في مشهد وصف بالصادم، أقدم أمس الأحد 31 يناير/كانون الثاني 2016، عددٌ من الشباب العاطل عن العمل بمحافظة القصرين بالوسط الغربي لتونس، بخياطة أفواههم معلنين دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام، احتجاجاً على عدم استجابة المسؤولين لمطالبهم في التشغيل.

وكانت القصرين قد شهدت اندلاع احتجاجات شعبية أول يناير/كانون الثاني الماضي انتهت بمواجهات بين الأمن والمحتجين وباعتصام سلمي مازالت تقوده مجموعة من العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات.

تنويه:القصرين في 31/01/2016أيتها الجماهير المنتفضة أيها الشعب الأبي:***نحن المعتصمون من أجل حقّنا في التشغيل و التنم...

Posted by Wajdi Khadraoui on Sunday, January 31, 2016


حالة من الإحباط والعجز

الناطق الرسمي باسم الشباب المعتصم في مقرّ محافظة القصرين وجدي الخضراوي أكّد في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي" أن الوضع العام مأساوي للغاية ويتجه نحو التصعيد بعد أن وصل اليأس والإحباط مداه بين الشباب المعتصم، غير مستبعد في ذات الوقت سيناريو تفجّر الوضع في أي لحظة.

وأضاف "الشباب المعتصم قرّر التصعيد في أشكال الاحتجاج، فرغم محافظتنا طوال الأسبوعين الماضيين على سلميّتنا من باب تغليب الحكمة والمصلحة العامة وتهدئة الشارع، غير أننا فوجئنا بتواصل إهمال المسؤولين الجهويين لمطالبنا، لذلك قرر نحو 7 من الشباب إخاطة أفواههم بالإبرة والخيط والدخول في إضراب جوع مفتوح رفقة 16 من الشباب الآخرين".

الخضراوي حمّل السلطات الجهوية والحكومة التونسية المسؤولية التامة لتدهور الأوضاع الصحية للشباب المعتصم، غير مستبعد اتجاه الشباب لأشكالٍ أخرى من الاحتجاج والنضال في سبيل تحقيق مطالبهم المشروعة، على حدّ تعبيره.

تكرار سيناريو خياطة الأفواه بعد الثورة

مشهد خياطة الفم الذي اتّخذه بعض الشباب كشكل من أشكال الاحتجاج بهدف إيصال أصواتهم للحكومة وللرأي العام بالرغم من قساوته ومايحمله من ألم وتعذيب للذات، ليس بالجديد في تونس، حيث أقدم في السابق مجموعة من الشباب من جرحى الثورة على القيام بذات السيناريو بعد أن وصل بهم اليأس والعجز مداه على غرار الشاب عبد القادر العلوي ابن الـ26 ربيعاً الذي قام في 2012 بخياطة فمه بشكل كامل وغرز إبرة في أحد الشرايين الرئيسية بيده اليسرى أمام وزارة العدل وحقوق الإنسان احتجاجاً على رفض الحكومة آنذاك معالجته بالخارج إثر إصابته برصاصة في ساقه أثناء الثورة.

كما أقدم جريح الثورة الشاب محمّد الحنشي في سنة 2013 على خياطة فمه في منزله بمدينة برج السدرية من محافظة بن عروس، وذلك احتجاجاً على ظروفه المعيشيّة المتردية وعدم تحسّن حالته الصحيّة.

وكان هذا الشاب الذي يعمل في قطاع الصيد البحري قد أصيب بطلقٍ ناري في ساقه إبان الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال الثورة في 2011.


دوافع إيلام الذات

ويذهب الباحث في علم الاجتماع طارق بلحاج محمد إلى اعتبار ظاهرة خياطة الفم مندرجةً ضمن نوع من المعاناة والاضطرابات السلوكية والنفسية عند بعض الأشخاص الذين بلغ بهم العجز والإحباط مداه وهذا ما يفسّر حسب قوله ارتفاع منسوب العنف والعدوانية للشخص ذاته ولمن حوله.

ويتساءل بلحاج : "حين يحاصرنا الإحساس بالعجز في الحاضر وحين نفقد الأمل في المستقبل فهل يبقى لنا من خيارات كبرى لإنجازها في الحياة؟ فهذه العملية دليل على عمق الأزمة المزمنة القائمة التي يعيشها جزء من التونسيون وتحديداً شريحة الشباب ومثلما رأينا صورة للتونسي ابن الثورة في قمة عنفوانه نراه اليوم بالمقابل في أكثر صوره ضعفاً وهشاشة واضطراباَ".

مقابل ذلك لا ينفي خبير الاجتماع أن مثل هذه السلوكات العنيفة والبشعة في التعبير عن معاناة بعض الشباب هي أيضاً تدخل ضمن استعمال وسائل مبتكرة وتجديد في "التكتيكات الاحتجاجية" لجلب انتباه الرأي العام ووسائل الإعلام والمسؤولين ولكسب تعاطفهم.

ويخلص بلحاج إلى أن تونس تعيش اليوم مرحلة سياسة الشوارع التي تختلف حسب تقييمه تماماً عن تلك السياسات التي تمارس في الفنادق والقاعات من قبل الحكومة والأحزاب السياسية.