تقدم الديمقراطية الناشئة في تونس استثناء جديدا في المنطقة العربية عبر موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي تجتاحها. والشيء الجديد هو التحاق أعوان الشرطة بهذه الاحتجاجات، وهو ما يعتبر سابقة في الدول العربية.

يعتبر تحرك رجال الشرطة بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب مآخذ حول النشاط النقابي نفسه داخل المؤسسة الأمنية ولكن أيضا بسبب رمزية التحرك، الذي وضع هذه المؤسسة في مواجهة رئاستي الحكومة والجمهورية، بل إنه تزامن أيضا مع ذكرى أحداث الثورة.

وحتى وقت قريب كان ينظر إلى المؤسسة الأمنية، كأحد الأذرع الطويلة لنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. إذ لا تزال هذه الصورة النمطية لسلطة البوليس القمعية منذ عهد بن علي وبورقيبة تسيطر على ذهن الشارع التونسي وهي تشكل جزءاً كبيراً من التحفظات المحيطة بالتحرك الأمني اليوم على الرغم من الإصلاحات التي شهدتها المؤسسة منذ ثورة 2011.

لكن شكري حمادة المتحدث الرسمي والمكلف بالشؤون القانونية في نقابة قوات الأمن الداخلي يوضح لـDW عربية بأن الأمنيين يشكلون اليوم الواجهة الأولى في خط المواجهة مع خطر الإرهاب، وهم كغيرهم من التونسيين يواجهون ذات المشاكل الاجتماعية التي طالت كل الشرائح. ولعل من مفارقات الديمقراطية في تونس أن الشرطة استفادت من المزايا والحريات العامة للثورة التي قامت في جزء منها ضد سلطة البوليس، ومن بينها التمتع بالحق النقابي لكن دون الإضراب، وهو ما يفسر اعتصام الأمنيين أمام مقرات الشرطة دون تعليق لسير العمل.

وتضم النقابة الرئيسية نحو 42 ألف منخرط من قرابة 80 ألف عنصر أمن في تونس، وهي لم توقع، على غرار نقابات أخرى، على اتفاق تم التوصل إليه مع الحكومة يقر بزيادات في المنح كونه لا يرتقي إلى انتظارات النقابيين.

شكري حمادة: رجال الأمن هم اليوم الواجهة الأولى في مواجهة خطر الإرهاب

مطالب الشرطة

ويرتكز المطلب الرئيسي للنقابة على المساواة في الحقوق المادية والاجتماعية بين رجل الأمن ورجل المؤسسة العسكرية على اعتبار أن الاثنين يتساويان في طبيعة المخاطر التي يواجهانها على الأرض. كما تشمل المطالب إدارج الساعات الإضافية والرفع من المنح الخاصة وأبرزها منحة الخطر المقدرة بنحو أربعة أضعاف لعناصر القوات المسلحة.

ويعلق حمادة على تحركات الأمنيين قائلا "مطالبنا مشروعة، سقط العشرات من الشهداء في مواجهة الإرهاب وهناك 400 أمني تضرروا في أحداث الثورة. يدفعنا هذا إلى التساؤل ما إذا كنا وعائلاتنا جزءاً من المجتمع التونسي ونحن نعاني كغيرنا من التونسيين من ذات المشاكل الاجتماعية".

ولا ينظر بارتياح إلى تحرك الأمنيين في الشوارع في الوقت الذي لا زالت المؤسسة النافذة تعمل فيه على ترميم السمعة والانفتاح على باقي قطاعات المجتمع ومؤسسات الدولة. والخوف من أن تتحول الجماعات الأمنية الى قوة ضغط وتوجيه داخل السلطة كما كان الحال في الماضي هاجس لا يزال يقض مضجع العديد من مكونات المجتمع المدني على الرغم من التحسن الأمني الواضح في التعاطي مع الاحتجاجات الأخيرة، التي اجتاحت أغلب مدن البلاد.

"البعض لا ينظر بارتياح إلى تحرك الأمنيين في الشوارع"

ويعتبر هشام الشريف مدير مركز العدالة الانتقالية (منظمة مستقلة) في حديثه مع DW عربية، أن الإصلاحات داخل المؤسسة الأمنية لا تزال متعثرة خاصة في الجوانب المرتبطة بحقوق الإنسان، وهو مسار لا يمكن أن يشهد تقدما ما لم يكن مقترنا بعمل فعال لمنظومة العدالة الانتقالية. وهو يرى أن حملات التضييق والتشكيك التي تعرضت لها سابقا هيئة الحقيقة والكرامة، المكلفة بالنظر في انتهاكات الماضي، أعاقت خطط الإصلاح في عدد من المؤسسات ومن بينها المؤسسة الأمنية.

لكن مع ذلك، فإن الانتقاد الأكبر الذي يوجه إلى المؤسسة الأمنية في تحركها الاحتجاجي بحسب الشريف، هو الافتقاد إلى الانضباط والتحول إلى سياسة لي الذراع مع الحكومة، فضلا عن استثمارها لوضع عام يموج بالاضطرابات الاجتماعية وبحالة من الانهيار الاقتصادي. ويوضح هشام الشريف "السلطة تتحمل جزءاً من المسؤولية فيما يحصل بسبب سياسة التمييز. والتحرك الأمني يعد منطقيا طالما أن الحكومة قامت بتسوية الأوضاع الاجتماعية لعدة قطاعات أخرى".

وبغض النظر عن المطالب المادية للتحرك وما إذا كان ينطوي على مآرب أخرى أم لا، فإن استقرار الديمقراطية الناشئة يتوقف عمليا في نظر كثير من الملاحظين على إقرار مصالحة مع قطاعات واسعة من رجال الأمن، وهو أمر من شأنه أن يعزز الجبهة الداخلية لمكافحة الإرهاب الذي يتربص بتونس وسط منطقة إقليمية متحركة وخطيرة.

ويعتبر الإعلامي والناشط الحقوقي سليم بوخذير أن الاشتغال على ملف العدالة الانتقالية لا يمنع من المضي قدما في إقرار تسويات اجتماعية لرجال الأمن باعتبارهم أحد القطاعات التي طالها الحيف والظلم في زمن الديكتاتورية قبل الثورة. ويضيف بوخذير لـDW عربية "الملفان يعتبران خطين متوازيين. لا داعي لأن نخشى. حافظت تحركات الأمنيين حتى الآن على نقائها. وتسوية مطالبهم الاجتماعية سيرفع من معنوياتهم وسيعزز من كفاءتهم في مهمتهم لحفظ الأمن والتصدي للإرهاب".