرف، إذ تجهد سفارات دولة الاحتلال لإخراس الأصوات المنتقدة لها بأيدي الموالين لها، يقول الكاتب ناصر السهلي عن فالستروم: “تختار كلماتها بشكل يثير ساسة الاحتلال وأذرعهم في دول إسكندنافيا، لذلك يصفون تلك التصريحات بالعدوانية”، ويشير الكاتب إلى أن: “بعض الكتاب المحليين في ستوكهولم، فضح أمر ولائهم لإسرائيل، بحيث أظهروا لها ولاء أكبر من ولائهم لدولتهم، وذلك عبر مطالبة فالستروم بـ”الاستقالة” على خلفية سياسة بلادها الخارجية تجاه إسرائيل”.

إسرائيل و«فساد» فالستروم

بعد أيام قليلة على تصريحات فالستروم ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي، فتحت النيابة السويدية تحقيقًا أول ضد الوزيرة السويدية بتهمة “الفساد”، إذ كُشف أن فالستروم استأجرت شقة من نقابة الوظائف السويدية دون انتظار لدور كما يحدث مع المستأجرين الآخرين، وهو انتظار ناجم عن أزمة شح في المباني السكنية الجديدة في ستوكهولم التي حصلت فيها الوزيرة على الشقة، وتقول المصادر السويدية التي كشفت القضية: “إن الوزيرة وكي تكون قريبة من مكان عملها اتفقت مع نقابة البلديات لتستأجر منهم شقة مقابل رشوة”.

وحسب صحيفة “أفتون بلاديت” السويدية فإن المدعي العام في مكافحة قضايا الفساد “بدأ بالتحقيق فيما إذا كانت وزيرة الخارجية قد ارتكبت مخالفات تصل حد الفساد والرشوة”، وقد ردت فالستروم على هذه القضية بالقول: “أرحب بالتحقيق، ليس هناك ما أخفيه ومن الجيد أن تتضح الأمور لأنني سأتابع واجبي وعملي كما ينبغي”، بينما قال رئيس الوزراء السويدي: “أعتقد أنه من الأفضل لو أنها رتبت أمور سكنها بطريقة أخرى، لكن لم يجر أي شيء بشكل خاطئ رسميًّا حسبما أعرف”.

هذا القضية التي أثارت غبطة اليمين السويدي المعارض لحكومة فالستروم، لا تستبعد مصادر عدة وجود «أصابع» إسرائيلية وراءها بسبب سياسة انتقاد الوزيرة لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، كما أن سيطرة الاحتلال على اليمين السويدي ووجود أنصار له لا تخفى في المجتمع السويدي.

متعاطفة مع اللاجئين

لم تجد فالستروم أبلغ من الدموع للتعبير عن حزنها على صورة جثّة الطفل السوري الغريق إيلان الكردي، ووصفت الصورة بأنها: “هذه الصورة أحدثت فينا وقعًا، فينا جميعا، لأنها جسّدت الأمر في وجه واسم وحكاية، لم يعد الأمر متعلقًا بمراكب مليئة باللاجئين”، وتابعت القول: “لقد فرضت صورة إيلان علينا التحرّك لأجله ولأجل الآخرين جميعًا، في السابق كنا نرى أعدادًا كبيرة ومراكب، أناسا بمعنى ما بلا وجوه وملامح”.

وبدا غضب فالستروم كبيرًا عندما تعرضت مخيمات للاجئين للحريق بدوافع عنصرية، إذ كتبت على “تويتر”: “إن بلدًا متحضرًا وإنسانيًا مثل السويد لا يمكن أن يقبل بأن تكون مراكز إيواء طالبي اللجوء فيه عرضة للمصابين بهوس الحرائق”، وفي تصريح سابق، قالت فالستروم إنها: “ستكافح من أجل أن تقوم دول أوروبية أخرى بجهد مماثل لجهد السويد في استقبال اللاجئين”، مضيفة: “يجب أن تنضم إلينا دول أوروبية أخرى وأن تتحمل مسؤولياتها، لا يمكننا تحمل كامل المسؤولية بمفردنا”.